انتفاضة فلسطين الكبرى الأولى 1987 – 1994 ( 3 – 3 )

الخميس,شباط 21, 2008

انتفاضة فلسطين الكبرى الأولى
1987 – 1994
( 3 – 3 )
د. كمال إبراهيم علاونه
أستاذ العلوم السياسية – فلسطين
ملاحظة هامة : يرجى من القراء الكرام ، قراءة الجزء الثاني أولا .. ( 2 – 3 ) .
11 . مقومات استمرارية الانتفاضة الأولى الكبرى
هناك عدة عوامل نفسية وسياسية ودينية واقتصادية وعسكرية واجتماعية وثقافية ساعدت على استمرارية انتفاضة فلسطين الكبرى لتمتد إلى سبع سنين من 1987 – 1994 من الصمود والتحدي والتصدي للمؤامرة الدولية على شعب فلسطين . وأهم هذه العوامل ما يلي :
1. العوامل النفسية : رغبة شعب فلسطين وتحمسه لإقامة دولة خاصة به مثله مثل بقية شعوب العالم ، فالوضع النفسي العام يرنو إلى إشباع رغبات الأماني القومية العامة في الحرية والتحرير والاستقلال ليعيش شعبا عزيزا حرا كريما في وطن عزيز دون منغصات .
2. العوامل السياسية : تتمثل بتكالب الدول الاستعمارية على أرض فلسطين فكانت الرغبة العامة في الحصول على تقرير المصير وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وإزالة المستعمرات اليهودية من أرض فلسطين مهما كلف الثمن السياسي . كما أن وجود الأطر الاجتماعية المنبثقة عن الفصائل الفلسطينية كمنظمات الشبيبة عن حركة فتح ، والكتل الإسلامية عن حماس ساعد في تقوية الانتفاضة وتعزيزها وسهولة فرز وبناء القوات الضاربة أو السواعد الرامية .
3. العوامل الدينية : تتمثل بالأيديولوجية الإسلامية الداعية للتحرير وإقامة الدولة الإسلامية في فلسطين باعتبارها أرضا مباركة . فظهرت الصحوة الإسلامية تنادي بإقامة حكم الله في الأرض الفلسطينية المقدسة ، وتحريرها من الغزاة الصهاينة المغضوب عليهم من الله سبحانه وتعالى .
4. العوامل الاقتصادية : الاعتماد على الذات الفلسطينية ، والدعم العربي والإسلامي المساند لمسيرة الحرية والاستقلال الوطني الفلسطيني والرغبة الفلسطينية في التخلص من التبعية الاقتصادية للأعداء ، الذين خنقوا الاقتصاد الفلسطيني وصادروا الأراضي وتسببوا في المعاناة الاقتصادية اليومية وزيادة البطالة واقتلعوا الأشجار المثمرة والمزروعات .
5. العوامل العسكرية : تمثلت بحالات القمع الشديد وفق ما يسمى ( سياسة العصا والجزرة ) و( سياسة القبضة الحديدية ) فكان الرد على القمع والاضطهاد والاستغلال الاقتصادي الدعوة لخوض المعركة المصيرية للتخلص من المعاناة اليومية التي يسببها جيش الاحتلال الصهيوني ، فلكل فعل رد فعل مساو له في المقدار ، ومخالف له في الاتجاه ، فكان رد الفعل الفلسطيني الدعوة للجهاد العام .
6. العوامل الاجتماعية : تمثلت باستمرار تشتت العائلات الفلسطينية منذ فترة طويلة . فمسيرة التهجير والإغتراب القومي بقيت واضحة للعيان فجاءت الرغبة في لم الشمل الاجتماعي للمهاجرين الفلسطينيين . مع ما يشكله ذلك من رد الفعل على الصمود والتحدي لهذه المعاناة ومحاولة وضع حد لها ويكون ذلك بالحصول على الاستقلال . ومسيرة الاستقلال تحتاج لتضافر الجهود والتكافل الاجتماعي بين أبناء الشعب الواحد .
7. العوامل الثقافية : تمثلت في الرغبة بتجسيد مسيرة ثقافية وطنية للشعب الفلسطيني بعيدا عن ثقافة السلام المزعوم ومحاولات الصهيونية فرض الاستسلام على شعب فلسطين .
12. مواجهة الاحتلال الإسرائيلي للانتفاضة الكبرى
امتدت الانتفاضة الشعبية الفلسطينية الكبرى كما اشرنا آنفا ، ما بين 8 كانون الأول 1987 – 4 أيار 1994 بواقع 79 شهرا . ومنذ اليوم الأول لانتفاضة شعب فلسطين لجأت قوات الاحتلال الإسرائيلي لعدة طرق لمواجهة هذه الانتفاضة وقمعها والحد منها أو إنهائها جزئيا أو كليا . ومن أبرز هذه الطرق الآتي :
أولا : القمع العسكري : عمل الاحتلال على إتباع عدة طرق لقمع الفلسطينيين عسكريا تمثلت بما يلي :
1. التعذيب والتنكيل الفردي والجماعي : تعذيب الفلسطينيين والتنكيل بهم بصورة جماعية وفردية في الآن ذاته في بيوتهم ومؤسساتهم وقراهم ومدنهم ومخيماتهم عبر جمع المواطنين من سن 16 – 60 سنة في الساحات العامة كالمدارس والنوادي والجمعيات والشوارع الرئيسية وإجبارهم على الجلوس ساعات طويلة في الشمس الحارقة صيفا وتحت المطر الهاطل شتاء . وجمع مئات المواطنين في القرى والمدن والمخيمات ليلا ونهارا عدة ساعات للتحقيق معهم ميدانيا .
2. الإغلاق الشامل للأراضي الفلسطينية ، والحصار الشامل على الضفة الغربية وفصلها عن قطاع غزة ، وفصل المدن عن بعضها البعض ، وفصل قرى أو مخيم عن مركز المحافظة ، وهكذا فكانت الحواجز البرية التي تفصل بين أبناء الشعب الواحد . وكذلك استخدم الاحتلال الطائرات لقصف وقمع فعاليات الانتفاضة وإلقاء القبض على المطلوبين لها .
3. القتل بالرصاص والضرب المبرح والجرح الكلي والجزئي . كما لجأت قوات الاحتلال إلى ( سياسة تكسير عظام ) الفلسطينيين بناء على مناشدة وطلب أمريكي لتقليل اللجوء للذخيرة الحية في قمع المتظاهرين والشباب الفلسطيني فتكسير العظام أكثر فعالية من الاعتقال والحكم بالسجن لأنه لا يمكن الشاب المكسرة عظامه من العودة والمشاركة في الانتفاضة( الشغب والفوضى – حسب التعبير الإسرائيلي والأمريكي ) [1] . وبالفعل نفذت هذه السياسة الإسرائيلية ( سياسة تكسير العظم ) لتشمل آلاف الشباب الفلسطيني الذين ضربوا ضربا مبرحا بأعقاب البنادق أو بالحجارة الكبيرة مما أضطرهم أن يمكثوا ما بين شهر إلى سنة على فراش العلاج في المشفى أو في البيت . وقد بدأت هذه الحملة في كانون الثاني عام 1988 ولم يكن يمضى شهر واحد على الانتفاضة الفلسطينية الناشئة .
4. مجازر يهودية ضد الفلسطينيين : ارتكبت قوات الاحتلال الإسرائيلي وميليشيات المستوطنين اليهود عدة مجازر ضد الفلسطينيين من أهمها : مجزرة المسجد الأقصى عام 1990 ، ومجزرة عيون قارة في أيار 1990 ، ومجزرة الحرم الإبراهيمي الشريف – الخليل 25 / 2 / 1994 وغيرها .
ففي مجزرة الحرم الإبراهيمي الشريف ، ارتكب الطبيب اليهودي ( باروخ غولد شتاين ) احد الضباط الإسرائيليين الاحتياط في الجيش الإسرائيلي ، من مستوطنة كريات أربع ، عضو حركة كاخ ( خذ بالقوة ) العنصرية اليهودية الدينية المتطرفة ، شديدة العداء للعرب ، ارتكب مجزرة جماعية في الحرم الإبراهيمي الشريف في مدينة الخليل في الضفة الغربية في صلاة فجر يوم الجمعة الرمضانية في 15 رمضان عام 1414 هـ الموافق 25 شباط 1994 ، حيث فتح نيران سلاحه الاوتوماتيكي الرشاش على جموع المصلين المسلمين وهم ساجدون يعبدون الله سبحانه وتعالى ، فحصدت سموم رشاش هذا الطبيب العنصري المتزمت أرواح 29 شهيدا فلسطينيا مسلما ، وجرح نحو 300 مصلون آخرون ، في مسجد إسلامي تبلغ مساحته نحو 2000 م2 .
وكانت هذه المجزرة اليهودية ضد المسلمين في مدينة الخليل بمثابة شرارة عنصرية جديدة ضد الأماكن المقدسة الإسلامية فاتحة تقسيم الحرم الإبراهيمي الشريف إلى جناحين : الأول : ويتألف من ثلثي المسجد وقد حول إلى كنيس يهودي ، يمارس فيه المتزمتون اليهود من المستوطنين في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 ( الضفة الغربية ) وفلسطين المحتلة عام 1948 ، شتى صنوف الاستفزاز والتحرشات ضد المواطنين المسلمين ، أثناء تأدية الصلوات الإسلامية الخمس حيث يعزفون الموسيقى الصاخبة وقد حولوا القسم الأكبر من المسجد الإسلامي إلى شبه ملهى ليلي . ويعيث المستوطنون في مدينة الخليل ، فسادا وإفسادا في داخل الحرم الإبراهيمي الشريف وفي باحاته الخارجية ، ويقيم جيش الاحتلال الإسرائيلي ، عدة حواجز على مدخل هذا المسجد الإسلامي ويقومون بالتحرش بالمواطنين والمصلين المسلمين وتفتيشهم عدة مرات عند الدخول والخروج . على أي حال ، إن العنصرية اليهودية – الصهيونية ، هي عنصرية متصاعدة في كافة المناطق التي تحتلها القوات العسكرية الإسرائيلية ، ويوجهها الحكام والجنرالات الإسرائيليون ، الذين سعوا إلى السيطرة على البلاد الفلسطينية ، بشتى الطرق والحيل الخبيثة المبرمجة ، منذ أمد بعيد ، والأدلة والشواهد تثبت ذلك ، مرارا وتكرارا ، وعليه : ” … إن تحويل الجزء الأكبر من الحرم الإبراهيمي الشريف ، الإسلامي الأصل والمنبت إلى كنيس يهودي يعتبر تحديا وتحديا سافرا لمشاعر المسلمين الدينية وانتهاكا للحرية الدينية وحرية العبادة في أرض المسلمين … لم تكن مسبوقة في أية حقبة زمنية سالفة ، وفي أية ديانة من الديانات السماوية أو حتى القوانين الأرضية باستثناء هذا الإجراء العنصري الإسرائيلي ضد المسلمين في أرض الخليل المرابطة في فلسطين المباركة … وتزداد الدعوات اليهودية المتعصبة المتطرفة حدة وعنصرية حينما تم بناء نصب تذكاري للسفاح المجرم باروخ غولد شتاين الذي أطلق العنان لرشاشه الاتوماتيكي ليحصد بسمومه أرواح الأبرياء وهم يعبدون الله ويؤدون صلاة الفجر بين يدي الله سبحانه وتعالى ، فلم يكتف المستوطنون بإحياء أو استذكار هذا السفاح المجرم في كل عام ، وإنما عملوا على” زركشة” قبره وقدسوه ، وأقاموا له نصبا تذكاريا ” كبطل قومي ” . وان دل هذا على شيء ، فإنما يدل على مدى الاستهتار اليهودي المتطرف حيال الإسلام والمسلمين في فلسطين ومحاولة لابتلاع الأرض بكافة الطرق والسبل الميكافيلية الدينية والسياسية والعسكرية بما فيها السيطرة على المقدسات الإسلامية ” [2] .
وعدا عن هذه المجازر الجماعية اليهودية ضد الفلسطينيين في أرضهم ، هناك العديد من المجازر الجماعية التي ارتكبتها الأيدي اليهودية العنصرية المتطرفة ، وقد وصل عددها على مدار العقود الماضية ما يزيد عن مائة مذبحة جماعية ضد الفلسطينيين المرابطين في أرض الإسراء والمعراج ، في الأرض المقدسة ، في فلسطين ، ولكننا ذكرنا بعض هذه المجازر كنماذج على الغطرسة اليهودية – الصهيونية ضد المواطنين العرب الفلسطينيين ، مسلمين ومسيحيين ، أهل البلاد الأصليين .
5. الحكم الصوري العسكري بالسجن بمدد زمنية خيالية ، والاعتقال الإداري ، والإبعاد والتعذيب الفردي والجماعي على شكل عقوبات جماعية . وافتتحت السجون والمعتقلات الجديدة وتم توسيع القائم منها قبل الانتفاضة ، مثل سجن النقب الصحراوي ، أنصار 3 ( سجن كتسعوت ) . وكذلك إنشاء خيم عسكرية لاعتقال المواطنين الفلسطينيين في مراكز تجمع الحكم العسكري الإسرائيلي . وداهمت قوات الاحتلال منازل الفلسطينيين ليلا بأعداد كبيرة لإرهاب الأهالي وبث الذعر في قلوبهم ، فمثلا كان يحضر لاعتقال أحد المناهضين للاحتلال عدد من جنود الاحتلال والمستعربين يتراوح ما بين 20 – 40 جنديا [3] .
6. منع التجول : اتبعت قوات الاحتلال الإسرائيلي سياسة حظر التجول لفترة طويلة في المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية لفترات تراوحت بين أسبوع وأسبوعين في المتوسط وفي بعض الأحيان إمتدت فترة منع تجول المواطنين الفلسطينيين خارج بيوتهم لمدة شهر .
7. توزيع البطاقة الخضراء : استبدال بطاقات المواطنين البرتقالية ببطاقات خضراء ( أمنية ) ، فتمت مصادرة بطاقات الهوية لالآف الفلسطينيين وزود المئات منهم بهويات خضراء مميزة بدعوى أنهم مشاغبون ومشاركون في فعاليات ضد الاحتلال ، كما دفن بعض الفلسطينيين بالجرافات الإسرائيلية وهم أحياء ، وقطعت المواصلات بين المدن والقرى وفصلت الضفة الغربية عن قطاع غزة لفترات متلاحقة لمدد زمنية متباينة .
8. منع سفر المواطنين : منع آلاف المواطنين الفلسطينيين من السفر لخارج فلسطين بهدف الزيارة أو متابعة التعليم الجامعي أو العمل . فإذا اعتلقت قوات الاحتلال شخص من عائلة معينة فكانت تلجأ لمنع جميع أفراد أسرته من السفر خارج البلاد .
9. إجراءات أخرى : قطعت خطوط الهواتف المنزلية . ونصبت الحواجز العسكرية والأتربة على مداخل التجمعات السكانية الفلسطينية . وكذلك بنت قوات الاحتلال سدودا وجدرانا إسمنتية بين أحياء المدينة الواحدة والمخيم الواحد بدعاوى منع إلقاء الحجارة والقنابل الحارقة على قوات الاحتلال .
وهناك تشكيلات عسكرية مركزية للاحتلال استخدمتها الحكومة الإسرائيلية لقمع الفلسطينيين وفق سياسة ( القبضة الحديدية ) تمثلت بعدة أجهزة هي : جيش الاحتلال الرسمي ، وفرق المستعربين ( فرق الموت ) ، وفرق العملاء من أبناء البلاد الذين باعوا دينهم وأخلاقهم بإغراءات مادية أو جنسية بخسة .
على أي حال ، نجم عن القمع العسكري الصهيوني خسائر بشرية فادحة ، فاستشهد 1392 شهيدا ، منهم 353 طفلا تركزت إصاباتهم بالرأس والصدر والجزء العلوي من الجسم . وقد استشهد من إجمالي عدد الشهداء 88 % بالرصاص الحي ، و5 ر2 % بالضرب الوحشي المبرح . ووصل معدل الشهداء 18 شهيدا شهريا بواقع شهيد كل يومين . وبلغ العدد الأعلى للشهداء شهريا في كانون الأول 1987 ، وأقل عدد للشهداء 8 شهداء عام 1991 . وتوزع الطرف المؤدي للاستشهاد على عدة فرقاء : على أيدي جنود الاحتلال 1109 شهيدا ، منهم 283 طفلا ، وعلى أيدي المستوطنين 95 شهيدا منهم 16 طفلا ، وعلى أيدي عملاء الاحتلال 18 شهيدا منهم 6 أطفال ، و3 على أيدي آخرين . وبالنسبة لسبب الاستشهاد بلغ 1225 شهيدا بالرصاص ، وباستنشاق غازات مسيلة للدموع 94 شهيدا ( منهم 36 طفلا ) والذين استشهدوا بالضرب المبرح 73 شهيدا . وأما عدد مصابي الانتفاضة الكبرى فبلغ رقما كبيرا حيث وصل 787 ر130 جريح بما يعادل 6 % من إجمالي عدد سكان الضفة الغربية وقطاع غزة ، وبلغ معدل الجرحى شهريا 1656 جريحا ، بواقع 55 جريحا يوميا . وتمثلت حالات الجرحى بين الشلل الكلي لجزء من الجسم أو بتر أحد الأطراف أو فقدان الذاكرة أو التشويه الجسدي . وأما بشأن الاعتقالات والأسر ، فقد زجت قوات الاحتلال الإسرائيلي بأكثر من 160 ألف معتقل وأسير بالسجون والمعتقلات الصهيونية ، تراوحت فترة اعتقالهم بين أسبوع وألف سنة ، بمتوسط حسابي 2025 معتقلا شهريا و67 معتقلا يوميا . ووصل عدد المعتقلين الإداريين ( بلا محاكمة ) 211 ر 18 معتقل إداري حجز كل منهم لمدة تتراوح ما بين ستة اشهر وسنة قابلة للتجديد بمتوسط قدره 8 معتقلين إداريا يوميا . كما تم إبعاد 489 فلسطينيا معظمهم في كانون الأول 1992 إلى مرج الزهور وهم قياديو حركة المقاومة الإسلامية ( حماس ) والجهاد الإسلامي والباقي من الفصائل الأخرى [4].
ثانيا : الحصار السياسي : تمثل الحصار السياسي بعدة أساليب لجأ لها الاحتلال لمحاصرة المقاومة الشعبية الفلسطينية من أبرزها :
1. عدم الاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية الثابتة كحق تقرير المصير وإقامة دولة فلسطينية مستقلة ، ومنع السفر للقيادات السياسية الفلسطينية .
2. إغلاق مقار المؤسسات والفعاليات السياسية والشعبية .
3. التحريض الصهيوني والأمريكي لدول العالم على شعب فلسطين بذريعة أنه يخرج إرهابيين .
ثالثا : الحصار الاقتصادي :
لجأت قوات الاحتلال لحصار الشعب الفلسطيني اقتصاديا في عدة مجالات [5] :
1. مصادرة الأراضي ، بلغت مساحة الأرض المصادرة 834 ر457 دونم ، منها 10 آلاف دونم عام 1988 ، و75 ألف دونم عام 1989 ، و335 ر 227 دونم عام 1990 ، و594 ر 80 دونم عام 1991 ، و669 ر 14 دونم عام 1992 ، و 662 ر 494 دونم عام 1993 ، و770 دونما من بداية عام 1994 حتى شهر حزيران منه .
2. محاولة كسر الإضراب التجاري ، خاصة في مراحل الانتفاضة الأولى فقد لجأ جنود الاحتلال إلى إجبار التجار في المدن الرئيسية كنابلس والخليل وغزة وجنين وطولكرم ورام الله وبيت لحم وغيرها على فتح محلاتهم التجارية في الأسواق الفلسطينية تحت تهديد السلاح وترهيبهم بسرقة أموالهم وبضائعهم ( مصادرتها أو الاستيلاء عليها ) . وسرق وأحرق جنود الاحتلال وعملائه مئات المحلات التجارية فعليا والحقوا خسائر مالية جسيمة بآلاف التجار .
3. تدمير الأراضي المزروعة بعشرات آلاف الدونمات من محاصيل شتوية وصيفية ، مثل مزروعات الحبوب والبقول الشتوية والمحاصيل الصيفية الأخرى .
4. قطع الأشجار المثمرة كالزيتون واللوز وأشجار الحمضيات والفواكه . فقد بلغ عدد الأشجار المقطوعة والمجروفة بجرافات الاحتلال 489 ر 185 شجرة مثمرة .
5. قطع التموين عن المواطنين في حالات إغلاق الأراضي الفلسطينية ومنع التجول .
6. زيادة البطالة في صفوف الحركة العمالية الفلسطينية بنسبة كبيرة .
7. هدم البيوت . فقد بلغ عدد البيوت المهدمة خلال فترة الانتفاضة 1987 – أيار 1994 ، 2401 بيتا منها 510 بيوت بذرائع أمنية ، و107 بيوت بحجة العمليات العسكرية ، وتم إغلاق 382 بيتا ، وهدمت سلطات الاحتلال 1402 بيتا بحجة عدم الترخيص .
8. إغلاق الأسواق الفلسطينية وتدمير محلات تجارية .
9. تخفيض السيولة النقدية التي يسمح للمواطن الفلسطيني بنقلها عبر الجسور حيث حددت بمبلغ 2000 دينار ، ثم قلصت الحوالات المالية ل 400 دينار أردني فقط ، في محاولة للقضاء على تمويل فعاليات الانتفاضة الفلسطينية من خارج فلسطين ، مما أضطر المواطنون إلى دفع مبلغ نسبة وصلت 10 % لمن يدرج اسمه على حوالة مالية قادمة من خارج البلاد .
10. إغلاق مقار المؤسسات والجمعيات كالغرف التجارية والمصانع والمطابع وغيرها .
رابعا : الحرب النفسية : شن الاحتلال حربا نفسية شاملة ضد الشعب الفلسطيني تركزت فيما يلي :
1. دس بيانات مزورة عن الانتفاضة الفلسطينية ، فتبين أن أجهزة المخابرات الإسرائيلية وزعت بيانات ملفقة ، وأصدرت بيانات سياسية لافتعال الفتن بين المنظمات الإسلامية والوطنية .
2. ملاحقة نشطاء الانتفاضة ، عبر إطلاق الإشاعات الكاذبة وترويجها ضد قيادات العمل الميداني ، والكتابة على الجدران ضد هؤلاء المناضلين الفلسطينيين لتشويه سمعتهم وسمعة عائلاتهم ، ووصل الأمر إلى حد إحراق سيارات ومنازل بعض هؤلاء القادة الميدانيين . ونفذت هذه الملاحقات ليلا ، وأثناء اعتقال هؤلاء النشطاء ، أو خلال مطاردتهم واختفائهم لفترة من الزمن .
3. الترويج لحملات سلام بين الفلسطينيين تدعو لوقف الانتفاضة لأن الحكومة الإسرائيلية ستعترف بسلطة حكم ذاتي للفلسطينيين ، ولعب بعض المتنفذين الفلسطينيين من أكاديميين وقادة عشائريين تقليديين دورا في هذه الحرب النفسية الداعية لسراب السلام مع الجانب الإسرائيلي .
4. الإفراج عن مئات الأسرى الفلسطينيين بعد انتهاء فترة محكوميتهم العسكرية أو اعتقالهم الإداري وإخراجهم من بوابات السجن لفترة دقائق ثم إرجاعهم للسجن بحجة أنهم محرضون ويشكلون خطرا على الوجود الصهيوني في البلاد ( خطر على الجمهور ) .
5. إطلاق النار ليلا على بيوت قيادات الانتفاضة والقدوم لاعتقالهم بأعداد كبيرة من الجنود والمخبرين لتخويف المواطنين أهل المعتقل والجيران والمنطقة التي يسكن بها هذا الفلسطيني .
خامسا : الحصار التعليمي : إغلاق المدارس الأساسية والثانوية ، وإغلاق الجامعات والمعاهد العليا في الضفة الغربية وقطاع غزة . وإمتد الإغلاق لفترات قصيرة أو متوسطة أو طويلة الأمد أثناء العام الدراسي . كما اتخذت قوات الاحتلال من عشرات المدارس الفلسطينية مقرا لفعالياتها العسكرية لتجميع المواطنين وتعذيبهم والتنكيل بهم بشتى الطرق الوحشية في محاولة منها لثني سواعد الانتفاضة .
سادسا : الحصار الديني : منع وصول المؤمنين إلى الأماكن المقدسة ، من المسلمين والمسيحيين . فقد منع جنود الاحتلال من خلال الحواجز العسكرية الثابتة والمتنقلة المسلمين من التوجه للصلاة في المسجد الأقصى المبارك بشكل كلي أو جزئي وخاصة في صلاة الجمع والأعياد الإسلامية . وكذلك مداهمة المسجد الأقصى المبارك وقبة الصخرة المشرفة ، والمساجد الأخرى بحجة البحث عن مطلوبين للجيش الإسرائيلي . كما منع المسيحيون أحيانا من التوجه لكنيسة القيامة بالقدس وكنيسة المهد ببيت لحم .
وتلخصت أساليب مواجهة الاحتلال للانتفاضة بما يلي : سياسة القبضة الحديدية ، وسياسة رابين في تكسير العظام ، والعقاب الجماعي ، والحرب الاقتصادية ، ومحاولة كسر الإضراب التجاري ، والاعتداء على المؤسسات التعليمية ، وتعطيل الخدمات الصحية ، وانتهاك حرمة المقدسات الإسلامية ، واشتراك المستوطنين في القمع والاعتقالات العشوائية ، ودفن الأحياء ، وهدم ونسف المنازل ، وإلقاء قنابل الغاز السامة ، واستخدام أجهزة عسكرية متطورة ، وإبعاد المواطنين خارج فلسطين ، والحرب النفسية ، والتعتيم الإعلامي [6] .
13. ميزات انتفاضة فلسطين الكبرى
تميزت انتفاضة فلسطين الكبرى الأولى ، الطويلة زمنيا ، بعدة ميزات مهمة في حياة المقاومة الفلسطينية للاحتلال الصهيوني لفلسطين . ومن أهم هذه الميزات :
1. المشاركة الشعبية [7] : شارك فيها قطاعات واسعة من الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة . وكانت هذه القطاعات تكمل إحداها الأخرى . فقد شارك الأطفال ( أطفال الحجارة ) والشباب ( الأجهزة الضاربة ) والرجال الكبار ( لجان التكافل الاجتماعي والإصلاح والتموين ) والعمال ( اللجان العمالية ) والتجار ( اللجان التجارية ) الذي دعموا فعاليات الانتفاضة ماليا ، والدعاة ( المجاهدون ) الذين يحضون على الجهاد في سبيل الله ومقاومة الاحتلال . كما شاركت النساء ( الاتحادات النسائية ) في المظاهرات والمسيرات وفي توزيع المواد الغذائية على المحتاجين وفعاليات الانتفاضة . وشاركت الاتحادات المهنية والطلابية والعمالية والنسائية والأدباء والمثقفين وغيرهم . فكان شعب فلسطين عبارة عن فسيفساء اجتماعية مقاومة للاحتلال كل حسب مؤهلاته وشجاعته وشخصيته .
2. لا مركزية القيادة الميدانية : تواجد قيادات العمل الميداني وسط المعركة بين صفوف الشعب ساعد على استمرارها فترة أطول ، وجعلها تقدر كيفية مجابهة الاحتلال وأدواته .
3. الترابط العضوي الفلسطيني : تمثل بالترابط القوي بين قيادات الداخل والخارج لتسيير شؤون الانتفاضة ، والتأكيد على البرامج والخطط المتوخاة لتنفيذها على أرض الواقع وجها لوجه مع الاحتلال ، وسياسة حرب العصابات ( اضرب واهرب ) و( الكر والفر ) و( حرب الشوارع ) وغيرها .
4. الاعتماد على الذات بالمواجهة : اعتمدت الأجهزة القتالية الشعبية الضاربة على ذاتها في تصنيع أدوات القتال في الانتفاضة عبر كتيبات صغيرة تبين كيفية المواجهة مع الاحتلال لإلحاق أكبر خسائر ممكنة به .
5. التكافل الاجتماعي : عبر نجدة الأحياء والمدن والقرى والمخيمات المنكوبة التي تتعرض لمنع التجول والحصار الشامل لأيام وأسابيع وأشهر . فكانت الفعاليات الشعبية تقوم بجمع التبرعات النقدية والعينية والغذائية لإغاثة المنكوبين من عائلات الأسرى والجرحى والشهداء ، والمتضررين من حظر التجول والحصار العسكري والاقتصادي والإغلاق الشامل . ولا ننسى الدعم المالي العربي والإسلامي ومن بعض الدول والشعوب الصديقة لشعب فلسطين .
14 . إنجازات انتفاضة فلسطين الكبرى
رغم صعوبة المواجهة مع الاحتلال وما تكبده شعب فلسطين من تضحيات جسيمة في الأرواح والأموال ، إلا أن انتفاضة فلسطين الكبرى أنجزت بعض الأهداف المرحلية من الأهداف العامة . ومن أهم هذه الإنجازات :
أولا : على الصعيد الفلسطيني :
1. إحياء قضية فلسطين كقضية مركزية عالمية ذات أبعاد سياسية حيوية .
2. إعادة الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني على الساحة العربية والدولية . وإعلان وثيقة الاستقلال الوطني الفلسطيني .
3. توقيع إتفاقية أوسلو بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي . وإنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية . وعودة جزء من اللاجئين الفلسطينيين من خلال قوات الأمن الوطني التابعة لجيش التحرير الفلسطيني والمنظمات الفلسطينية ، وعودة معظم أعضاء القيادة الفلسطينية إلى الوطن .
4. تعرية الوجه الإسرائيلي الذي يصف نفسه بالضحية ، فظهر للعالم أجمع الوحشية والهمجية الصهيونية ضد فلسطين وشعب فلسطين وأطفال الحجارة فأتضح للعالم أن شعب فلسطين هو الضحية وأن الجلاد هو الاحتلال الصهيوني .
5. القضاء على جزء كبير من الفساد الأخلاقي والأمني لدى بعض الفئات الاجتماعية الفلسطينية .
ثانيا : على الصعيد الإسرائيلي :
1. إلحاق خسائر كبيرة بالاحتلال بشريا عبر القتلى والجرحى . وكانت هناك حرب نفسية شرسة ضد الجندي الإسرائيلي الذي يمتلك أحدث أنواع الأسلحة ويتصدى له طفل فلسطيني بمقلاع أو حجر أو قنبلة حارقة . حطمت الانتفاضة الأسرة اليهودية فظهر الهروب من الخدمة العسكرية .
2. إلحاق خسائر جسيمة بالاقتصاد الصهيوني بسبب الاضرابات والمقاطعة الاقتصادية ، وحرق الباصات والسيارات والدوريات الإسرائيلية . والتدمير في المنشآت الاقتصادية الإسرائيلية .
3. ردع وتصفية وقتل عشرات جواسيس وعملاء الاحتلال وهروبهم للمستوطنات اليهودية ثم إلى داخل الكيان الإسرائيلي حيث قدر عددهم مع عائلاتهم بالآلاف .
وأخيرا ، يمكن القول إن انتفاضة فلسطين الكبرى كانت انتفاضة طويلة النفس والمسيرة ، باعتبارها حرب استنزاف طويلة ومستمرة ، مثلت في ميلادها السياسي ملحمة بطولية وثورة شعبية عارمة لشعب فلسطين تضاف للملاحم السابقة في سبيل العزة والكرامة والحرية والاستقلال استطاعت أن تنجز ما لم تنجزه الثورة الفلسطينية بكفاحها منذ عام 1965 حتى عام 1987 . فأنجزت إعلان وثيقة استقلال فلسطين في الجزائر واستطاعت أن تعمل على قيام السلطة الوطنية الفلسطينية في الوطن الفلسطيني لأول مرة في التاريخ الفلسطيني المعاصر . وبالتالي فرضت انتفاضة فلسطين الكبرى نفسها عربيا وعالميا مما أدى إلى التوجهات السياسية البراغماتية الجديدة على ساحة العمل الفدائي والجهادي الفلسطيني ، في السعي المتواصل نحو الحرية والتحرير والاستقلال الوطني تمهيدا لخروج المحتل الأجنبي عن فلسطين .
انتهى بحمد الله العلي العظيم .

[1] جواد الحمد ، مرجع سابق ، ص 407 .
[2] كمال علاونه ، ” المذبحة الجماعية في الحرم الإبراهيمي الشريف ” ، الحياة الجديدة ، 25 / 2 / 2000 ، ص 7 .
[3] اعتقل المؤلف د. كمال إبراهيم علاونه ، إبان انتفاضة فلسطين الكبرى الأولى اعتقالا إداريا مرتين : الأولى لمدة ستة أشهر في نيسان 1988 ، والثانية لمدة أربعة أشهر في نيسان 1989 ، وحضرت قوات عسكرية كبيرة ضمت أكثر من عشر جيبات عسكرية إسرائيلية . وقضى هاتين المدتين في عدة زنازين وسجون إسرائيلية في الفارعة وعتليت والنقب بتهمة التحريض والمشاركة في الانتفاضة الفلسطينية الأولى ضد الاحتلال الصهيوني .
[4] جواد الحمد ، المدخل إلى القضية الفلسطينية ، مرجع سابق ، ص 409 – 412 .
[5] الإحصاءات مأخوذة من جواد الحمد ، مرجع سابق ، ص 412 .
[6] غسان حمدان ، الانتفاضة المباركة – وقائع وأبعاد الكويت : مكتبة الفلاح للنشر والتوزيع ، 1989 ) ، ص 331 – 332 .
[7] جواد الحمد ، مرجع سابق ، ص 418 .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s