معركة حطين الخالدة .. بين المسلمين والصليبيين 583 هـ – 1187 م ( 3 – 4 )


معركة حطين الخالدة ..
بين المسلمين والصليبيين
583 هـ – 1187 م
( 3 – 4 )
د. كمال إبراهيم علاونه
أستاذ العلوم السياسية
فلسطين العربية المسلمة
…………..
ملاحظة : يرجى قراءة الجزء الثاني من ( معركة حطين .. بين المسلمين والصليبيين ) ( 2 – 4 ) .
9. تخطيط المسلمين في حطين
يرجع لتخطيط المسلمين من تكتيك واستراتيجية عسكرية وإيمانية النصر المبين . فلقد زلزل الجيش الإسلامي يومي الجمعة والسبت 24 و25 ربيع الآخر 583 هـ / 3 و 4 تموز 1187 م ، رغم قلة عدده ، زلزل أقدام المحتلين الصليبيين ، وجعل السماء تموج بالدخان عن أيمانهم وشمائلهم ومن إمامهم وخلفهم .. من كل ناحية ، فكانت كما قال الله عز وجل في محكم كتابه العزيز : { إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا . وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا . وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا . يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا } [1] . نعم لقد حدثت الأرض أخبار معركة حطين بأحرف من نار ونور ، بأحرف من نار على قلوب ونفوس الطامعين الحاقدين الغادرين ، وبأحرف من نور يتلألأ فوق جباه المجاهدين والشهداء المسلمين في كل زمان ومكان ، فكانت هذه المعركة مضربا للأمثال في العزة والنخوة والتضحية والفداء من اجل إنقاذ المسلمين المظلومين .. الذين استغاثوا .. واإسلاماه .. واإسلاماه .. من أرناط رأس الشر والمفسدين ، إنقاذهم من براثن الغدر والخيانة الحاقدة من أناس دنسوا المقدسات وعاثوا في الأرض العربية فسادا وإفسادا في كل ناحية ومن كل حدب وصوب وتعرضوا لقوافل الحجاج المسلمين المتوجهين لمكة المكرمة لأداء فريضة وركن أساسي من أركان الإسلام الخمسة ، فدارت عليهم دائرة السوء ، ” وعلى نفسها جنت براقش ” . وقد استخدم المسلمون في هذه المعركة غير متكافئة العدد والعدة ، عدة أساليب جعلتهم ظاهرين ولعدوهم قاهرين ، فدق المسلمون طبول الحرب وكبروا وهللوا ، مستلهمين قول الله تعالى : { فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ . فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ . عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ } [2] ، ومن أبرز هذه الطرق :
أولا : التخطط الحربي الشامل : مناوشات وهجوم ليلي ، سيوف ونبال ورماح ورجم بالحجارة وغيرها من الأسلحة المتاحة وتوزيع ميادين المعركة في الساحل الفلسطيني وقرب طبرية وجنوب البلاد .
ثانيا : السيطرة على المياه : حال المسلمون دون وصول الصليبيين إلى مياه بحيرة طبرية ، { قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ } [3] . وما أشبه ذلك اليوم ، يوم حطين ، بيوم بدر ، حيث سيطر المسلمون على ينابيع المياه وحرموا منها الأعداء وقالوا للمشركين وللصليبيين : قل موتوا بغيظكم أيها المحتلون الصليبيون يا من أتيم من أوروبا لاستعمار بلاد العرب والمسلمين . فحاول الكفار المحتلين الاستيلاء على المياه للشرب منها ونادوا المسلمين أنهم ظمأى ويريدون الشرب فرفض المسلمون ذلك الطلب ، ولسان حال الجانبين يقول : { وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ } [4] .
ثالثا : القتال بعد صلاة الجماعة : لتحريض وحث المؤمنين على القتال وتحبيذ الشهادة في سبيل الله ، دفاعا عن الإسلام ودفاعا عن النفس والأهل والأمة .
رابعا :وجود القيادة وسط المعركة :فوجود القائد وسط الجند المجاهدين يثير فيهم النخوة والشجاعة والهمة لملاقاة الأعداء فهو وسطهم ويمكن أن يتعرض للاستشهاد مثله مثل أي جندي من جند الإسلام .
خامسا : طاعة أولي الأمر : بالامتثال لتعليمات القيادة السياسية والعسكرية ، فهذه المسالة من الأمور المهمة لاستجلاب النصر على الأعداء ، فالقائد يجب أن يطاع ، وواجب القائد في المعركة استشارة أهل الخبرة والدراية للوصول إلى معطيات النصر .
سادسا : إشعال النيران الكثيفة : حيث تم إشعال النيران ذات الألسن الملتهبة في الحشائش والأعشاب والأشواك ، تحت أقدام الصليبيين الفرنجة ، وأمام خيولهم التي هلكت وهلكوا معها ، فكانت النار { كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ . كَغَلْيِ الْحَمِيمِ } [5] . وقد هبت رياح شديدة تجاه الفرنجة المحتلين فكانت كأنها ريحا صرصرا عاتية ، فلفحت النار وجوههم فكانت { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ . عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ . تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً } [6] . وكان لهذا الدخان الناجم عن هذه النار الموقدة والذي لم يرتقبوه في الأرض عذابا فوق عذاب ، فقطع عنهم الأوكسجين الضروري للحياة فأعمى عيونهم وأرهقهم صعودا ، وغشيهم عذاب أليم ، وبطش فيهم المسلمون البطشة الكبرى { إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ . إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ . وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ . ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ . فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ } [7] ، وانزلوا أصحاب المشئمة في أسفل سافلين ، وتم إعلاء كلمة الحق والدين الإسلامي العظيم ، فكانت هذه النار لظى نزاعة للشوى على الكافرين ، كما جاء في القرآن المجيد : { نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ . الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ . إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ . فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ } [8] .على العموم ، كانت النار التي أشعلها المسلمون في حطين فلسطين ، نارا ذات وقود ، الصليبيون عليها قعود جزاء بما غدروا وافسدوا في الأيام الخالية ، ومنعوا المسلمين في المسجد الأقصى المبارك وقبة الصخرة من العبادة والسجود لله الواحد الأحد المعبود . فكان ، { لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ } [9] . وعلى الجانب الآخر ، كانت النار بردا وسلاما على المسلمين إذ أن حركة الريح وجهتها باتجاه الظالمين الفرنجة ، فكما قال الرسول الكريم إمام وخاتم الأنبياء والمرسلين ، في الحديث النبوي الشريف : ” عينان لا تمسهما النار : عين بكت من خشية الله ، وعين باتت تحرس في سبيل الله “[10]. وقد حارب المسلمون محاربة الأبطال ، المجاهدين في سبيل الله وقاتلوا أولياء الطاغوت الإفرنجي الغربي ، مستندين إلى نصر الله لهم : { إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ . ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } [11] . وكانت نفسيات الصليبيين مشتتة ، والخلافات مستعرة لأنهم خاضوا هذه المعركة مع المسلمين ، فهم لا يواجهون المسلمين وجها لوجه ، فحاولوا الهرب والإدبار، كما قال الله العزيز الجبار : { لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ } [12] .وبعد اخذ ورد ، فر وكر ، وهجوم وتراجع ، أنهكت قوى الصليبيين المحتلين ، فتراجعوا القهقرى ، ولات حين مناص ، ساروا على طريق الهرب من ساحة الوغى فكان هذا اليوم مثل : { يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ . وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ . وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ . لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ } [13] . فحاولوا نصب خيامهم في مناطق بعيدة عن ساحة الوغى ، فلم يستطيعوا حيث كان لهم المسلمون المجاهدون في سبيل الله بالمرصاد ، وقالوا لهم ، فأين تذهبون ؟ ونصبت الخيمة الحمراء لملك الفرنجة غاي ، فسيطر عليها المسلمون والقوها أرضا ، واستولوا على خشبة الصليب المقدس ، وانهارت معنويات الصليبيين في لحظة حسم المعركة الأخير ، فجثوا على الأرض مغشيا عليهم من التعب والإنهاك وشدة الظمأ ، فكان ظمأ للماء وظمأ للاستسلام ، والمسلمون يتابعونهم .. إنها الحرب الضروس .. إما قاتل أو مقتول .. استسلم قادة الصليبيين وفر بعضهم ..استسلم الملك غاي ورفيقه رينالد ( أرناط ) ومقدم الداوية ( فرسان الهيكل ) وصاحب جبيل ، وهمفري صاحب تبنين وغيرهم [14] . وكما قال الله تعالى : { وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا } . ووضعت الحرب أوزارها : آه ، آه ، لقد سقطت مملكة الفرنجة وجردت من سطوتها وظلمها .. وهم على قرني طبرية الأجردين ، بعد انهيار الخيمة الحمراء الملكية . وأورث الله النصر المبين ، في حطين فلسطين ، لعباده الأتقياء الصالحين بعد أن كان يحتلها الفرنجة المحتلين ، فاستبدلهم الله بالقوم المؤمنين ، قال الله سبحانه وتعالى : { كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آَخَرِينَ . فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ } [15] .
وبعد المعركة ، معركة حطين ، التي فُرق فيها كل أمر عسكري وسياسي حكيم ، جلس المجاهدون المسلمون للراحة والتقاط الأنفاس ودفن جثامين الشهداء الطاهرين في الألحاد المنبعثة منها رائحة طيبة هي رائحة المسك ، وموارة جثث القتلى من الصليبيين في الحفر التي استحالت إلى واقع جديد كأنها خشب مسندة ، لتحاشي العفن والتعفن وانبعاث الرائحة الكريهة ، قعدوا في تلك البقعة من الأرض الإسلامية . وتناولوا الطعام والشراب ، وقرأ عليهم قائدهم نص الآية القرآنية : { قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ . كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ } [16] . فجزاهم الله بما صبروا نصرا وظهورا . وكانت فاكهة الصيف وظلت الخيم والجلوس تحت الشجر المثمر : { وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا } [17] .وجلس صلاح الدين الأيوبي ، فارس وقائد المعركة التي زلزل فيها عرش المملكة اللاتينية الإفرنجية في بيت المقدس الإسلامية ، جلس في خيمته ، وأعطى القائد الصليبي غي دي لوزنيان إناء فيه ماء باردا مثلجا ممزوجا بالكافور وأسقاه بيده ، وهي كناية عن عدم الرغبة في قتله ، وبعد أن شرب لوزنيان .. خطف ارناط قربة الماء من أخيه الملك الأسير غي دي لوزنيان ليشرب فشرب وظن أنه ” كأسا دهاقا ” فتحولت عليه غما ومقتلا لم يحسب لهما حساب { إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا . لِلطَّاغِينَ مَآَبًا . لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا . لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا . إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا . جَزَاءً وِفَاقًا . إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا . وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كِذَّابًا . وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا . فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا } [18] . وعند ذلك قال له الناصر المنتصر صلاح الدين إني لم أسقك الماء بل أنت الذي شربت بنفسك ، وأخذ يحاسبه ويلومه ويؤنبه على أفعاله القبيحة واستيلائه على قافلة المسلمين واعتراض طريقهم كقاطع طريق للحيلولة دون أداء المسلمين فريضة الحج في مكة المكرمة وملاحقة بعض قوافل المسلمين على سواحل البحر الأحمر والنوبة وتهديده بنبش قبر النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، وعمل بقوله تعالى : { سَأُصْلِيهِ سَقَرَ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ . لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ . لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ . عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ } [19] ، ثم قتله بضربة سيف بيده موفيا بنذره الذي قطعه على نفسه ولسان حال صلاح الدين يقول لأرناط وزبانيته ، { ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ . إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ } [20] . فكان أن أوفى بعهده الذي قطعه على نفسه : { ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ } [21] . وأمر صلاح الدين كذلك بضرب أعناق فرسان الداوية والاسبتارية الذي سفكوا دماء المسلمين غير مرة بغير حق أو جريرة ارتكبوها ، فكانوا ، { كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ } [22] . وكما قال الله عز من قائل : { فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ . وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ . إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ } [23] . أما القادة الفرنجة الباقين فطمأنهم صلاح الدين ونقلهم أسرى حرب إلى مدينة دمشق وسط حراسة مشددة . وانطبقت عليهم الآية القرآنية الكريمة : { فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ } [24] . وقال لهم صلاح الدين إننا نعامل الأسرى بالحسنى فوصفنا الله ذو الجلال والإكرام : { وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا . إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا. إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا } [25] . ومكثوا في الأسر عدة شهور ويقال إن الملك غي لوزنيان سجن في مدينة نابلس ، ثم أخذ صلاح الدين الأيوبي العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين فخلى سبيلهم وأطلق سراحهم ، وقال لهم : { وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا } [26] . وأكد عليهم بقوله : { لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ } [27] . وفي أعقاب هذين اليومين الفاصلين ، اقصد يومي جمعة وسبت حطين فلسطين ، عادت معظم المدن والبلدات والقرى الفلسطينية إلى عرين الإسلام بعد نحو تسعين عاما من الظلم والاضطهاد والظلام ، ففرح المسلمون بنصر الله العزيز الحميد ، واستمروا يقاومون الاحتلال والمحتلين كلما سنحت لهم الفرصة ، وأمام أعين ناظرهم طريقين : النصر أو الشهادة .. وكلاهما نصر .. ولكن بطعم ومذاق مختلفين ، فالنصر دنيوي والشهادة جليلة عظيمة عند رب العالمين في الحياة الأخرى الباقية ، فالشهداء أحياء عند ربهم يرزقون ، كما قال الله سبحانه وتعالى في القرآن المجيد : { وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ . فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } [28] . وقال تعالى في سورة الدخان يصف المتقين والشهداء : { إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ . فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ . كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ . يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آَمِنِينَ . لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ . فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ . فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ . فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ } [29] .
يوم الجلاء المبيندم الشهداء في سبيل الله في يومي حطين ، الجمعة والسبت ، ما زالت لم تجف بعد .. انهارت قلاع الفرنجة وسطوتهم في طبرية ، وعاصمتهم بيت المقدس ( التي أطلقوا عليها أورشليم ) والجليل العربي كله ، وعكا الحصينة المحصنة ، والعفولة ، ونابلس ، العصية … معليا ، شقيف ، ارنون ، بيروت ، جبيل ، غزة ، يافا ، الرملة ، الداروم ، بيت لحم ، بيت جبرين ، الخليل ، النطرون … وسواها [30] . فكان نصرا مؤزرا لصاحب الجَمعة في يوم الجُمعة ، لصلاح الدين الأيوبي وجيشه المظفر بإسناد من المتطوعين المجاهدين في كل بقعة من بقاع فلسطين العربية الأبية .. انتصر الإسلام .. وهزم كيد الشر والشيطان هزيمة نكراء تحدثت وما زالت وستبقى تتحدث عنها هذه الأجيال والأجيال اللاحقة ، إن كيد الشيطان كان ضعيفا .
ملاحظة هامة : يرجى قراءة الجزء الرابع من ( معركة حطين .. بين المسلمين والصليبيين ) ( 4 – 4 ) .
( 1 ) القرآن الكريم ، سورة الزلزلة ، الآيات 1- 3 .
( 2) القرآن الكريم ، سورة المدثر ، الآيات 8 – 10 .
( 3 ) القرآن الكريم ، سورة الأعراف ، الآية 160 .
( 4 ) القرآن الكريم ، سورة الأعراف ، الآية 50 .
( 5 ) القرآن الكريم ، سورة الدخان ، الآيات 45 – 46 .
( 6 ) القرآن الكريم ، سورة الغاشية ، الآيات 2 – 4 .
( 7 ) القرآن الكريم ، سورة البروج ، الآيات 12 – 16 .
( 8 ) القرآن الكريم ، سورة الهمزة ، الآيات 6 – 9 .
( 9 ) القرآن الكريم ، سورة الأعراف ، الآية 41 .
( 10 ) رواه الترمذي .
( 11 ) القرآن الكريم ، سورة الأنفال ، الآيات 12 – 13 .
( 12 ) القرآن الكريم ، سورة الحشر ، الآية 14 .
( 13 ) القرآن الكريم ، سورة عبس ، الآيات 34 – 37 .
( 14 ) ابن شداد ، النوادر السلطانية ، ص 63 .
( 15 ) القرآن الكريم ، سورة الدخان ، الآيات 27 – 28 .
( 16 ) القرآن الكريم ، سورة الحاقة ، الآيات 23 – 24 .
( 17 ) القرآن الكريم ، سورة الإنسان ، الآية 14 .
( 18 ) القرآن الكريم ، سورة النبأ ، الآيات 21 – 30 .
( 19 ) القرآن الكريم ، سورة المدثر ، الآيات 26 – 30 .
( 20 ) القرآن الكريم ، سورة الدخان ، الآيات 49 – 50 .
( 21 ) القرآن الكريم ، سورة عبس ، الآية 21 .
( 22 ) القرآن الكريم ، سورة الأنفال ، الآية 6 .
( 23 ) القرآن الكريم ، سورة الواقعة ، الآيات 93 – 95 .
( 24 ) القرآن الكريم ، سورة الأحزاب ، الآية 19 .
( 25 ) القرآن الكريم ، سورة الإنسان ، الآيات 8 – 10 .
( 26 ) القرآن الكريم ، سورة الأعراف ، الآية 56 .
( 27 ) القرآن الكريم ، سورة الأعراف ، الآية 79 .
( 28 ) القرآن الكريم ، سورة آل عمران ، الآيات 169 – 170 .
( 29 ) القرآن الكريم ، سورة الدخان ، الآيات 51 – 59 .
( 30 ) شاكر مصطفى ، ” الذين دخلوا ا القدس وصلوا في المسجد الأقصى ” ، مجلة العربي ، الكويت ، العدد 232 ، ربيع الأول 1398 هـ ، آذار 1978 ، ص 32 .
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s