هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ ..
المضافة في الريف الفلسطيني ..
من التراث الفلسطيني
د.كمال إبراهيم علاونه
فلسطين العربية المسلمة
يقول الله العزيز الحكيم جل جلاله : { هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (24) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (25) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (26) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (27) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (28) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (29) قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (30) قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (31) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (32) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (33) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (34) فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (36) وَتَرَكْنَا فِيهَا آَيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (37)}( القرآن المجيد ، الذاريات ) . جاء موطأ مالك – (ج 5 / ص 433) كَانَ إِبْرَاهِيمُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّلَ النَّاسِ ضَيَّفَ الضَّيْفَ وَأَوَّلَ النَّاسِ اخْتَتَنَ وَأَوَّلَ النَّاسِ قَصَّ الشَّارِبَ وَأَوَّلَ النَّاسِ رَأَى الشَّيْبَ فَقَالَ يَا رَبِّ مَا هَذَا فَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَقَارٌ يَا إِبْرَاهِيمُ فَقَالَ يَا رَبِّ زِدْنِي وَقَارًا ” . وجاء في صحيح البخاري – (ج 18 / ص 437) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ ” . وورد بصحيح البخاري – (ج 20 / ص 117) عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ قَالَ : سَمِعَ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ الضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ جَائِزَتُهُ قِيلَ مَا جَائِزَتُهُ قَالَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَسْكُتْ ” . كما ورد في صحيح البخاري – (ج 19 / ص 102) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ” مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَمَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَثْوِيَ عِنْدَهُ حَتَّى يُحْرِجَهُ ” . المضافة هي المكان الذي كان يستخدم لتكريم الضيوف في القرية الفلسطينية عندما يأتي أحد الضيوف أو الأصدقاء لزيارة صديقه لفترة قد تقصر أو تطول ، إلا أن مدة الضيافة المتعارف عليها حسب ما يقول الكبار في السن هي ثلاثة أيام وثلث اليوم يقوم خلالها الشخص المستضاف بتأمين الراحة والهدوء والاستقرار لضيفه وتقديم أنواع مختلفة من المأكولات والمشروبات ن وما لذ وطاب من الفاكهة . وقد راعى أهل القرية الفلسطينية ضرورة أن تكون المضافة في منتصف البلد كي يتمكن الجميع من الحضور والترحيب بالضيف الكريم القادم من إحدى المدن أو القرى المجاورة أو النائية منها لغرض معين ، قد يخص أحد الأفراد في تلك القرية أو إحدى الحمائل أو عموم المواطنين في البلدة .
نقره على هذا الشريط لعرض الصورة بالمقاس الحقيقيمزارعون فلسطينيون يجلسون في المضافة – فوق فراش ارضي بلا كراسي وبالقرب منهم كانون النار في فصل الشتاء وقد استخدمت المضافة في الريف الفلسطيني لتحقيق عدة أهداف وغايات من أهمها : أولا : إيجاد مكان مناسب لأهالي القرية يتجمعون فيه أثناء وقت الراحة والاسترخاء في ساعات النهار ، ولتدارس الأمور العامة التي تهم المجموع ، كالمشاكل التي تحدث بين بعض الأشخاص أو إحدى العائلات داخل القرية أو كل المشاكل التي كانت تحدث بين بعض أبناء القرية وإحدى القرى المجاورة في ساعات الليل . ثانيا : استخدام المضافة كمقر في العديد من المناسبات كالأفراح والأتراح . فعندما كان أحد الشباب يعقد قرانه على إحدى الفتيات ويريد أن يقيم احتفالا بمناسبة الزواج فإنه كل يتوجب عليه التوجه إلى هذا المكان ( المضافة ) لإحياء حفلة الزواج وما يتخللها من سهرات وسمر وزفة وتقديم المأكولات الشعبية . وكذلك استخدمت المضافة للتعزية ( بيت الأجر ) . ففي حالة وفاة أحد أفراد القرية يفتتح أهل المتوفى بيت الأجر أو العزاء لمدة أسبوع أو لثلاثة أيام لاستقبال المعزين في القرية والمناطق المجاورة . وقد عرفت المضافة في الريف الفلسطيني منذ غابر الأزمان وكانت بمثابة مقر دائم لأهالي القرية وللضيوف القادمين من خارجها ، فكان القرويون يبدأون بالتوافد على المضافة أو مركز التجمع بعد انتهائهم من العمل حيث يتجمعون ويتسامرون ويتبادلون الأحاديث الخاصة والعامة بشتى المواضيع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية محتسين الشاي أو القهوة ونظرا لعدم وصول التيار الكهربائي فقد كانت البيوت وكذلك المضافات تضاء بالقناديل التي تستخدم الزيت . وفي وقت لاحق أخذ الأهالي باستخدام الكاز في أعقاب اكتشاف البترول . ويقول الكبار في السن إن المضافة وجدت لعدة أسباب أهمها : أولا : إن عدد سكان القرية كان ضئيلا لا يتجاوز 500 نسمة ، ومعظمهم ينحدرون من أصل أو حمولة واحدة ، وكان معظم إن لم يكن جميع المواطنين يعملون في الزراعة . فكان لا بد من وجود مكان يتجمعون فيه لمناقشة الأمور الخاصة بالزراعة كوقت الحراثة والزراعة والحصاد وقطف الثمار . أما في حالة كون أن عدد سكان القرية كبيرا فإن ك لحمولة تلجأ إلى إقامة مضافة خاصة بها . ثانيا: إن المواطنين في الريف الفلسطيني كانوا في الزمن السابق يعمدون إلى بناء بيوتهم من الحجر اللبن والطين ، وهذا البيت يتكون من طابقين يستخدم الطابق السفلي منه لإيواء المواشي كالأغنام والأبقار والدواجن . ويستخدم الطابق العلوم للنوم والأكل والشرب . أي أن البيت الذي يسكنه عدة أفراد ربما يتجاوز عددهم العشرة أشخاص . وإزاء هذا الوضع فإنه لا يوجد مجال لتكريم الضيوف وخاصة إذا كانوا أكثر من اثنين الذين ليسوا من الأقارب في هذا البيت . فتستخدم المضافة لتكريم الضيوف وتوفير أسباب الراحة والطمأنينة لهم . وقد حفرت الآبار لجمع مياه الشرب بالقرب من المضافات أو ساحاتها وغرست ساحة المضافة بالأشجار كشجرة التوت والعنب لتلطيف الجو في فصل الصيف . وساعدت المضافات التي انتشرت في ك لقرية من قرى الريف الفلسطيني على تقوية العلاقات الاجتماعية وتعميق أواصر القربى وزادت من التعاون والتكافل الاجتماعي بين المواطنين . واتخذت ك لحمولة من الحمائل الموجودة في القرية عميدا ينطق باسمها ومن ثم اختار عمداء الحمائل عميدا أو مختارا للقرية وغالبا ما يكون من الحمولة ذات النفوذ الاقتصادي والاجتماعي في القرية . أما في الوقت الحاضر ونتيجة لتغيير الأوضاع والظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الأرض الفلسطينية المحتلة بشكل عام وفي القرية بشكل خاصة ، تقلصت هذه المضافات وقل عددها بحيث لم يعد لها وجود في معظم القرى الفلسطينية حيث استبدلت بالدواوين العائلية أو المقاهي العامة أو الخاصة لكل حمولة على حدة . إلا أنه وبشكل لا يقبل الجدل فإن المضافات في الريف الفلسطيني تبقى من التراث الفلسطيني الأصيل الذي بقي جزء منه على حاله وتطور الجزء الآخر إلى الدواوين وكذلك أخذت الدكاكين أو البقالات تأخذ جزءا من دور المضافات حيث يتجمع المواطنون في البقالات أو بالقرب منها يتحادثون بمختلف المواضيع الخاصة والعامة . ملاحظة : نشرت هذه المادة الإعلامية في صحيفة ( الفجر ) المقدسية ، العدد 4567 ، 12 / 11 / 1987 ، مع كاريكاتير ملازم لها .
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s