معركة حطين الخالدة .. بين المسلمين والصليبيين 583 هـ – 1187 م ( 2 – 4 )

معركة حطين الخالدة ..
بين المسلمين والصليبيين
583 هـ – 1187 م
( 2 – 4 )

د. كمال إبراهيم علاونه
الرئيس التنفيذي لشبكة الإسراء والمعراج ( إسراج )
أستاذ العلوم السياسية
فلسطين العربية المسلمة
………………
واستولى صلاح الدين الأيوبي ، على طبرية بعد حصار دام ستة أيام ، وعسكر بثغر ( الأقحوان أو الأقحوانة ) لمدة خمسة أيام يتفقد مواقع القتال ويسمع آراء أمراء الجيش الإسلامي ، وقد أحاط الجيش في هذه الفترة ببحيرة طبرية [1] ، واستولى عليها وبقيت قلعة طبرية تحت سيطرة الصليبيين فاستنجدت ايشيفا الصليبية زوجة ريمون حاكم طرابلس بالفرنجة فأشار زوجها ريمون على الصليبيين بأنه لا يؤيد توجه الجيوش الصليبية إلى طبرية ولا يرضى بتدمير هذه الجيوش وقال إذا سيطر المسلمون على القلعة فماذا عساه أن يفعل وأوضح أن المسلمين إذا سيطروا على القلعة فلن يستمروا فترة طويلة في منطقة طبرية بعد عملية حرقها وتخريبها . وأصدر القائد صلاح الدين أوامره إلى بعض الأجنحة البرية العسكرية الإسلامية بالعمل على فتح جبهة أخرى ضد بارونية الكرك والشوبك لتشتيت جهود الصليبيين في عدة معارك جانبية [2] . وطلب من ابنه الأفضل مهاجمة عكا فدعا ابنه الأفضل القائد المسلم مظفر الدين كوكبري وحثه على التصدي لبعض الفرق الصليبية فالتقى بهم عند منطقة صفورية وأبلى فيها جند الإسلام بلاء حسنا وقتلوا قائد الإسبتارية .
5. الجيش الصليبي الإفرنجي .. ويوم الخروج
على الجانب الآخر ، خرج الصليبون في يوم الخروج المحدد لهم ، كما قال الله تعالى : { هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ } [3] . فتجمعت القوات الصليبية من الفرنجة عند صفورية وأوقدوا نار الحرب ، وتشاور القادة الصليبيون الغزاة وقرروا الهجوم على الجيش الإسلامي وتسيير قواتهم نحو طبرية حيث ترابط القوات الإسلامية ، وقد حشد الفرنجة الصليبيون جنودا يقدر عددهم بخمسين ألف جندي من المقاتلين والفرسان [4] ، فأعجبتهم كثرتهم فلم تغن عنهم هذه الكثرة من الله شيئا ، ونصب الفرنجة الصليبيون هيئة أركان لجيوشهم ضمت غي لوزنيان ملك المملكة اللاتينية في بيت المقدس وريموند الثالث ( القمص ) حاكم طرابلس وطبرية ( وكانت طبرية من أملاك زوجة القمص الكونتيسية ايشيفا ) وأسقف عكا ، واحضروا صليب الصلبوت ( وهو خشبة الصليب المقدس ) وكانت النية الاستعمارية الصليبية هي العمل الحثيث للقضاء على الجيش الإسلامي وصلاح الدين الأيوبي بصورة نهائية . ورغم معارضة ريمون القمص لتوجه الجيش الصليبي الإفرنجي إلى طبرية بعد إتهامه بأنه لا يريد الحرب مع المسلمين ( والخيانة )، أقنع جيرالد مقدم الداوية الملك ( غاي ) بضرورة توجه الجيش نحو طبرية ، وجيرالد هو صاحب الفضل في تنصيبه ملكا على المملكة اللاتينية ، فنادى المنادون بضرورة توجه الجيش فجرا للقاء الجيش الإسلامي عن طريق الشمال . وتشكلت قيادة الجيش الصليبي كما يلي : مقدمة الجيش يقودها ريمون كونت طرابلس ، كونه حاكم طبرية ، وقلب الجيش يقوده الملك غاي ، ومؤخرة الجيش يقودها رينالد شاتيون ( أرناط ) وفرسانه [5] .
6. يوم الحشر للصليبيين الفرنجة
زحفت جموع الفرنجة بإشارة من جيرالد ( جيرار ) قائد فرسان الداوية أو ما يطلق عليهم ( فرسان الهيكل ) : { كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ } [6] ، زحفوا باتجاه الجيش الإسلامي في طبرية ، في اليوم الموعود ، وبهذا فان القوات المستعمرة جاءت لحتفها . وأوقدوا نار الحرب ليلا ، فأطفأها الله ، قال تعالى : { كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ } [7] ، فساء ما كان يعملون . فدعا داعيهم إلى شيء نكر : { فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ } [8] ، إذ دعا لمقاتلة المسلمين الموحدين بعبارة لا إله إلا الله محمد رسول الله ، هذه الثلة التي تسعى لنشر الدعوة الإسلامية وعبادة الله في الأرض ، فأحال الله على الصليبيين الكفار ذلك اليوم وجعله يوما عسرا . وتخيلوا أنهم سينتصرون على المسلمين : { أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ . سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ . بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ . إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ . يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ . إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ . وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ . وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ } [9] .
7. يوم الخروج الإسلامي
لقد نقلت عيون صلاح الدين له عملية تحرك الجيش الصليبي بإتجاه طبرية ففرح كثيرا لأن منطقة طبرية شديدة الحرارة ، { فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ } [10] . فاستشار صلاح الدين مساعديه ، وفق مبدأ الإسلام : { وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ . إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ } [11] . وتم الاتفاق على الخروج الإسلامي وملاقاة الفرنجة الصليبيين في 17 ربيع الآخر 583 هـ بعد صلاة الجمعة ، وعقب القائد صلاح الدين الأيوبي ، على ذلك قائلا : ” جاءنا ما نريد ونحن أولو بأس شديد وإذا صحت كسرتهم ، فطبرية وجميع الساحل ما دونه مانع ولا عن فتحه وازع ” [12] ، فحاصر طبرية ستة أيام وأطبق عليها . ووضع صلاح الدين خطة عسكرية ، حكيمة بالغة ، تقضي بتوجه معظم القوات الإسلامية إلى المرتفعات في قرية حطين على بعد خمسة أميال غربي بحيرة طبرية فأغلقت الطريق الموصلة إلى طبرية ، وبقيت قوة صغيرة في منطقة طبرية . نظم صلاح الدين الأيوبي الجيش الإسلامي البالغ عدده 12 ألف جندي ، بما فيهم رماة السهام النشاب ( الجاليشية ) وعددهم أربعمائة رام للسهم [13] ، كما يلي : ميمنة الجيش : بقيادة تقي الدين عمر ، ميسرة الجيش بقيادة مظفر كوكبري صاحب حران ، قلب الجيش الإسلامي بقيادة صلاح الدين نفسه برفقة بدر الدين دلدرم ( على عسكر حلب ) وصارم قايماز النجمي على عسكر دمشق [14] . وقال لهم :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ . وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ } [15] . وتمركزوا في قرية حطين وهي قرية عربية فلسطينية غزيرة المياه وغنية بالمراعي ، فالماء ضروري للحياة للجند والخيول والعشب ضروري للخيول والماشية المرافقة للجيش الإسلامي ، وحرمان الصليبيين من المياه أمر ضروري لإنهاك قواهم في شهر تموزي حار ملتهب من فصل الصيف .
8. يوم حطين المشهود .. يوم الواقعة
عند بزوغ فجر يوم الجمعة 24 ربيع الثاني 583 هـ / 3 تموز 1187 م ، حان موعد الاستعداد للنزال والجدال والفروسية ، فتدفقت الجموع الصليبية المشتركة ووصلت بعد ظهر يوم الجمعة إلى سطح جبل طبرية خلف لوبيه ، عند ” قرني حطين ” ، والقرنان كل منهما على ارتفاع حوالي 30 مترا ، وكانت القوات الصليبية الإفرنجية عطشى خائرة القوى ، بسبب المسيرة الطويلة وارتفاع درجات حرارة الطقس ، إذ أن الوقت كان شهر تموز من فصل الصيف الحار والوقت ظهرا ، ولجأت القوات الصليبية للنوم فوق الهضبة بعيدا عن مرابطة قوات المسلمين ، بأعداد كبيرة { لقد أحصاهم وعدهم عدا } [16] ، متساقطة كتساقط أوراق الشجر في فصل الخريف ، فتحول الصيف خريفا للأجساد الإفرنجية في غير أوانه ، وأثناء ذلك ، صلى المسلمون صلاة الجمعة ، وانتشروا في مواقعهم استجابة لقول الله العزيز : { فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [17] . فواصل المسلمون قراءة وتلاوة القرآن الكريم سرا وجهرا بأصوات مرتفعة بخشوع وتدبر كبيرين ، سجودا وقياما وقعودا وعلى جنوبهم ، ورددوا عبارات التكبير الخالدة وكأنهم في صلاة دائمة متواصلة ليلا ونهارا .. الله اكبر .. الله اكبر ، فبدت بشائر النصر تلوح في الأفق ، وأوجس الفرنجة خيفة كبرى من المسلمين . وعند ظهور الخيط الأسود من الليل ، وفي ظلام تلك الليلة المشهودة ، ليلة السبت ، أصدر القائد صلاح الدين الأيوبي التعليمات والإرشادات العسكرية إلى الجند المسلمين .. على بركة الله ، داعين الله أن يهب لهم النصر وان يهزم الكفار قائلين : { رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ . رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } [18] .
التقاء الفئتين للقتال .. يوم الجمع
{ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ . قَدْ كَانَ لَكُمْ آَيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ } [19] . وفي يوم السبت 25 ربيع الآخر 583 هـ / 4 تموز 1187 م حاصر الجيش الإسلامي القوات الصليبية وعندما برزوا لقتالهم : { قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ . فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ } [20] . وهاجموا القوات الصليبية ، ودنا بعضهم من بعض ، وسلوا سيوف الله المسلولة ، واحرقوا الأعشاب والأشواك البارزة فوق هضبة طبرية ، فسلقوهم وانتشرت النار في الهشيم ، هشيم الأعشاب وهشيم القوات الصليبية .. لا فرق .. كله هشيم في هشيم ، وتعالت سحب الدخان في سماء المنطقة فأصبحت كالجحيم على جيوش الصليبيين المحتلين . فحاولت الجموع الصليبية أن تفل وتهرب من جحيم المعركة ، فقال لهم المسلمون : { قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } [21] . واستطاعت القوات الإسلامية المسلحة بالصبر والإيمان والجهاد في سبيل الله أن تفتك بجموع الصليبيين الغزاة في يوم الجمع : { يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ } [22] ، فقتل نحو عشرين ألف مقاتل صليبي إفرنجي أو ما يقارب من نصف ذلك الجيش المحشود لمحاربة المسلمين : { فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ . فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ } [23] . فانقلب السحر على الساحر ” ولا يفلح الساحر حيث أتى ” وانقلبت الحرب على الذين ينقضون المواثيق والمعاهدات ، فأصبحوا هم الخاسرين ، فاستسلم قادة الصليبيين الفرنجة ومن ضمنهم : ملك المملكة اللاتينية في بيت المقدس غي دي لوزنيان وأرناط وعدد كبير من البارونات ومن فرسان الإسبتارية والداوية وفر حاكم طرابلس ريموند الثالث إلى صور اللبنانية مع بعض رجاله عند اندلاع وطيس المعركة [24] ، وهذا نوع من أنواع العذاب الدنيوي لهذه الفئة الظالمة عبر التاريخ الإنساني : { كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } [25] .
طوبى ل ” حطين “
{ إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ . لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ . خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ . إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا } [26] . كما رأينا ، التقت الجموع المؤمنة بالجموع الإفرنجية الكافرة في حطين فلسطين من البلاد الشامية ، فوقعت واقعة حامية الوطيس ، أعلت الإسلام وخفضت من قيمة الطامحين المحتلين ، انتصر الحق على الباطل ، بفضل رحمة الله العزيز الحكيم ، فعن ذلك تنبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ” طوبى للشام ، إن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليه ” [27] . فكانت الجحافل الإسلامية من السابقين السابقين ، نحو رفع راية الحق ودين اليقين . ورد الله الجموع الصليبية من الفرنجة على أعقابهم خائبين { فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً } [28] . ولعنهم يوم السبت وردت الجموع الصليبية على أدبارها ، { فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا } [29] . فكانت معركة فاصلة بين الحق والباطل { الَّذِينَ آَمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا } [30] . ولم يهن المسلمون في ابتغاء القوم ، ممتثلين لقول الله جل وعلا : { وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا } [31] . وانطبق قول الله تعالى على المسلمين : { أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ . مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ } [32] .ونال الشهادة في سبيل الله جزء من الجيش الإسلامي من أبطال المجاهدين المسلمين : { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا . لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا . وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا . وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا . وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا } [33] . ولسان حال الشهداء ينادي ويدعو رب العزة ، رب السماوات والأرض قائلا : { رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ } [34] . فالحرب بين الجانبين قد انتهت في هذه المعركة ، فكانت ملحمة بطولية أبلى فيه المسلمون بلاء حسنا ، وتشتت الظالمون المحتلون بين قتيل وجريح وأسير وفار ، واخذوا يولولون ، وكما قال الشاعر ( أبو الطيب ) : لكل شيء إذا ما تم نقصان فلا يغر لطيب العيش إنسانهي الأمور كما شاهدتها دول من سره زمن ساءته أزمان وهذه الدار لا تبقي على أحد ولا يدوم على حال لها شأنوبعد أن وضعت الحرب أوزارها ، وانتصر العرب المسلمون أيما انتصار ، وسجلوا بأحرف من نور لامع براق ، ودم احمر قانٍ ، صفحات خالدة في تاريخ العرب والمسلمين على حد سواء ومكنهم الله في الأرض العربية الفلسطينية ، بعد حطين فلسطين الأبية العزيزة ، وهزم الجمع الصليبي وولوا الدبر ، كما قال الله سبحانه وتعالى وما زال قوله خالدا عزيزا { سيهزم الجمع ويولون الدبر } . صلى القائد صلاح الدين الأيوبي صلاة الشاكرين لأنعم الله عز وجل الذي من على المسلمين بالنصر المبين رغم قلة عددهم إذ لم يبلغ عدد أفراد الجيش الإسلامي آنذاك 12 ألف جندي في حين بلغ عدد قوات الصليبيين الفرنجة نحو 50 ألف جندي كما تعددت الروايات في هذا المجال . وكما قال الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم : ” لن يغلب اثني عشر ألف من قلة ” [35] .
ملاحظة هامة : يتبع … ( معركة حطين الخالدة بين المسلمين والصليبيين ) ( 3 – 4) .
=============
[1] ابن شداد ، النوادر السلطانية ، ص 75 – 76 .
[2] أبو شامة ، تاريخ الروضتين ، ج2 ، ص 75 .
[3] القرآن الكريم ، سورة الحشر ، الآية 2 .
[4] المقريزي ، السلوك لمعرفة دول الملوك ، ج 2 ، ص 92 .
[5] ستيفن رانسمان ، الحروب الصليبية ، ج 2 ، ص 737 .
[6] القرآن الكريم ، سورة القمر ، الآية 7 .
[7] القرآن الكريم ، سورة المائدة ، الآية 64 .
[8] القرآن الكريم ، سورة القمر ، الآية 6 .
[9] القرآن الكريم ، سورة القمر ، الآيات 44 – 51 .
[10] القرآن الكريم ، سورة القمر ، الآية 10 .
[11] القرآن الكريم ، سورة آل عمران ، الآيات 159 – 160 .
[12] أبو شامة ، ج 2 ، ص 76 .
[13] أبو شامة ، ج 2 ، ص 77 .
[14] أبو شامة ، ج 2 ، ص 82 .
[15] القرآن الكريم ، سورة البقرة ، الآيات 153 – 154 .
[16] القرآن الكريم ، سورة مريم ، الآية 94 .
[17] القرآن الكريم ، سورة الجمعة ، الآية 10 .
[18] القرآن الكريم ، سورة الممتحنة ، الآيات 4 – 5 .
[19] القرآن الكريم ، سورة آل عمران ، الآيات 12 – 13 .
[20] القرآن الكريم ، سورة البقرة ، الآيات 249 – 250 .
[21] القرآن الكريم ، سورة الجمعة ، الآية 8 .
[22] القرآن الكريم ، سورة التغابن ، الآية 9 .
[23] القرآن الكريم ، سورة الحاقة ، الآيات 6 – 7 .
[24] ابن واصل ، مفرج الكروب ، ج 2 .
[25] القرآن الكريم ، سورة القلم ، الآية 33 .
[26] القرآن الكريم ، سورة الواقعة ، الآيات 1 – 4 .
[27] رواه الترمذي .
[28] القرآن الكريم ، سورة الحاقة ، الآية 10 .
[29] القرآن الكريم ، سورة النساء ، الآية 47 .
[30] القرآن الكريم ، سورة النساء ، الآية 76 .
[31] القرآن الكريم ، سورة النساء ، الآية 104 .
[32] القرآن الكريم ، سورة القلم ، الآيات 35 – 36 .
[33] القرآن الكريم ، سورة الأحزاب ، الآيات 23 – 27 .
[34] القرآن الكريم ، سورة التحريم ، الآية 11 .
[35] رواه أحمد .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s