أسرى فلسطين .. وجامعات مصغرة

أسرى فلسطين .. وجامعات مصغرة
لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ
في يوم الأسير الفلسطيني 17 نيسان
أيها الأسرى الفلسطينيون .. صبرا ومهلا ..
ستخرجون من السجن الصهيوني
إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ

د. كمال علاونه
أستاذ العلوم السياسية
فلسطين العربية المسلمة
يقول الله جل جلاله : { وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)}( القرآن الحكيم ، الأنبياء ) .
الأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال الصهيوني ، استطاعوا أن يحولوا غياهب السجون إلى مراكز جامعية ثقافية تدرس المواد الثقافية الأكاديمية السياسية والإسلامية والوطنية والاقتصادية والاجتماعية . فهناك جلسات تنظيمية يحاضر فيها أساتذة جامعيون واسرى لهم باع طويل في الموضوع المعين المراد تدريسه . ففي ساعات الصباح بعد الأفطار أو بعد العصر أو بعد صلاة المغرب أو العشاء ، تعقد جلسة ثقافية عامة أو خاصة لكل تنظيم سياسي على حدة : حركة التحرير الوطني الفلسطيني – فتح ، أو حركة المقاومة الإسلامية – حماس ، أو حركة الجهاد الإسلامي ، أو الجبهات الماركسية الأخرى كالجبهة الشعبية والديموقراطية ، وهناك جلسات أو محاضرات عامة في شتى الأمور والهموم التي تتعلق بالأسرى الفلسطينيين وتتراوح مدة المحاضرة ما بين الساعة والساعتين يشارك بها المحاضر الأسير ويشارك في النقاش الطلبة الأسرى المتواجدون في المحاضرة المعنية . ويتم تقسيم شعب أو فئات محددة لكل محاضرة لتسهيل عملية التدريس – الجامعي إن جاز لنا التعبير – والاستيعاب والفهم للأسرى المتلقين للعلم . وهناك مواد ثقافية عامة وتنظيمية خاصة بكل حركة أو تنظيم سياسي داخل أقبية السجون المركزية وتلك التي في العراء تحت خيم الاعتقال الصهيونية . وهناك مواد ثقافية تعد من المطبوعات والصحف العربية والإنجليزية والعبرية التي تدخل السجون الصهيونية هذا بالإضافة إلى التلفزيونات والإذاعة الإسرائيلية التي تزعج وتقض مضاجع الأسرى الفلسطينيين في ساعات معينة من برامجها الإخبارية والغنائية التي يرتفع صوتها في السجون الصهيونية ، كحرب نفسية ملازمة ضد الأسرى خصوصا وضد ابناء الشعب الفلسطيني الأصيل في ارض فلسطين المباركة عموما ، حيث تدس السم بالدسم وتقلب الحقائق ما استطاعت إلى ذلك سبيلا ولكن الأسرى يعرفون ويفهمون مقاصد هذه الوسيلة الإعلامية التي هي عبارة عن بوق للاحتلال البغيض .
ويمكننا القول ، إن اسرى فلسطين قد عملوا على تحويل التعذيب النفسي والجسدي والروحي للأسير الفلسطيني إلى منتج ثقافي استفاد منه عشرات آلاف الأسرى ذكورا وإناثا ، القابعين خلف القضبات الحديدية اليهودية السادية أو الذين اعتلقوا قبل هذا الأوان . ولي تجربة شخصية مميزة ظاهرة في هذا المجال ، فقد أعتلقت أو أسرت مرتين : الأول اعتقالا احترازيا لمدة خمسة ايام في زنازين وغرف سجن الفارعة ، والثاني اعتقلت اعتقالا للتحقيق في زنازين الاحتلال الصهيوني في مدينة رام الله وزنازين المسكوبية بمدينة القدس لمدة عشرين يوما في صيف 1983 كما اعتقلت في المرة الثالثة اعتقالا إداريا أول مرة في نهاية آب عام 1985 ولما يبق على تخرجي من جامعة النجاح الوطنية في نابلس إلا اسبوعا واحدا لتقديم الامتحانات الفصلية النهائية وأتخرج وأحصل على البكالوريوس في العلوم السياسية والصحافة كتخصص رئيس واللغة الإنجليزية كتخصص فرعي ، فاعتقلتنا قوات الاحتلال الصهيوني لمدة ستة أشهر ، بأن حضرت قوات الاحتلال إلى بيت أسرتي في قرية عزموط على بعد 5 كم قرب نابلس في 28 آب 1985 وسلمت قرارا إجراميا صهيونيا باعتقالي اعتقالا إداريا لمدة ستة شهور ، وكان عمري 24 عاما ، وكنت أصغر المعتقلين الإداريين سنا ، وأكثرهم نشاطا وحيوية ، بشهادتهم هم ، وكنت عازبا ، بينما كان بعض المعتقلين الإدارين خاطبا أو متزوجا ، اي أنني حكمت غيابيا وتسلمت قرار الاعتقال رغما عني ولم ارض أن اتسلمه فقال لي ضابط المخابرات اليهودي سواء تسلمته أم لم تتسلمه فأنت معتقل إداري لدينا لمدة ستة أشهر واقتادوني عنوة تحت حراسة مشددة وقد رايت نحو عشر جيبات عسكرية لاعتقالي أحاطت بمنزل الأسرة منتصف الليل وجروني قسوة إلى مركز الحكم العسكري بنابلس ووضعوا الأصفاد في يدي الاثنتين وغطوا راسي كله بكيس اعتقال نتن وابقوا علينا من ساعات الليل المتأخرة حتى ساعات الصباح الباكر حيث جمعونا بواقع خمسة أسرى إداريين من طلبة جامعة النجاح الوطنية بنابلس ، واقتادونا إلى زنازين مدينة طولكرم ، ثم حولونا إلى سجن جنيد المركزي والبعض منا كان معتقلا إداريا لمدة ستة اشهر والبعض الآخر صدر قرار بإبعاده إلى الأردن . وقد استوعبنا المرارة وتجرعنا ما الزمناه الاحتلال الصهيوني ، وقلنا في أنفسنا كيف نحاكم عن بعد ، بهذه الطريقة المهينة المستهجنة ، حتى دون محاكمة حتى صورية هزلية من مساخر الاحتلال اليهودي والهيمنة على أرض فلسطين ، ولكننا كنا ندرك أن من يعمل لفلسطين أكاديميا أو سياسيا بشكل حقيقي يتهم بأنه إرهابي وزعيم عصابة مضادة للاحتلال اليهودي لفلسطين فقد كنت نشيطا وقائدا لحركة الشبيبة الفلسطينية في قريتي عزموط ولحركة الشبيبة الفلسطينية في محافظة نابلس ، ونائبا للأمين العام لحركة الشبيبة على مستوى فلسطين المحتلة عام 1967 ( في الضفة الغربية وقطاع غزة ) ، وكانت نشاطاتنا أكاديمية وثقافية واجتماعية وترفيهية ورياضية وكنت نشيطا في المجالات الأكاديمية البحثية والصحافية والسياسية . على أي حال بلغ عدد المعتقلين الإداريين من الطلبة الجامعيين وبعض الأساتذة في الجامعات الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة حتى نهاية 1985م 85 معتقلا إداريا ، وكانت هذه الفئة هي التي تقود العمل الثقافي الأكاديمي في السجون الصهيونية ، فقد طلب منا أخوتنا المحكومين في سجن جنيد أن نفرز لهم محاضرين في شتى الشؤون الأكاديمية والتعليمية واللغوية وكل في تخصصه ، فتطوعت أنا أن أحاضر في الدراسات الفلسطينية وخاصة السياسية كان ذلك في قسم 4 في سجن جنيد بنابلس الذي تحكمة مصلحة السجون الإسرائيلية . كنا نحاضر بمحاضرات صباحية لأسرى فلسطينيين محكومين ، وكانت الحلقة التي أحاضر بها كبيرة العدد إلى حد ما ، كنا نجلس على الأرض على البطانيات ونشارك بعضنا البعض وكنت أنا المحاضر الوحيد من المعتقلين الإداريين الذي تبرع أولا لله تعالى في أن يقدم شيئا لأسرى الثورة الفلسطينية بشكل طوعي ومجاني طبعا ، وقد أعددت بعض الدراسات وكتبتها داخل السجن فقد استملت دفترا ابيضا وبدأت أدون فيه ملاحظاتي عن مواضيع ثقافية وسياسية جامعية وحياتية عامة ثم القيها على المشاركين في الجلسات الثقافية . ولا بد من القول ، إن مشاركتي في المحاضرات للأسرى لم تثنيني عن إعداد ابحاث علمية بالاستعانة ببعض الكتب الموجودة داخل مكتبية السجن لاجتياز مرحلتي الجامعية الأكاديمية في جامعة النجاح الوطنية بنابلس وأتحصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية فقد بدات بإعداد بحث عن الحركة العمالية الفلسطينية ، وبحث عن القوى السياسية الفلسطينية في الأرض المحتلة ، ودراسات أخرى غيرها .
وعلى الجانب الآخر ، رغبت في استثمار وقتي داخل السجن وأخرج بلغة ثالثة إضافة للغتي الأم وهي اللغة العربية واللغة الأجنبية الأخرى وهي اللغة الإنجليزية ، فبادرت وتبنيت افعداد لدورة لغة عبرية ، وطرحت هذا الموضوع على زملاء لي أسرى إداريين مثلي ممن يتقنون اللغة العبرية ، وتجاوبوا معي ، فسارعت وسجلت أنا بنفسي لتلقي دورة في اللغة العبرية يحاضر فيها أحد الأسرى المعتقلين الإداريين وأحضرت كتابا اشتراه لي الأهل من خارج السجن ووصل متأخرا لداخل السجن على اسمي وقد تلقيت عشرات المحاضرات في اللغة العبرية وكنت أتقن الكتابة والقراءة والمحادثة ، فالفراغ الوقتي في السجون الصهيونية إذا لم تقتله قتلك ، فأردنا أن نقتل الوقت بشيء مفيد ، وأن نخرج بمعلومات وعلم جديد ولا نقعد يملأنا الحزن والكآبة فهذا هو قدرنا ويجب أن نؤمن به شئنا أم ابينا ، ومن يريد أن يكون جمالا يجب أن يوسع باب داره ، أردنا أن نعمل لفلسطين طائعين فعلينا أن نتحمل النتائج ؟
لقد استطعنا أن نحول المعتقلات الصهيونية إلى جامعات مصغرة ، كل واحد فينا من النشطاء والمثقفين الفلسطينيين تحول إلى محاضر جامعي قبل أن ينهي متطلبات شهادته الجامعية ، فكانت أول تجربة أكاديمية منتظمة لي كمحاضر هي في سجن الجنيد الصهيوني في خريف 1985 ثم نقلونا وفرقونا إلى سجن بئر السبع بعد أن أعلنا الإضراب السياسي المفتوح ضد الاحتلال الصهيوني ، فجاءت الإجراءات الفاشية الصهيونية لابعادنا عن الأسرى المحكومين والحد عن التأثير السياسي والأكاديمي لنا فيهم ، فالسجانون الصهاينة لا يريدون انتشار التعليم الثقافي في السجون الصهيونية وكثيرا ما كانوا يقتحمون غرف السجن ويعيثون فيها فسادا وإفسادا ليلا ونهارا ، وعلى حين غفلة منا ويصادرون المواد الثقافية ويمزقونها إربا إربا . ، فكنا نخرج في فورة أو نزهة خارج غرف السجن لمدة نصف ساعة صباحية وأخرى مسائية ونعود وقد قلبت ابراش السجن أو أسرته التي ننام عليها راسا على عقب من قبل السجانين الجلادين الصهاينة . كان ذلك يضايقنا ويحاول إرجاعنا عشرات الخطوات للخلف ولكن دون جدوى فإرادتنا كانت فولاذية صلبة أقوى من الجلادين الصهاينة ، فحبنا لفلسطين وشعبنا لا يوصف ونحن في ريعان الشباب ولا نخاف إلا الله تبارك وتعالى .
على اي حال ، وهناك لي تجربتين أخريين في الأسر الصهيوني وهي عام 1988 و1989 حيث صدر حكما علي بالاعتقال الإداري كالطريقة السابقة ، ولكن في هاتين المرتين بعد المرور بالزنازين للتعذيب الجسدي والنفسي ، القى بي السجانون اليهود في سجني الفارعة والنقب الصحراوي ، وكنت اقود الصلاة الجماعية في بعض غرف السجن كإمام يصلي بأسرى زملاء له ، وكنت أعد خطبا لصلاة الجمعة وأطلب من شخص صديق لي يكبرني سنا احتراما له بأن يلقيها ويخطب في المصلين في صلاة الجمعة ، وكنت اركز في هذه الخطب على حياة الأنبياء والمرسلين وخاصة النبي يونس بن متى ويوسف عليه السلام الذين دخلا السجون ، وهو سجن النبي يونس في بطن الحوت ، وسجن النبي يوسف في سجن فرعون مصر الطاغية .
وفي ربيع عام 1988 ، في سجن النقب الصحراوي ( أنصار 3 ) أو ما يطلق عليه صهيونيا كتسوت 7 عرض علي الأخوة الأسرى في اجتماع خاص للمثقفين منهم أن أكون الموجه العام للسجن أي رئيس السجناء الأسرى السياسيين الفلسطينيين ، وكان عدد الأسرى في ذلك القسم 228 أسيرا ينامون في خيم متقاربة على خشب واسفنج تكشف نهارا ويسدل عليها لغطاء والستار ليلا ، فامتنعت ورغبت عن ذلك لرغبتي في التفرغ للمحاضرات والفعاليات الثقافية للجميع وليس لدي رغبة في الشؤون الإدارية لإدارة شؤون الأسرى الفلسطينيين داخليا ، وكان الأخوة يثقون بي ويشاورونني في كل صغيرة وكبيرة ، لخبرتي التوجيهية الجامعية والتنظيمية والشبابية والأكاديمية والصحافية ، وكذلك لارتفاع معنوياتي الإيمانية الإسلامية والشعبية وتواضعي في التعامل السلس واللين مع الجميع من زملائي الآخرين وإيثاري الآخرين على نفسي ، كما كانوا يبلغوني إياها ، أمامي وخلفي ، وهي شهادة أعتز بها .
وفي هاتين المرتين ، كنت أنظم دورات ثقافية عامة للسجن في خيمة واسعة للجميع لمن يريد المشاركة ، وكنت أنظم مسابقات ثقافية ، عامة وخاصة ، وبرامج دينية وسياسية واجتماعية . وقد أشرفت على تدريس دورة في اللغة الانجليزية لبعض الأسرى الراغبين في ذلك إضافة إلى كوني كنت مترجما لوفد الصليب الأحمر الذي كان يحضر لمقابلة الأسرى الفلسطينيين كل اسبوع أو أسبوعين . لقد كانت أيام السجن أياما مليئة بالحيوية والنشاط هذه ما فعلته أنا ولكن هناك من كان يتأوه ويتألم ولكن بصوت عال والجميع كذلك ولكننا كنا نكظم غيظنا ونرفع معنويات الأسرى الآخرين ومعنويات الأهل عبر رسائل شحيحة لإبقاء الشعلة الإيمانية الإسلامية مشتعلة في النفوس رغم الكابوس الإحتلالي والحجز السادي داخل زنازين وغرف السجون المغلقة والمفتوحة على السواء . ولا يغيب عن خاطري أننا كنا نشارك في قراءات قرآنية بعد صلاة العصر يوميا أو حسب الحاجة ، وعرض علي أن أكون إماما للمصلين في خيمة المصلين وخطيبا لصلاة الجمعة بقسم الأسرى السياسيين الأمنيين الفلسطينيين الذي نقيم فيه إقامة جبرية فاعتذرت كذلك ولم ألب الدعوة ورشحت أستاذا جامعيا كان يحمل شهادة الدكتوراه في الشريعة ويدرس بإحدى الجامعات الفلسطينية وهي جامعة الخليل بمدينة الخليل للقيام بهذه المهمة كونه متخصصا أكثر مني . وعليه يمكننا القول ، إننا استطعنا تحويل السجون الصهيونية إلى دورات إيمانية إسلامية عميقة . وأتذكر كذلك أننا كأسرى سياسيين استطعنا أن نحول ونستغل وقتنا في الفنون : فن الرسم والنحت على الحجارة حيث نعمل حبات لوز من الحجارة وبراويز للمسجد الأقصى المبارك وقبة الصخرة المشرفة وغيرها . هذا إلى جانب التدريبات والتمرينات الرياضية في ساعات الفورة أو الخروج خارج غرف السجن ، فقد كنا نتلقى دورة في الكراتية يدربنا عليها احد الأسرى الفلسطينيين الحائز على أعلى الرتب في الكراتية والجودو اليابانية والكونغ فو ثم منعتنا إدارة السجن من ذلك .
ونقول وعلى بركة الله الغني الحميد ، إن اسرى فلسطين استطاعوا أن يحولوا السجون الصهيونية المعادية للفرد الفلسطيني والشعب والأمة إلى بؤر جهادية متقدمة وثورة قومية إسلامية شاملة ضد الأعداء عبر التعليم السياسي والإسلامي والاضرابات المفتوحة عن الطعام والالتحاق في دورات إيمانية عميقة وروابط ووشائج إسلامية غرزت في نفوس المرابطين خلف القضبان اللئيمة ، وإقامة الصلوات الخمس المكتوبة في صلاة جماعية فردية من نوعها ، وصيام رمضاني عسير في ظلمات ومتاهات السجون والزنازين الجماعية والإنفرادية ، إضافة إلى دورات قرآنية مجيدة وحلقات ذكر جماعية متخصصة ابقت شعاع النور الإلهي في الأجساد والقلوب والعقول الأسيرة من أبناء فلسطين مستلهمة التقوى والصبر والمصابرة والمرابطة في ارض الرباط المباركة التي قدسها البارئ عز وجل من فوق سبع سماوات طباقا .
ليس ذلك فحسب ، بل إن هناك الدراسة الخاصة للطلبة الذين لم يتموا التحصيل الثانوي فقد التحقوا وهم في السجون وقدموا الامتحان العام لشهادة الثانوية العامة ثم تابعوا تحصيلهم العلمي في الجامعات الفلسطينية في مختلف الدراسات والتخصصات العلمية والإنسانية وكان البعض منهم زملاء لي في الجامعة ومعنوياتهم عالية جدا ، فقد كان بعضهم معتقلا لمدة 14 سنة أو 12 سنة أو7 أو 5 أو 3 سنوات وهكذا وتابعوا دراساتهم الجامعية ثم التحقوا بمراكز العمل الوظيفية الحكومية بعد قيام السلطة الفلسطينية والأعمال الحرة وهم ناجحون في حياتهم العلمية والعملية فهم نخبة من ابناء الشعب الفلسطيني الصابر المرابط الذي يعيش جزء منه في سجون صغيرة حولوها لجامعات صغيرة متنقلة في مراكز السجون الصهيونية اللئيمة المجرمة وكل الشعب الفلسطيني يعيش في سجن يهودي كبير مغلق من جهاته الأربع حتى الآن . وبهذا فإن الغاية التي رسمها الجلادون المحتلون الصهاينة لتعذيب أبناء فلسطين الأحرار البررة وقبرهم فيها ، فشلت وافشلها الأسرى أنفسهم فقد انتقلوا من خنادق المقاومة بشتى صورها وأنواعها في السجن الكبير لفلسطين إلى أشكال أخرى مختلفة عن سابقاتها داخل السجون الصغرى في تطور إبداعي فكري ثقافي ورياضي يستحق الثناء والتقدير والمكافآت المعنوية والأكاديمية وسواها .
على العموم ، لقد نظمت المحاضرات المتنوعة في السجون الصهيونية في الغرف والساحات والزنازين ، وتلقى بعض المشاركين في الدورات الثقافية شهادات متميزة ومميزة في الشؤون السياسية والإسلامية واللغوية ، وبعض هؤلاء الأسرى من المحكومين والمعتقلين الإداريين ممن لم يكونوا قد أنهوا دراستهم الثانوية أو الجامعية التحقوا بالجامعات الفلسطينية بعدما قدموا امتحان شهادة الثانوية العامة وخرجوا من السجن وتخصصوا في تخصصات متعددة وكانوا متفوقين على أقرانهم الطلبة الآخرين بفعل التثقف العام الذي تلقوه في السجون في فترات اعتقالهم .
وقد حاول مئات الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الصهيوني الالتحاق بالجامعات الفلسطينية عن طريق الانتساب الجامعي والتعليم المفتوح والتعلم عن بعد وخاصة في جامعة القدس المفتوحة إلا أن سلطات الاحتلال رفضت السماح لهم بذلك ، وسمحت لهم بالمقابل الالتحاق بالجامعة العبرية المفتوحة فاضطروا لذلك ونالوا شهادات من تلك الجامعة .
هذه تجربة مختصرة ومقتضبة عن تجربة السجون الصهيونية والجامعات المصغرة التي حولها فيها أسرى فلسطين إلى مشاع لجهادية ومنارات حضارية وطنية إسلامية ذات دعوة مميزة صلبة لا تلين من ذوي العزيمة والشكيمة والإرادة القوية التي حولت السجن إلى جامعة متنقلة رغم أنف الأعداء بكل معنى الكلمة ولكن دون شهادات علمية بل شهادات حياتية يشهد لها القاصي والداني في فلسطين فالأسير المثقف هو رمز الصمود والتصدي والتحدي للجلادين مهما بلغت اساليبهم الخبيثة الملتوية . وما زالت ذكريات هذه التجربة الشخصية لي تلقي بظلالها على حياتي الخاصة والعامة ترفع المعنويات بأن النصر آت .. آت .. آت ، وان الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر سيظهر ويتبين جليا ويهزم الجمع الصهيوني ويولون الدبر كما ولى سابقيهم من المحتلين الفرنجة الصليبيين فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا .
وأخير لا نملك إلا أن نقول ، صبرا أسرى فلسطين المجاهدين الميامين فإن موعدكم الفرج إن شاء الله العزيز الحكيم ، وصبرا شعب فلسطين فإن موعدكم النصر المبين بإذن رب العالمين . ولن ينسى شعب فلسطين اسراه خلف قضبان سجون الاحتلال مهما كبرت المصائب وأدلهمت الهموم وحلك سواد الحياة في البلاد بفعل الإرهاب المعادي لأماني وتطلعات شعبنا الفلسطيني في الحرية والاستقلال الوطني وإقامة دولة فلسطين المستقلة فوق التراب الوطني وعاصمتها القدس الشريف ، وتخليص البلاد والعباد من الاستعباد والاستبعاد اليهودي لأهل البلاد الأصليين . عافانا الله وإياكم من سجون الاحتلال الصهيوني اليهودي الظالمة .
نترككم في أمان الله ورعايته . سلام قولا من رب رحيم . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s