ذكرى الهجرة النبوية .. والتحديات الراهنة 1429 هـ / 2008 م ( 2 – 2 )

الأربعاء,شباط 20, 2008
ذكرى الهجرة النبوية .. والتحديات الراهنة 1429 هـ / 2008 م ( 2 – 2 )
ذكرى الهجرة النبوية .. والتحديات الراهنة
1429 هـ / 2008 م
( 2 – 2 )
د. كمال علاونه
أستاذ العلوم السياسية – فلسطين
الحمد لله رب العالمين ذو الشأن العظيم الذي نصر الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم ، وأعلى كلمة الحق والدين ، وهزم الشرك والمشركين ، والصلاة والسلام على إمام المتقين النبي العربي الأمين محمد صلى الله عليه وسلم ، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين ، فالسلام عليك يا رسول الله يوم ولدت ويوم مت ويوم تبعث حياً ، وبعد ،
أيها الأخوة والأخوات الكرام .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، أهلا ومرحبا بكم في ظلال ذكرى ثورية إسلامية خالدة وهي هجرة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة حيث كانت البداية والنواة لنشر الإسلام العظيم في الجزيرة العربية والعالم أجمع .
ملاحظة : يرجى من القراء الكرام ، قراءة الجزء الأول ( ذكرى الهجرة النبوية .. والتحديات الراهنة ) ( 1 – 2 ) .
حادي عشر : بناء المجتمع الإسلامي
سعى النبي الكريم لبناء المجتمع الإسلامي المتراص البنيان ، في المدينة المنورة وخارجها ، لتمتين الجبهة الداخلية تمهيدا للانطلاق نحو الأفق الأوسع خارج المدينة بالجزيرة العربية . وقد امتدح الأنصار لما بذلوه في سبيل إعلاء كلمة الله لتكون الكلمة العليا ، وإنزال كلمة المشركين والكفار لتكون الكلمة السفلى . جاء بصحيح البخاري – (ج 12 / ص 130) عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :” لَوْ أَنَّ الْأَنْصَارَ سَلَكُوا وَادِيًا أَوْ شِعْبًا ، لَسَلَكْتُ فِي وَادِي الْأَنْصَارِ ، وَلَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنْ الْأَنْصَارِ” . لقد آخى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بين المسلمين ، بين أصحابه من المهاجرين وأتباعه الأنصار وقال : ” تآخوا في الله أخوين أخوين ” . وبهذا فقد أرسى رسول الله صلى الله عليه وسلم دعائم الدولة الإسلامية من خلال بناء المسجد النبوي الشريف والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار في أسمى آيات الإخوة وفق تعاليم الإسلام الحنيف إضافة إلى بناء السوق الاقتصادي للمسلمين للبيع والشراء والابتعاد عن الربا والاحتكار ، ومن ثم إنطلقت الغزوات في سبيل الله لنشر الإسلام العظيم في الأماكن القريبة فالأبعد فالأبعد بين القبائل العربية في شبه الجزيرة العربية . ثم فتح مكة بعد ثماني سنوات من الإعداد والجهاد في سبيل الله لنشر الإسلام العظيم في الجزيرة العربية . ثم تطور بناء المجتمع الإسلامي ليخاطب الأمم والإمبراطوريات العظمى آنذاك ، كالفرس والرومان وغيرهم ، وذلك انطلاقا من المدينة المنورة . فسبحان الله العظيم شخصية نبوية مطاردة تلجأ لمدينة أخرى داخل الجزيرة العربية تقوى وتزدهر لتدعو قادة عالميين للإسلام . فدوام الحال من المحال ، ونصر الله أكيد لمن ينصره ويتبع أوامره ويلتزم بنواهيه ، إنها العزة والكرامة الإسلامية التي حباها الله للمسلمين ليكونوا دعاة لا طغاة . وأَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ إِلَى كِسْرَى وَإِلَى قَيْصَرَ وَإِلَى النَّجَاشِيِّ وَإِلَى كُلِّ جَبَّارٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى . فمثلا بعث المصطفى بكتاب لهرقل الروم جاء فيه كما بين ذلك صحيح البخاري – (ج 1 / ص 8) : ” بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ : سَلَامٌ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى . أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الْإِسْلَامِ ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الْأَرِيسِيِّينَ وَ{ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لَا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } ” . وجاء بصحيح البخاري – (ج 13 / ص 336) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ بِكِتَابِهِ إِلَى كِسْرَى مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ فَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ الْبَحْرَيْنِ فَدَفَعَهُ عَظِيمُ الْبَحْرَيْنِ إِلَى كِسْرَى فَلَمَّا قَرَأَهُ مَزَّقَهُ فَحَسِبْتُ أَنَّ ابْنَ الْمُسَيَّبِ قَالَ فَدَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ “
ثاني عشر : هل كانت الهجرة سياسية أم دينية أم شاملة ؟
لقد هاجر وارتحل النبي العربي الأمين محمد صلى الله عليه وسلم ، قبل نبوته عدة مرات في رحلة الشتاء والصيف ، ولكنه سافر وهاجر مرتين بإيحاء رباني بعد بعثته النبوية الشريفة العظيمة :
المرة الأولى : رحلة أو هجرة جوية مؤقتة وهي معجزة رحلة الإسراء والمعراج من المسجد الحرام بمكة المكرمة إلى المسجد الأقصى ببيت المقدس بفلسطين المباركة . وفي هذه الرحلة الجوية السماوية والوصول إلى سدرة المنتهى ، فرضت الصلاة على الأمة الإسلامية ، وكانت بإعداد إلهي عظيم ، أم المصطفى صلى الله عليه وسلم الأنبياء جميعا بالمسجد الأقصى المبارك قبل صعوده للسماوات العلى .
المرة الثانية : هجرة برية دائمة ، من مسقط رأسه من مكة إلى يثرب : لقد كانت هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى يثرب أو المدينة المنورة التي نورها الله عز وجل بهجرته صلى الله عليه وسلم إليها ، تشتمل على الميادين السياسية والدينية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية معا ، فهي هجرة شاملة وجامعة لجميع نواحي ومتطلبات الحياة المجتمعية العامة . فكانت الهجرة أولى بشائر الفتوحات الإسلامية والجهر بالدعوة الإسلامية بصورة فعلية تلازم فيها القول بالسيف بعد تكوين الجيش الإسلامي ، وكانت بداية موفقة من بدايات النشأة الإسلامية الحقة للمهاجرين الذين هجروا من ديارهم وتركوا أموالهم وأزواجهم وأولادهم هربا من الإيذاء والعذاب ، وللأنصار الذين آووا ونصروا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وأصحابه الميامين الذين تركوا أهلهم وأموالهم وممتلكاتهم في سبيل الإسلام ونصرته ، فجعل الله تبارك وتعالى كلمة الذين آمنوا العليا وكلمة الذين كفروا والمنافقين السفلى . وقد بقي النبي العربي المصطفى في المدينة المنورة بانيا وساكنا ومقيما دائما حتى توفاه الله الحي القيوم الذي لا يموت في المدينة المنورة ، ودفن فيها جثمانه الطاهر في الروضة داخل المسجد النبوي الشريف . وفي مسند أحمد – (ج 40 / ص 20) َقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مخاطبا المسلمين : ” لَكُمْ الْهِجْرَةُ مَرَّتَيْنِ هِجْرَتُكُمْ إِلَى الْمَدِينَةِ وَهِجْرَتُكُمْ إِلَى الْحَبَشَةِ ” . وجاء بصحيح مسلم – (ج 14 / ص 92) عَنْ نَافِعِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةٍ ، قَالَ فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْمٌ مِنْ قِبَلِ الْمَغْرِبِ عَلَيْهِمْ ثِيَابُ الصُّوفِ فَوَافَقُوهُ عِنْدَ أَكَمَةٍ فَإِنَّهُمْ لَقِيَامٌ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِدٌ ، قَالَ فَقَالَتْ لِي نَفْسِي : ائْتِهِمْ فَقُمْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ لَا يَغْتَالُونَهُ قَالَ ثُمَّ قُلْتُ لَعَلَّهُ نَجِيٌّ مَعَهُمْ فَأَتَيْتُهُمْ فَقُمْتُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ قَالَ فَحَفِظْتُ مِنْهُ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ أَعُدُّهُنَّ فِي يَدِي قَالَ : ” تَغْزُونَ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ فَيَفْتَحُهَا اللَّهُ ثُمَّ فَارِسَ فَيَفْتَحُهَا اللَّهُ ثُمَّ تَغْزُونَ الرُّومَ فَيَفْتَحُهَا اللَّهُ ثُمَّ تَغْزُونَ الدَّجَّالَ فَيَفْتَحُهُ اللَّهُ “. فهذه مبشرات الهجرة النبوية قبل فتح بلاد فارس والروم وقبل مجئ الدجال لاحقا لعصرنا هذا . فالهجرة سياسية ويدنية واقتصادية واجتماعية وثقافية ونفسية شاملة جامعة في الآن ذاته ، لما كان زمن النبي المصطفى ولما بعده ، ولما بعد بعده حتى يوم القيامة .
ثالث عشر : الهجرة النبوية .. عبر وعظات متجددة
في ظل الذكرى الخالدة لهجرة النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم فإن لنا العبر والعظات الجسام ، والدروس العملية إلى جانب النظرية ، وهي تتجدد سنويا في أرجاء الكرة الأرضية عموما ، وشبه الجزيرة العربية خصوصا ، وفي فلسطين على وجه التخصيص المخصص ، ومن أبرز هذه العبر ما يلي :
أولا : الصبر والجلد على مكابدة أهل الباطل والإصرار على إحقاق الحق ونشر نور الإسلام الحنيف مع ما يكلف ذلك من جهد ومشقة ومكابدة للأعداء المشركين ، مهما كانت قوتهم وحيلهم ومكائدهم الخبيثة ، القائمة على الترغيب والترهيب من أجل ترك العقيدة والإيمان والصواب . فقد ابتغى النبي الكريم من الهجرة فيما آتاه الله الدار الآخرة ولم ينس نصيبه من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليه ، فشرح له صدره ورفع له ذكره بعد العسر الشديد المشدد عليه من الأعداء .
ثانيا : إن عملية البناء الحضاري وانبلاج الفجر تبدأ من أحلك الظروف ، فالشمس تبزغ بعد أن ينتهي الليل المظلم ، فانشأ المسجد النبوي في المدينة المنورة ، أول مدرسة نظرية وعملية سياسية وعسكرية ودينية وتشريعية ، فكانت جامعة كبرى للمسلمين تجمع الشمل وتلم الشعث وتعد العدة الإيمانية القائمة على إحقاق الحق وإزهاق الباطل ، إن الباطل كان زهوقا . فكانت الهجرة بداية للتآخي بين المسلمين من المهاجرين والأنصار ، على البر والتقوى والتضحية والتآلف ، في أروع صور التكامل والتكافل الاجتماعي الشامل المزدوج وبالتالي النواة الأولى لنشأة الأمة الإسلامية التي تتخذ من كتاب الله دستورا للحياة الدنيا للمرور عبر جسرها القويم للحياة الآخرة الباقية . وأصبح المسلمون بنعمة الله إخوانا متحابين بعد أن كانوا أعداء متنافرين قبل الإسلام ، وكانت النشأة الأولى للجيش الإسلامي .
ثالثا : إن الهجرة النبوية الشريفة كانت معجزة ربانية حاول فيها الكفار التآمر على إمام المتقين وسيد الأولين والآخرين محمد صلى الله عليه وسلم إلا إن كافة محاولاتهم باءت بالفشل والحمد لله سواء بالترصد أمام بيت رسول الله في مكة المكرمة حيث ينام هؤلاء الشباب وهم واقفون منتظرين الرسول صلى الله عليه وسلم ، فخرج الرسول ولم يره أحد منهم في غار ثور أو أثناء التوجه للمدينة المنورة . وهذا يؤكد صدق الإيمان والدعوات المخلصة المتمثلة بعملية الأخذ بالأسباب والدعاء المستجاب من الكتاب والسنة المطهرة .
رابعا : إن الهجرة النبوية الشريفة مهدت لحرية العبادة كما جاء في الدستور النبوي أو وثيقة المدينة ( الصحيفة ) فعملت على تقوية المسلمين ليعودوا فاتحين لمكة المكرمة في السنة الثامنة للهجرة ، ويرفعوا الأذان للصلوات الخمس من على الكعبة المشرفة .. الله أكبر ، الله اكبر .ثم في كل مكان تصل إليه أقدام الخيول والتجارة العربية الإسلامية .
خامسا : حتمية انتصار الحق على الباطل ، غيرت هذه الهجرة مجرى التاريخ البشري بعامة والعربي والإسلامي بخاصة بانتقال مركز الدعوة الإسلامية من مكة إلى المدينة المنورة على بعد نحو 500 كم .فأصبحت المدينة المنورة نواة دولة المسلمين الأولى في العالم ، إنه إنتقال الضوء الساطع والإيمان العميق من مناخ غير مؤات إلى مناخ مؤات لتأسيس نواة الدولة الإسلامية الكبرى . فانتصر الإسلام بعد الأخذ بالأسباب والمنطلقات الجهادية والإعداد السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي ، وانتشر من نواة المدينة المنورة إلى العالم اجمع ، من مشارق الأرض إلى مغاربها . وجاء ذلك تحقيقا لقول الله عز وجل في سورة المجادلة : { إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (20) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (21) } ( القرآن المجيد ، سورة المجادلة 20 – 21 ) . وقال الله تعالى في سورة قرآنية أخرى : { وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (174) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (175)} ( القرآن المجيد ، سورة الصافات ، 171 – 175 ) .
سادسا : الاستعداد للعذاب لنيل إحدى الحسنيين : النصر والشهادة ، وكلاهما نصر والتيقن الكامل والإيمان التام بحتمية تحقيق المبادئ والتعاليم الإسلامية العادلة ولو بعد حين ، ومن الضرورة الأخذ بالأسباب بالتوكل على الله عز وجل وعدم التواكل ، فرأينا الإعداد والاستعداد النفسي والمادي في الآن ذاته .
سابعا : تصديق المبشرات والنبوءات التي جاء بها المصطفى صلى الله عليه وسلم لأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى . فعن صحيح البخاري – (ج 10 / ص 227) عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ” هَلَكَ كِسْرَى ثُمَّ لَا يَكُونُ كِسْرَى بَعْدَهُ وَقَيْصَرٌ لَيَهْلِكَنَّ ثُمَّ لَا يَكُونُ قَيْصَرٌ بَعْدَهُ وَلَتُقْسَمَنَّ كُنُوزُهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَسَمَّى الْحَرْبَ خَدْعَةً ” .
ثامنا : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والبغي ، وهجر الذنوب والخطأ والخطايا الصغيرة والكبيرة على السواء لينعم المجتمع الإسلامي بالأمن والأمان والسكينة والاستقرار النفسي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي المميز بين المجتمعات الأخرى . والعمل على تطبيق مبادئ العدل والعدالة الشاملة الجامعة بين الناس .
تاسعا : العمل على قراءة القرآن المجيد والسيرة النبوية المطهرة بانتظام وعدم هجرهما بأي حال من الأحوال للمنفعتين العامة والخاصة وخدمة المصلحة الإسلامية العليا .
عاشرا : إن النصر والفتح المبين يكونان بإتباع الإسلام العظيم قلبا وقالبا ، وعدم الركون إلى الأيديولوجيات الآتية من هنا وهناك لأنه ثبت فشلها وعدم ملائمتها للمجتمع الإسلامي القويم .
حادي عشر : الهجرة تكون في سبيل الله العزيز الحكيم لا في سبيل المال والجاه والسلطان والزواج وغيره . فالهجرة والمهاجرة لكتاب الله كلمتان ساميتان لهما دلالات فاضلة وحميدة في الحياة الإسلامية العامة والخاصة .
ثاني عشر : الاعتصام بحبل الله المتين ، والاستمساك بالعروة الوثقى لا انفصام لها ، وإقتران القول بالفعل دائما ، والوحدة الإسلامية ، لتكون قادرة على الدفاع الشرعي عن الحق بقوة الإرادة وقوة الحق وقوة القوة أيضا في تلازم منقطع النظير .
رابع عشر : التأريخ الهجري .. والفاروق عمر بن الخطاب
كان العرب في الجاهلية يؤرخون في كتبهم ومعاملاتهم بأحداث ومناسبات مهمة تحدث مثل عام الفيل أو عام الفجار أو غير ذلك . أما فكرة العمل بالتاريخ الإسلامي فجاءت في أعقاب طلب أبي موسى الأشعري ، والى البصرة في العراق برسالة بعثها إلى الخليفة عمر بن الخطاب بان المراسلات والكتابة التي تأتيهم مؤرخة بالأشهر فقط دون تحديد السنة مما يسبب ارباكا لصلاحية أو نفاذ أو إرسال هذه الكتب التي تعالج المعاملات والشؤون الإسلامية المختلفة وأوضح انه لا بد من وضع سنة إصدار أو إرسال هذه الرسائل لتكون مؤرخة باليوم والشهر والسنة فكان الخليفة الراشدي الثاني ، الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، أمير المؤمنين ، هو أول من كتب التاريخ الهجري لسنتين ونصف من خلافته ، فكتب لست عشرة من الهجرة وذلك بمشورة علي ابن أبي طالب كرم الله وجهه وعثمان بن عفان رضي الله عنه ، وجعلوا التأريخ الإسلامي من الهجرة من أول يوم من محرم فأحصوا من أول يوم في المحرم إلى آخر عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت عشر سنين وشهرين . وكان قبل اعتماد هذا الرأي قد قدمت عدة اقتراحات للتأريخ الإسلامي منها : أن يتم التأريخ على أساس :
1. أن يكون شهر رمضان المبارك هو بداية وإشارة التأريخ ، لأنه شهر مقدس .
2. واقترح رأي آخر أن يتم اعتماد شهر ربيع الأول .
3. ورأي ثالث أن يتم الـتأريخ من مولد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم أو بيعته أو وفاته .
4. والرأي الرابع أن يعتمد تاريخ فارس أو الروم .
5. أن يتم اعتماد الهجرة النبوية المحمدية الشريفة لبداية التأريخ الإسلامي لأن الهجرة كانت الفيصل في نشر الدعوة الإسلامية وبناء الدولة الإسلامية الأولى . فنجح هذه الاقتراح بإجماع الصحابة رضوان الله عليهم . وبهذا فان الاقتراح الذي طبق هو التأريخ من بداية الشهر العربي محرم على أساس انه بداية للهجرة النبوية ، وذلك لعدة أسباب منها :
1. لأهمية الهجرة النبوية المحمدية الشريفة للدعوة الإسلامية وانتصار الحق على الباطل .
2. للحيلولة دون أن تأتي الأشهر الحرم في سنتين متتاليتين وان تأتي في سنة واحدة فقط .
3. للتميز عن الأمم السابقة كالفرس والروم والعرب في الجاهلية ، فالأمة الإسلامية ذات الرسالة الإسلامية التوحيدية الخالدة هي خاتمة الأمم ، والرسول الكريم هو خاتم الأنبياء والمرسلين ، وما زال المسلمون يؤرخون بالأشهر العربية وفق التاريخ الهجري الإسلامي ، إلى جانب التأريخ بالتقويم الشمسي الغربي لميلاد المسيح عيسى بن مريم عليه السلام .
وهناك إختلاف لدى بعض المسلمين فالبعض منهم يؤرخ بالتاريخ الميلادي للمسيح عليه السلام والبعض الآخر يؤرخ بالتاريخ الميلادي والهجري ، والبعض يؤرخ بالتاريخ الهجري فقط ، وهناك من يؤرخ بتاريخ وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم مثل ليبيا . ونحن في ظل هذا التناقض لا بد من كلمة فصل وهي اعتماد الهجرة النبوية الشريفة مصدر تاريخي هام سواء وحده أو إلى جانب تأريخ أو تقويم آخر . ورب قائل يقول ، إن بداية السنة الهجرية أو بداية شهر رمضان أو عيد الفطر السعيد أو عيد الضحى المبارك يختلف عليها المسلمون ، فكنا نرى أقواما ودولا أو جزء منها تبدأ بيوم معين للسنة الهجرية أو القمرية وأقوام آخرين يبدأون في يوم تال وليس بنفس اليوم وأقوام آخرين يحسبون بتاريخ ثالث وهكذا الأمر بالنسبة لأعياد المسلمين . فحري بنا في هذا المجال اعتماد تاريخ واحد موحد لأن ذلك رمز من رموز القوة والهيبة للأمة الإسلامية في جميع أنحاء العالم . ولا نكون كالأمة المسيحية بأقسامها الشرقية والغربية ، حيث تبدأ السنة الميلادية لديهم بثلاث تواريخ متباعدة أولاها في 25 كانون الأول ، وثانيها في 1 كانون الثاني ، وثالثها في 7 كانون الثاني ، وهذا يضر بالناس ، صحيح أنهم يعطلون كيوم استراحة إلا أن هذا الأمر هو من علامات الفرقة والخلاف على أمور بسيطة فيكف يتفقون على عظائم الأمور العامة ؟
خامس عشر : الهجرة والمسلمون في القرن الخامس عشر الهجري
ورد في صحيح البخاري – (ج 1 / ص 3) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ ” . وفي صحيح البخاري – (ج 6 / ص 367) قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ افْتَتَحَ مَكَّةَ : ” لَا هِجْرَةَ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا ، فَإِنَّ هَذَا بَلَدٌ حَرَّمَ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لِأَحَدٍ قَبْلِي ، وَلَمْ يَحِلَّ لِي إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا . قَالَ الْعَبَّاسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا الْإِذْخِرَ فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَلِبُيُوتِهِمْ قَالَ قَالَ : إِلَّا الْإِذْخِرَ ” . وفي رواية أخرى بصحيح البخاري – (ج 10 / ص 310) جَاءَ مُجَاشِعٌ بِأَخِيهِ مُجَالِدِ بْنِ مَسْعُودٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ هَذَا مُجَالِدٌ يُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ ؟ فَقَالَ : ” لَا هِجْرَةَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ وَلَكِنْ أُبَايِعُهُ عَلَى الْإِسْلَامِ ” . وجاء في سنن النسائي – (ج 13 / ص 53) قَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْهِجْرَةِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ :” أَنْ تَهْجُرَ مَا كَرِهَ رَبُّكَ عَزَّ وَجَلَّ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْهِجْرَةُ هِجْرَتَانِ هِجْرَةُ الْحَاضِرِ وَهِجْرَةُ الْبَادِي فَأَمَّا الْبَادِي فَيُجِيبُ إِذَا دُعِيَ وَيُطِيعُ إِذَا أُمِرَ وَأَمَّا الْحَاضِرُ فَهُوَ أَعْظَمُهُمَا بَلِيَّةً وَأَعْظَمُهُمَا أَجْرًا ” . وفي مسند أحمد – (ج 11 / ص 342) ، سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : ” لَتَكُونَنَّ هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ إِلَى مُهَاجَرِ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى لَا يَبْقَى فِي الْأَرَضِينَ إِلَّا شِرَارُ أَهْلِهَا وَتَلْفِظُهُمْ أَرَضُوهُمْ وَتَقْذَرُهُمْ رُوحُ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ وَتَحْشُرُهُمْ النَّارُ مَعَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ تَقِيلُ حَيْثُ يَقِيلُونَ وَتَبِيتُ حَيْثُ يَبِيتُونَ وَمَا سَقَطَ مِنْهُمْ فَلَهَا ” . وفي رواية أخرى ، بمسند أحمد – (ج 14 / ص 195) َقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ” سَتَكُونُ هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ فَخِيَارُ الْأَرْضِ قَالَ عَبْدُ الصَّمَدِ لَخِيَارُ الْأَرْضِ إِلَى مُهَاجَرِ إِبْرَاهِيمَ فَيَبْقَى فِي الْأَرْضِ شِرَارُ أَهْلِهَا تَلْفِظُهُمْ الْأَرْضُ وَتَقْذَرُهُمْ نَفْسُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَتَحْشُرُهُمْ النَّارُ مَعَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ ” .
وفي ذكرى الهجرة النبوية الشريفة والمعاني السامية المستفادة منه منذ صدر الإسلام الأول وحتى أيامنا هذه فإننا نقول : بعد هجرة الرسول المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة عمل الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم العديد من الإعمال والأفعال البانية منها الشروع في بناء المسجد النبوي مباشرة والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار وبعض القضايا الآخر كتنظيم شؤون المسلمين بشكل عام من النواحي العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية وما إلى ذلك . ونحن كمسلمين في أيامنا هذه ، نقول إن جزءا من المسلمين في شتى أنحاء الأرض ، كفلسطين والسودان وأفغانستان وباكستان والعراق والصومال وارتيريا والبوسنة والهرسك وكشمير وغيرها تعرضوا للقمع والإرهاب الغربي والأمريكي الذي لم يترك المسلمين وشأنهم بل غزاهم في عقر دارهم فبعضهم تشتت وأضطر للهجرة قسريا خارج وطنه كما فعلت الغزوة الصهيونية بأهل فلسطين التي هجرت نحو مليون فلسطيني أواخر الأربعينيات من القرن العشرين الميلادي الماضي ، ثم هجروا جبريا عام 1967 لبناء ما يسمى ب ( إسرائيل الكبرى – أرض التوراة – أرض الميعاد ) المزعومة يهوديا . ونرى أن الأعمال التي قام بها الرسول صلى الله عليه وسلم في تلك الفترة هي أعمال تستحق الدراسة والتمحيص للاستفادة منها وأخذها على محمل الجد . ونحن هنا في فلسطين ، الأرض المقدسة ، التي باركها الله جل جلاله يجب أن نستفيد من عبر وعظات الهجرة النبوية القسرية ونأخذ بالأسباب حتى نهزم الأعداء ، حيث سيهزم الجمع ويولون الدبر .
وكما جاء بمسند أحمد – (ج 14 / ص 254) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ عَامَ الْفَتْحِ عَلَى دَرَجَةِ الْكَعْبَةِ فَكَانَ فِيمَا قَالَ بَعْدَ أَنْ أَثْنَى عَلَى اللَّهِ أَنْ قَالَ : ” يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُّ حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً وَلَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ وَلَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ يَدُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَلَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ وَدِيَةُ الْكَافِرِ كَنِصْفِ دِيَةِ الْمُسْلِمِ أَلَا وَلَا شِغَارَ فِي الْإِسْلَامِ وَلَا جَنَبَ وَلَا جَلَبَ وَتُؤْخَذُ صَدَقَاتُهُمْ فِي دِيَارِهِمْ يُجِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ وَيَرُدُّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَقْصَاهُمْ ثُمَّ نَزَلَ ” .
وتجدر الإشارة إلى أن الهجرة القسرية تختلف عن المهاجرة الربانية التي ينصرها خالق الخلق أجمعين ، فلا بد من التخطيط والإعداد الصحيح والدقيق بعيدا عن الارتجال والعفوية التي تفشل في تطبيق برامجها غير المدروسة فالرسول قد أعد للهجرة قبل الارتحال فأرسل الرسل أو السفراء إلى يثرب لتعليم الناس المبادئ الإسلامية السمحة دينهم . فمثلا ، كان أول سفير في الإسلام مصعب بن عمير رضي الله عنه ، تبعه سفراء آخرون الذين علموا الناس أحكام دينهم والرسول صلى الله عليه وسلم كان دائم البحث عن مكان يوطد فيه أركان هذه الدعوة ويعلي بنيانها من خلال تأسيس دولة ، فكانت المهاجرة النبوية الشريفة أسوة بمهاجرة أول العزم من الأنبياء والرسل الذين سبقوا وأسسوا هذا الإسلام العظيم كهجرة إبراهيم عليه السلام من العراق لفلسطين ثم مصر ثم الديار الحجازية وهجرة النبي يونس عليه السلام من العراق لخارجه ، وهجرة النبي موسى عليه السلام من مصر الداخلية إلى سيناء عبر البحر الأحمر ، وعيسى عليه السلام تنقل بين مختلف المدن الكنعانية الفلسطينية من الناصرة إلى بيت لحم إلى القدس وغيرها ، فالهجرة سنة للأنبياء لمواجهة الأخطار المحدقة وكسب المؤيدين للدعوة الإسلامية . وقد وردت الهجرة بالقرآن المجيد 27 مرة لأهمية الهجرة للتمكن والتمكين في الأرض بعيدا عن الفساد والمفسدين .
على أي حال ، إن بيعة العقبة الأولى ، وبيعة العقبة الثانية أيضا هي خطة نبوية مسبقة للوصول إلى المدينة المنورة فلم يكن الوصول إلى المدينة حدثا مفاجئا بل كان معدا له ومخططا له أيضا ، الرسول عندما وصل أول عمل عمله ، عمل بيتا للمسلمين ، هذا البيت هو بيت الله سبحانه وتعالى ، المسجد النبوي المعروف حتى الآن وهو في المكان نفسه الذي بني منذ ذلك الوقت ، هذا البيت كان مكانا للتدارس وللمشاورة ولإلقاء الدروس الإسلامية وللتخطيط للمستقبل وأيضا كان تجمعا للأمة ، وأنا هنا أريد أن أشير إلى الأمة في الوثيقة الأولى التي وقعها الرسول صلى الله عليه وسلم مع أهل المدينة على اختلاف أديانهم ومشاربهم وعقائدهم ممن كانوا يسكنون ، تشير الوثيقة في أصلها الأول إلى أن المسلمين وسكان المدينة هم امة واحدة ، وكلمة امة واحدة لها دلاله عميقة الآن في القانون الدولي وفي الفقه الدولي بمعنى إنها كانت أول إشارة في التاريخ إلى التساوي في الحقوق والواجبات داخل هذه المدينة ، هذه مسألة . والمسالة الثانية : المعجزة التي أحدثها الرسول صلى الله عليه وسلم والتي تضاف إلى المعجزات ، المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار ، هذه أول حادثة في التاريخ لعلها الخيرة التي يتنازل فيها الأنصار عن نصف ما يمتلكون عن قناعة ورضى لإخوانهم المهاجرين ، هذه نقطة يشار إليها أيضا في البناء . والمسالة الثالثة هو النظام العام ، عبر تعويد المسلمين على النظام ، معروف أن العربي محب للحرية وللانطلاق ولعدم الانضباط ، ضبط المسلمون في الصلاة انضباطا كاملا خمس مرات في اليوم وراء الرسول صفا واحدا ، صار هنالك نظام مرصوص ونظام قلبي مرصوص كما أراده الرسول صلى الله عليه وسلم ، إذ جاء بصحيح مسلم – (ج 12 / ص 468) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى” . إذن هذه قضايا تعلمناها من الرسول الكريم في المدينة : تأسيس الدولة ، تأسيس نواة الجيش الإسلامي ، تأسيس النواحي الاقتصادية ، تأسيس البيت الذي يجتمع فيه الناس وهو المسجد وهو الجامعة أيضا وهذا ما أناره على المسلمين فيض الهجرة النبوية .
على أي حال ، كانت سياسة المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار سياسة حكيمة تدلل على الإيمان والإيثار للأخوة الإسلامية الحقيقية في ربوع الجزيرة العربية ، لتأليف القلوب والأيدي لفعل الخير وتفضيل الحياة الآخرة الباقية على الحياة الدنيا الفانية فقد تبرع الأنصار لإخوانهم المهاجرين بنصف ممتلكاتهم وعقاراتهم ، فكانت نوع من التضحية الكبرى لبناء لبنات المجتمع المسلم القائم على التماسك ، وقد ذكر الله جل جلاله هذه المؤاخأة الفريدة من نوعها في التاريخ الإنساني . قال الله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } ( القرآن الكريم ، سورة الأنفال ، 72 ) . وفي آيات أخرى ، يقول الله سبحانه وتعالى : { وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (74) وَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (75)} ( القرآن المجيد ، سورة الأنفال ، 74 – 75 ) .وقال تعالى : { الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (20)} ( القرآن المجيد ، سورة التوبة ، 20 ) . ويقول الله سبحانه وتعالى مخاطبا نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم { هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63) }( القرآن المجيد ، سورة الأنفال ، 62 – 63 ) . بمعنى أن الله ألف بين قلوب المسلمين ، الأنصار ويضمون قبيلتي الأوس والخزرج والمهاجرين من مكة وغيرها لإنقاذ المهاجرين من الفاقة والعوز .
وكذلك إن المسجد النبوي الذي بناه الرسول صلى الله عليه وسلم مع المسلمين وكان يشارك المسلمين في عمليات البناء مرددين : ” لا عيش إلا عيش الآخرة ، اللهم ارحم الأنصار والمهاجرة ” ، فقد لعب هذا المسجد النبوي دورا مهما في تنشئة النشئ الإسلامي الصالح الذي عمل على نشر الدعوة الإسلامية انطلاقا من المدينة المنورة ، ومشاركة القائد الفذ في عملية البناء أيضا مع الأفراد المسلمين بالمزج بين الدين والدنيا ، فالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم كان جار المسجد بمعنى أن بيته كان في المسجد وهو جزء من المسجد ، فالرسول القائد ، قائد الدنيا وقائد الدين ، أراد بث تلازم الجسد والروح ، بين الحياة الدنيا وبين الحياة الآخرة لان الإسلام دين وسطي ، فالإسلام جمع المادة والروح معا ولذلك المسجد مثل الرسالة الإسلامية الخالدة : الروحية والجسدية معا ، فكان الجامعة التي يتعلم فيها فتيان المسلمين ونعرف إننا في معركة بدر قد انتصرنا كمسلمين وان هناك 70 من أنصار المسلمين قد تعلموا ، أين تعلموا ؟ تعلموا في المسجد ، فهو مدرسة بالمعنى الحرفي بمفهوم المدرسة التي تعلم وهو مدرسة وتربية ، القادة العسكريون وإنا عندنا أول عسكريون أقول تجاوزا وإنما هم كانوا صحابة من المهاجرين والأنصار ، كانوا يجتمعون في داخل المسجد ويستشيرهم الرسول صلى اله عليه وسلم في أمور المعركة القادمة ويخططون لها ، فإذن هو مقر رئاسة الأركان التي تخطط للعمليات العسكرية ، خطط لمعركة بدر الأولى والثانية داخل المسجد النبوي ونعرف انه كان مجتمع المسلمين هناك ، أيضا هو مكان تؤدى فيه العبادة ، المسلمون يقفون كما قلنا آنفا صفا أو صفوفا متراصة وراء الرسول صلى الله عليه وسلم فيؤدون الصلاة كما رأينا والمسجد أيضا عبارة عن مكان يجتمع فيه الناس حتى في أفراحهم والحديث النبوي الشريف الذي يروى عن أن الأحباش كانوا يهزجون ويغنون ويرقصون خارج المسجد وان عائشة توارت بالرسول ( ص ) وهي تنظر إليهم من الخارج ، إذن هو مجتمع متكامل تؤدى فيه الوظائف الدنيوية والوظائف الدينية معا وهو أيضا للرياضة ، ممكن أن تمارس في خلاله وهو بيت الاستشارة والشورى فإذن للمسجد دور هام جدا حبذا لو إننا أعدنا للمسجد هذه المكانة التي أرادها الرسول ولم نعزله عن الحياة ليتحول إلى ما صارت إليه الكنيسة لأن المسجد لم يكن وما كان ولن يكون له مثل تلك المكانة المنعزلة .وهناك العديد من القضايا التي تم تنفيذها على ارض الواقع لإعداد الأمة الإسلامية الإعداد الوافي والصالح إستعداد لنشر الدعوة الإسلامية انطلاقا من المدينة المنورة ، هناك قضية أخرى ، وهي الصحيفة أو وثيقة المدينة التي وضعها الرسول صلى الله عليه وسلم لتنظيم شؤون المسلمين كنواة صغيرة لدولة المسلمين في صدر الإسلام الناشيء ، وهذه الوثيقة شملت تنظيم العلاقة بين المواطنين والدولة كذلك شملت العلاقة بين الدولة وبين المجاورين للدولة وهم القبائل اليهودية أي إن الإسلام له قواعد ثابتة دولية : سلما وحربا وكذلك قواعد دستورية يتعامل مع المواطنين من خلالها ، وهذا إن دل على شيء إنما يدل على أن الإسلام هو دين الحياة ، دين متكامل ، ليس مجرد عبادات بل هو نظام متكامل في مناحي الحياة كلها من : عبادات ومعاملات وقوانين دولية وعقوبات وغير ذلك . وغني عن القول ، إن عملية الإعداد للمسلمين : { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60) وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61) } ( القرآن المجيد ، سورة الأنفال ، 60- 61 ) ، كانت لتجهيز الأنصار والمهاجرين لفتح مكة والعودة إلى البلاد أو البلدة التي لوحق فيها المسلمون والرسول صلى الله عليه وسلم ، بعد ثمانية أعوام من الهجرة النبوية الشريفة تمكن الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمون من فتح مكة ، وطلب من النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم في سورة الفتح : { إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3) } ( القرآن المجيد ، سورة الفتح ، 1 – 3 ) . وهناك أوجه شبه واختلاف بين تلك الواقعة وأوضاعنا كشعب فلسطيني الآن تعرض للتشرد وللتهجير منذ نحو ستة عقود من الزمن ولغاية الآن لم ترسخ قضية الأنصار والمهاجرين الجديدة ، ونرى أن عملية تنفيذها وتطبيقها بحق وحقيق لعودة أبناء الشعب الفلسطيني المشتت من مختلف بقاع الأرض إلى وطنه فلسطين ضرورة خيرة لا بد منها للانتقال من المفعول به إلى الفاعل . ولا بد من الهجرة الايجابية للقرآن المبين والسيرة النبوية العطرة والاقتداء بهما للوصول إلى الفتح المبين بإذن الله العزيز الحكيم ليعيش المسلمون في كل مكان بنعيم مقيم بعيدا عن الاستعمار والمستعمرين الغربيين والشرقيين .
ولا ريب ، إن الهجرة النبوية كانت من أبرز الأحداث الإسلامية المجيدة ، إذ اجمع الصحابة في عهد الفاروق الخليفة الراشدي الثاني أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عمر رضي الله عنه باتخاذ حادثة الهجرة بداية تاريخ وانطلاق للتأريخ الإسلامي تلبية لطلب الوالي أبو موسى الأشعري الذي قال لعمر بن الخطاب : كيف نؤرخ كمسلمين ؟ وكيف نضبط مواعيدنا الإسلامية ؟ فشاور عمر بن الخطاب الصحابة الكرام واتفقوا على التاريخ الإسلامي العظيم ، ولكن مع الأسف فان السواد الأعظم من أبناء الأمة الإسلامية في هذا الأوان لا يعرفون أو يهملون أو يتجاهلون التاريخ الهجري ويتقيدون بإبراز التاريخ الميلادي للمسيح عليه السلام علما بأن المسيح رسول الله مسلم ونحبه ونجله ، كغيره من الأنبياء والمرسلين ، ونحن لا نعادي التواريخ والتقاويم الزمنية الأخرى كالتقاويم الإفرنجية والصينية وغيرها وإنما ندعو إلى جعل الأمة الإسلامية أمة مميزة متميزة في كل شيء تمجد الإسلام وانتصارات المسلمين ، آملين العمل على التعامل التاريخي في الأجندة الرسمية والشعبية على السواء ، عبر استعمال الأشهر والسنين الهجرية العربية . وهذه دعوة عامة للتعامل مع الهجرة النبوية الشريفة باعتبارها غيرت مجرى التاريخ البشري بشكل عام ومجرى التاريخ العربي الإسلامي بصورة خاصة إن شاء الله تبارك وتعالى . ويجب أن نهتم بالتأريخ بالسنة القمرية الهجرية لأنها جزء من شعار الإسلام ، كما جاء بالقرآن المجيد : { وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40)}( القرآن المجيد ، سورة يس ، 38 – 40 ) .
وبهذا أيها الأخوة والأخوات القراء الكرام نأتي إلى ختام هذا الموضوع الإسلامي الخالد ، الهجرة النبوية الشريفة سيرة ودلالات تذكيرية هامة في الحياة الإسلامية العامة ، ونسأل الله العزيز الجبار إن يعيد ذكرى الهجرة النبوية المباركة وقد توحد المسلمون في كافة أرجاء المعمورة ، وقد تحرر المسجد الأقصى المبارك من الاحتلال اليهودي الصهيوني ، ونقول { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وكل عام وانتم بخير والأمة الإسلامية وشعبنا الفلسطيني المرابط فوق ثرى وطنه بألف خير ، بمناسبة الذكرى 1429 هجرية الموافق 2008 ميلادية ، والحمد لله رب العالمين أولا وآخرا .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s