رسالة مفتوحة لأصحاب العمل في العالم .. وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُم

رسالة مفتوحة لأصحاب العمل في العالم ..

وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ

إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمْ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ
فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ
وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ

الإخوة أصحاب العمل في العالم رعاهم الله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، أما بعد ،،،

الموضوع : إنصاف العاملين والموظفين في العمل

د. كمال إبراهيم علاونه
أستاذ العلوم السياسية
الرئيس التنفيذي لشبكة الإسراء والمعراج ( إسراج )
نابلس – فلسطين العربية المسلمة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

يقول الله العزيز الحكيم جل جلاله : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30) إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (31) وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (32)}( القرآن المجيد – النساء ) . وجاء في صحيح البخاري – (ج 1 / ص 52) عَنْ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ فَقَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” يَا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمْ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ ” .

استهلال

ينتشر العمال والموظفون في القطاعات الحكومية والأهلية والتعاونية والخاصة ، لتأدية خدمات إنتاجية أو استهلاكية لأصحاب العمل أو المشغلين سواء أكانوا مسؤولين في الشركات الحكومية العامة بالوظيفة العمومية أو الأهلية أو التعاونية أو بالقطاع الخاص ، وبالتالي فإن هناك مصلحة مشتركة بين الطرفين : العمال والموظفين من جهة ، وأصحاب العمل من جهة ثانية ، تتمثل بتقديم الخدمات والإنتاج من أبناء الحركة العمالية في شتى بقاع العالم ، للحصول على أجر مادي يومي أو معاش شهري ليتمكنوا من توفير قوتهم وأقوات عيالهم ، في منفعة عمل متبادلة بين الجانبين ، لتسير شؤون الحياة الاجتماعية والاقتصادية الرتيبة ، ويأخذ كل ذي حق حقه .
وتتعدد القطاعات الاقتصادية العامة لتشمل : الزراعة والصناعة والتجارة والسياحة والخدمات ، وتترابط هذه الأجنحة الاقتصادية مع بعضها البعض في حركة دائبة ومستمرة لتكمل بعضها البعض في القطر أو القارة أو العالم .
وغني عن القول ، إن هناك العديد من الإيديولوجيات العامة في العالم التي تتركز في ثلاث هي : الرأسمالية والشيوعية ( الإشتراكية ) والإسلامية .
وقد استغلت الرأسمالية أبناء الحركة العمالية استغلالا همجيا ووحشيا وسخرت الإنسان لماديتها ، فأطلقت الحرية الفردية إلى عنانها ، ودفع العمال والموظفون الثمن باهظا بسبب العنجهية الاستغلالية الظالمة ، فجل هم الاقتصاد الرأسمالي هو تحقيق الربح ، بغض النظر عن كيفية تحصيل الأموال والربح ، وتعاملت مع الإنسان كآلة في المصانع والمنشآت الاقتصادية الكبرى والوسطى والصغرى ، الهدف منها هو تقديم الإنتاج وبالتالي تحقيق الأرباح ؟ وبهذا فقد نشبت الثورة ضد الظلم الاجتماعي والاستغلال الاقتصادي في الولايات المتحدة زعيمة النظام الرأسمالي العالمي ، وتم تحديد يوم الأول من أيار – مايو سنويا كيوم أو عيد للعمال العالمي للدعوة لإنصاف الحركة العمالية والحد من قمع وجشع أصحاب العمل الرأسماليين التي لا تهمهم سوى مصالحهم الآنية الضيقة .
ومن جهتها ، قمعت الشيوعية حقوق العمال وأجبرتهم على تقديم الانتاج لخدمة المجموع دونما إكتراث لمنافع ومصالح وحقوق الفرد الخاصة ، المتمثلة في الملكية والاقتناء الشخصي ، وجعلت الإنسان يعمل ويكد لتحصيل قوته وقوت عياله فقط دونما أية توفيرات كانت ، وبالتالي فإنها أذابت الفرد في المجموع في سابقة نادرة ، مما أرهق العمال ارهاقا كبيرا . وجعلهم يكدحون كدحا كدحا بلا حقوق فعلية حقيقية ، ورغم أن الشيوعية وربيبتها الاشتراكية مجدت ( الطبقة العاملة – الشغيلة ) نظريا إلا أنها ساهمت في القضاء على آمالها وتطلعاتها ، وحكم بعض المتنفذين النظام الشيوعي بالحديد والنار ، متذرعين بخدمة الطبقة العاملة وهم منها براء ، بل سخروها للإعتلاء على أكتافها لسدة الحكم ، وتجبروا وأمعنوا في هضم الحقوق العمالية وتسببوا في حالة التشرد والحرمان الفردي والأسرى دون وجه حق .
وفي المقابل ، فإن النظام الإسلامي ، بالرسالة الإسلامية الخالدة ، عبر التاريخ البشري ، نظم العلاقة بين العمال وأصحاب العمل ، فلكل جهة حقوقها وإلتزاماتها وواجباتها ، وجعل الإسلام من حق الذكور والإناث العمل واكتساب الرزق ، والاستعانة بالدعاء لرب العالمين ، بعد الأخذ بالأسباب لتحصيل الرزق . وحض الإسلام على محاربة البطالة ، والبحث عن العمل ، يقول الله العظيم الحليم عز وجل : { هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15)}( القرآن المجيد – الملك ) .
وقد سبق الإسلام العظيم الرأسمالية والشيوعية في تنظيم العلاقات العمالية في خطوط عريضة بينها الدستور الإسلامي ( القرآن المجيد ) والسنة النبوية الشريفة بالتقوى ورد المظالم إلى أصحابها ، والإيثار ، وعدم أكل حقوق الغير أو الاستخدام بالسخرة ، دون وجه حق قانوني أو اجتماعي أو اقتصادي أو إنساني وغيره . وقد أكد الإسلام العظيم أن الأرزاق بيد الله الرزاق ذو القوة المتين ، كما يقول الله ذو الجلال والإكرام جل شأنه : { وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55) وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58) فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (59) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (60)}( القرآن الحكيم – الذاريات ) .

واجبات العمال في الإسلام

هناك العديد من الواجبات القانونية والحقوقية الملقاة على عاتق أبناء الحركة العمالية في العالم ، التي ينبغي تنفيذها والقيام بها على الوجه الأكمل والأمثل والأفضل ، وهي في الآن ذاته ، تقع في صلب أولويات أصحاب العمل التي يتوجب توفرها من العمال تجاه مصلحة العمل ، ومن أهمها الآتي :
أولا : تنفيذ العمل وفق ما يخطط له أصحاب العمل ، مع مراعاة اجتناب الأمور المحرمة والمحظورة إسلاميا .
ثانيا : إتقان العمل لزيادة الإنتاج وفق نسق إنتاجي متين ، وعدم اللجوء للغش وبالتالي زيادة الرخاء والنماء والإزدهار الاقتصادي للمواطن والبلد .
ثالثا : الإلتزام بمواعيد العمل المتعارف عليها في المصانع والمنشآت والشركات والمؤسسات .
رابعا : عدم نقل أسرار العمل لمؤسسات ومنشآت أخرى منافسة بأي حال من الأحوال .
خامسا : الإخلاص في العمل للمصلحة العامة ، وعدم الاستهتار بممتلكات أصحاب العمل ، وعدم تخريبها أو إتلافها بصورة عمدية .
سادسا : إحترام وتقدير أصحاب العمل وعدم مناكفتهم والإعتداء عليهم .
سابعا : التعاون الثنائي مع أصحاب العمل وتقدير ظروف المنشآت والشركات والمؤسسات .
ثامنا : الابتعاد عن التقاعس والإهمال والكسل وتقديم خدمة العمل دونما إبطاء أو تسويف أو مماطلة .

واجبات أصحاب العمل في الإسلام

يقول الله العلي العظيم جل شانه : { قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (85) وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (86)}( القرآن الحكيم – الأعراف ) .
نظر الإسلام العظيم للعلاقات العمالية بمنظار اجتماعي واقتصادي ذو صبغة إنسانية مترابطة ترابطا وثيقا لتحسين وتطوير الاقتصاد وتنمية العلاقات بين طرفي الإنتاج الرئيسيين : أصحاب العمل الذين يوفرون أماكن العمل وارض العمل وآلات وأجهزة العمل ، والعمال الذين يقومون بالعمل لإنتاج سلع أو خدمات معينة . فقد ورد في صحيح مسلم – (ج 13 / ص 212) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ ” .
من خلال التمعن في الحديث النبوي الشريف الجامع ، نرى أن تنفيس الكروب أو الهموم أو الغموم الدنيوية على المحتاجين ، والتيسير على المعسرين هي مدعاة لتنفيس الكروب يوم القيامة ، وكذلك فإن ستر المسلمين ، بشتى الطرق في الدنيا ، هي مدعاة للستر في الدنيا والآخرة بأجر رباني مضاعف للذين يغيثون المعسرين ، فالله يكون دائما في عون عباده المؤمنين طالما تعاونوا فيما بينهم وكذلك فإن تدارس القرآن العظيم ينتج عنه نزول السكينة والرحمة والذكر الإلهي الجليل لفاعلي الحسنات الطيبات ، وكذلك إن من يبطئ به عمله الإسلامي الدنيوي والأخروي لم يبادر الناس لمصاهرته أو طلب نسبه ، لأن كل إنسان يرغب في مصاهرة وتزويج الناجحين في حياتهم بكافة السبل والصعد .
على العموم ، لقد طلب وسن الإسلام العديد من الواجبات الملقاة على عاتق أصحاب العمل أو القائمين عليه ، وهي في الآن ذاته ، تمثل الحقوق لأبناء الحركة العمالية التي يتوجب تحقيقها للعمال من أصحاب العمل دون لف أو دوران أو مواربة ، وعدم تهرب أصحاب العمل من تقديمها لقاء الجهد والخدمة التي قدمها العمال للمصلحة والمنفعة التي يستفيد منها أصحاب العمل . ومن أهم واجبات أصحاب العمل الآتي :
أولا : إحترام وتقدير العمال والموظفين وعدم الاستهزاء أو الاستهتار بهم وبجهودهم ، ومعاملتهم المعاملة الإنسانية اللائقة . وتدريبهم وتعليمهم على كيفية أداء العمل المتقن . فالمنفعة والمصلحة متبادلة بين الجانبين ، طرف يؤدي الخدمة وطرف يستفيد منها في مقابل مادي أو عيني أو كليهما .
ثانيا : دفع الأجور اليومية والشهرية المناسبة للعمال ، وعدم بخسهم حقوقهم في قيمة الأجور ، وزيادتها حسب طبيعة العمل وساعاته ونوباته النهارية والليلية . ولا بد من التنويه في هذا المجال إلى أن أجرة العمل بالنوبة الليلية تكون أعلى من العمل بالنوبة المسائية أو النهارية .
لأن الليل خصصه الله للنوم ، وذلك كما جاء بقول الله تعالى : { أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (8) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (9) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11) }( القرآن المجيد – النبأ ) . وبناء عليه ، فإن أجرة ساعات العمل الإضافية تزيد عن أجرة العمل بالساعات النهارية العادية بتقوى الله ، وفق ما يتفق عليه العمال وأصحاب العمل دونما انتقاص لحقوق العمال .
ثالثا : الإلتزام بدفع الأجور أو الرواتب أو المعاشات الشهرية أولا بأول وبصورة منتظمة ، وعدم تأجيل الدفع ، طالما توفرت الأموال ، فالعمال لهم حقوقهم في الدفع العادي وعدم التأخير والتسويف والمماطلة ، مما يولد الضغائن والأحقاد والحسد بين العمال تجاه مرؤوسيهم .
رابعا : عدم التفريق أو التمييز بين العمال في الأجور على أساس الجنس أو العمر ، وتكون عملية المفاضلة في قيمة الأجور قائمة على الخبرة العملية والدراية والمؤهلات العلمية وعدد ساعات العمل وطبيعته .
خامسا : توفير ودفع المكافآت والحوافز المادية والمعنوية للعاملين بانتظام ، لتشجيع الإنتاج والخدمات . والعمل على زيادة أجور العمال تبعا لهبوط وتضخم العملات المحلية المتعامل بها في البلاد .
سادسا : تقدير ظروف العمال والموظفين الاجتماعية ، بمشاركتهم في الأفراح والأتراح ، ومساعدتهم عند المرض أو التعرض لنكبة طارئة معينة ، مما يضفي نوعا من الجو الأسري المتعاون بين طرفي الإنتاج .
سابعا : توفير المواد الخام للتصنيع وتجنب فصل أو إنهاء عمل العمال والموظفين تعسفيا تبعا للمزاجية المتقلبة .
ثامنا : تعويض العمال والموظفين المفصولين تعويضا ماليا مناسبا وعدم التنكر لحقوق العمال والموظفين . وذلك برصد أموال مخصصة لهذه الأمور .
ومن نافلة القول ، إن وجود الطرف الثالث للإنتاج : وهي الحكومة أو السلطة التي تنظم العلاقات القانونية بين طرفي الإنتاج الآخرين : العمال وأصحاب العمل ، ضروري جدا لكي لا يطغى أصحاب العمل على العمال دون وجه حق ، لأنهم الأقوى ماديا ومعنويا ، وبالتالي فإنه علاقة الأطراف الثلاثة يجب أن تكون متوازنة ، قائمة على التقيد والإلتزام بالقوانين العادلة التي تقوم على العدالة الاجتماعية والاقتصادية .

نموذج صاحب العمل الصالح التقي الخفي الفريد من نوعه

جاء في صحيح البخاري – (ج 8 / ص 40) أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ انْطَلَقَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَتَّى أَوَوْا الْمَبِيتَ إِلَى غَارٍ فَدَخَلُوهُ فَانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنْ الْجَبَلِ فَسَدَّتْ عَلَيْهِمْ الْغَارَ فَقَالُوا إِنَّهُ لَا يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلَّا أَنْ تَدْعُوا اللَّهَ بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ اللَّهُمَّ كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ وَكُنْتُ لَا أَغْبِقُ قَبْلَهُمَا أَهْلًا وَلَا مَالًا فَنَأَى بِي فِي طَلَبِ شَيْءٍ يَوْمًا فَلَمْ أُرِحْ عَلَيْهِمَا حَتَّى نَامَا فَحَلَبْتُ لَهُمَا غَبُوقَهُمَا فَوَجَدْتُهُمَا نَائِمَيْنِ وَكَرِهْتُ أَنْ أَغْبِقَ قَبْلَهُمَا أَهْلًا أَوْ مَالًا فَلَبِثْتُ وَالْقَدَحُ عَلَى يَدَيَّ أَنْتَظِرُ اسْتِيقَاظَهُمَا حَتَّى بَرَقَ الْفَجْرُ فَاسْتَيْقَظَا فَشَرِبَا غَبُوقَهُمَا اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ فَانْفَرَجَتْ شَيْئًا لَا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ الْآخَرُ اللَّهُمَّ كَانَتْ لِي بِنْتُ عَمٍّ كَانَتْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيَّ فَأَرَدْتُهَا عَنْ نَفْسِهَا فَامْتَنَعَتْ مِنِّي حَتَّى أَلَمَّتْ بِهَا سَنَةٌ مِنْ السِّنِينَ فَجَاءَتْنِي فَأَعْطَيْتُهَا عِشْرِينَ وَمِائَةَ دِينَارٍ عَلَى أَنْ تُخَلِّيَ بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِهَا فَفَعَلَتْ حَتَّى إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهَا قَالَتْ لَا أُحِلُّ لَكَ أَنْ تَفُضَّ الْخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ فَتَحَرَّجْتُ مِنْ الْوُقُوعِ عَلَيْهَا فَانْصَرَفْتُ عَنْهَا وَهِيَ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ وَتَرَكْتُ الذَّهَبَ الَّذِي أَعْطَيْتُهَا اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ فَانْفَرَجَتْ الصَّخْرَةُ غَيْرَ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ مِنْهَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ الثَّالِثُ : اللَّهُمَّ إِنِّي اسْتَأْجَرْتُ أُجَرَاءَ فَأَعْطَيْتُهُمْ أَجْرَهُمْ غَيْرَ رَجُلٍ وَاحِدٍ تَرَكَ الَّذِي لَهُ وَذَهَبَ فَثَمَّرْتُ أَجْرَهُ حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الْأَمْوَالُ فَجَاءَنِي بَعْدَ حِينٍ فَقَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ أَدِّ إِلَيَّ أَجْرِي فَقُلْتُ لَهُ كُلُّ مَا تَرَى مِنْ أَجْرِكَ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالرَّقِيقِ فَقَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ لَا تَسْتَهْزِئُ بِي فَقُلْتُ إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ فَأَخَذَهُ كُلَّهُ فَاسْتَاقَهُ فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهُ شَيْئًا اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ فَانْفَرَجَتْ الصَّخْرَةُ فَخَرَجُوا يَمْشُونَ ” .

الحديث القدسي .. الله خصم لثلاثة نفر يوم القيامة

جاء في صحيح البخاري – (ج 7 / ص 471) عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ” قَالَ اللَّهُ : ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ ” .
وبهذا نرى أن الله خالق الخلق أجمعين ، سيكون خصم لثلاثة أنواع من الناس ، من بينهم الرجل صاحب العمل الذي أستأجر أجيرا فاستوفى منه العمل ولم يدفع له أجرته لقاء خدمة العمل التي قدمها سابقا . وهذا تحذير وتنبيه وردع إلهي مسبق وعظيم لمن يتخلف عن دفع أجور المستخدمين دون وجه حق . ويأتي هذا التحذير الرباني لضمان استمرارية المجتمع الإنساني على الصراط المستقيم وعدم أكل أموال الناس بالباطل .

نصائح ووصايا عامة لأصحاب العمل

أقدم هذه النصائح والوصايا العمالية لأصحاب العمل ، لاستتباب الأمن والأمان والاستقرار النفسي والاجتماعي والاقتصادي ، بين طرفي الإنتاج ، العمال وأصحاب العمل ، لوجه الله الحي القيوم ، كما نطقت الآيات القرآنية المجيدة : { وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (109) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (110)}( القرآن المجيد – الشعراء ) . وجاء بآيات قرآنية عظيمة أخرى : { يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (50) يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ (51) وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (52)}( القرآن الكريم – هود ) .
فمهما يكن من أمر ، هناك العديد من النصائح والوصايا التي نقدمها لأصحاب العمل ، أو القائمين على تسيير العمل في القطاعات الإنتاجية والاستهلاكية : الحكومية والأهلية والتعاونية والخاصة في العالم أجمع ، لزيادة التنمية الاجتماعية والاقتصادية والشاملة ، ومن أهم هذه المسائل التالي :
أولا : المعاملة الإنسانية الحسنة القائمة على الأخلاق الحميدة .
ثانيا : توزيع الأدوار بين أطراف الإنتاج الثلاثة : أصحاب العمل والحكومة والعمال لضمان استمرارية الإنتاج وتحسين نوعيته ، وتنمية الاقتصاد .
ثالثا : إتباع مبادئ العدل والعدالة الاجتماعية والاقتصادية ، وعدم حرمان العمال والموظفين من حقوقهم المادية والعينية والمعنوية .
رابعا : التدريب والتعليم والإرشاد المتواصل للوصول إلى أعلى الكفايات الإنتاجية .
خامسا : الإنتاجية المتقنة ، التي تمكن أصحاب العمل من مواصلة الإنتاج بل زيادته بإتقان المنتجات في التصنيع والتسويق والتوزيع وعدم إرهاق العمال في أعمال خارجة عن إرادتهم وطاقتهم .
سادسا : اللجوء لاستعمال طرق الترفيه عن العاملين : دورات ثقافية ، رحلات جماعية دينية واجتماعية وجغرافية مدفوعة الأجر .
سابعا : حل النزاعات العمالية وفق القانون العادل المنصف وعدم اللجوء لاستعراض القوة في حل الإشكالات العمالية بأي حال من الأحوال .
ثامنا : الاتفاق على قيمة الأجر وإحتساب الإجازات والعطل الدينية والرسمية مدفوعة الأجر . جاء في مسند أحمد – (ج 23 / ص 184) أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” نَهَى عَنْ اسْتِئْجَارِ الْأَجِيرِ حَتَّى يُبَيَّنَ لَهُ أَجْرُهُ وَعَنْ النَّجْشِ وَاللَّمْسِ وَإِلْقَاءِ الْحَجَرِ ” .
تاسعا : عدم إرهاق العمال في العمل وتكليفهم ما لا يطيقون بدنيا وصحيا وعقليا . جاء في صحيح البخاري – (ج 1 / ص 52) عَنْ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ فَقَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” يَا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمْ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ ” .
عاشرا : الإلتزام بمواعيد محددة في دفع الأجور للعاملين . جاء في سنن ابن ماجه – (ج 7 / ص 294) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” أَعْطُوا الْأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ ” .
حادي عشر : توفير الاحتياجات الصحية والإسعافات الأولية المناسبة في مواقع العمل المختلفة .
ثاني عشر : تمكين العمال والموظفين من الصلاة الفردية والجماعية ، وإيجاد مصلى سعته مناسبة لعدد المصلين . وعدم خصم مواقيت الصلاة من أوقات العمل . يقول الله تبارك وتعالى : { فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (103)}( القرآن المبين – النساء ) .
ثالث عشر : الابتعاد عن التشغيل المحرم إسلاميا كالبنوك الربوية والمهاجع وأماكن اللهو ومصانع الخمور وأماكن السياحة المحظورة إسلامية والفنادق الغربية البائسة والاحتكار وغيرها : يقول الله القوي العزيز جل جلاله : { الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (277) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (279) وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (280) وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (281) }( القرآن المجيد – البقرة ) . ويقول الله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (131) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132) }( القرآن المجيد – آل عمران ) .
رابع عشر : الابتعاد عن التصنيع المحرم إسلاميا كمصانع الخمور ومزارع المخدرات والبضائع الموبقة وغيرها . يقول الله الواحد القهار جل شأنه : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (92)}( القرآن المجيد – المائدة ) .
خامس عشر : انتقاء النسيب المناسب للمصاهرة كما فعل نبي الله شعيب مع موسى عليهما السلام . فتزوج موسى ابنة شعيب لقاء العمل في رعاية مواشي شعيب ، فتتوثق العلاقات الاجتماعية والأسرية بين العمال وأصحاب العمل . كما ورد بكتاب الله العزيز : { وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24) فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (25) قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (27) قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (28) }( القرآن المجيد – القصص ) .
سادس عشر : عدم تشغيل العمال السفهاء الكفار الهائمين على وجوههم والسلبيين الذين يعيشون حياة الجاهلية الأولى ، ويقلدون الغرب الأجنبي ، البعيدين عن تقوى الله عز وجل . جاء في صحيح البخاري – (ج 20 / ص 315) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ : أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَحَدُهُمَا اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَقَالَ الْآخَرُ وَهُوَ أَفْقَهُهُمَا أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَأْذَنْ لِي أَنْ أَتَكَلَّمَ قَالَ تَكَلَّمْ قَالَ إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالْعَسِيفُ الْأَجِيرُ زَنَى بِامْرَأَتِهِ فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَجَارِيَةٍ لِي ثُمَّ إِنِّي سَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ فَأَخْبَرُونِي أَنَّ مَا عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ وَإِنَّمَا الرَّجْمُ عَلَى امْرَأَتِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ أَمَّا غَنَمُكَ وَجَارِيَتُكَ فَرَدٌّ عَلَيْكَ وَجَلَدَ ابْنَهُ مِائَةً وَغَرَّبَهُ عَامًا وَأُمِرَ أُنَيْسٌ الْأَسْلَمِيُّ أَنْ يَأْتِيَ امْرَأَةَ الْآخَرِ فَإِنْ اعْتَرَفَتْ رَجَمَهَا فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا ” .
سابع عشر : الإنفاق على أسر المجاهدين ( الغزاة والشهداء والجرحى والأسرى ) الذين يجاهدون في سبيل الله ويدافعون عن حمى البلاد والأمصار الإسلامية . جاء في صحيح البخاري – (ج 9 / ص 438) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ” مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ غَزَا وَمَنْ خَلَفَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا ” .

كلمة أخيرة .. كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ

جاء في صحيح البخاري – (ج 8 / ص 253) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ” كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا وَالْخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ قَالَ فَسَمِعْتُ هَؤُلَاءِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَحْسِبُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَالرَّجُلُ فِي مَالِ أَبِيهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ” .
وأخير ، لا شك أن الإسلام العظيم أنصف جميع أطراف العمل الثلاثة : العمال وأصحاب العمل والسلطة ، قبل أكثر من أربعة عشر قرنا من الزمن ، داعيا وساعيا للتكافل الاجتماعي والتكامل الاقتصادي ، فقد أعطى العمال حقوقهم في توفير الأكل واللباس والإقامة ، مثلما يأكل ويلبس أصحاب العمل أو القائمين عليه ، في سياسة فريدة من نوعها في العالم عبر التاريخ البشري ، ومكن الإنسان ، أي إنسان من حق توفير العمل ، والحماية من البطالة ، وحق الملكية الخاصة للمصانع والمنشآت والشركات ، والعقارات كالمباني والأراضي ، وامتلاك المركبات وأماكن الإقامة الملائمة . كما شجع الإسلام في نظامه الاقتصادي الشامل والجامع على الإنفاق المالي بالزكاة والصدقات والتبرعات التي يجزي الله عليه الثواب الجزيل يوم القيامة لتسير شؤون الناس بانتظام مالي واجتماعي بعيدا عن المنع والحرمان والبخل والإسراف في الآن ذاته . وقد رعت الرسالة الإسلامية الفئة العمالية ، الرعاية الفضلى والمثلي في العالم ، في نظام اقتصادي قل نظيره في العالم عبر التاريخ الإنساني حتى يوم القيامة ، فجعل شبة شراكة بين العمال وأصحاب العمل ، كما نبذ الحرمان وحث على التشغيل الأمثل والأكمل للقوى العاملة ، وأمر الله سبحانه وتعالى عباده بالسعي في مناكب الأرض ، والأكل من طيبات من رزق الله في أرضه الواسعة . ومن جهة أخرى ، فقد أجاز الإسلام العمل للنساء للإكتساب المادي وتوفير سبل العيش الرغيد للأسرة ، وفق معايير وضوابط أخلاقية واضحة للجميع .
وكما جاء في سنن أبي داود – (ج 7 / ص 1) عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ” ثَلَاثَةٌ كُلُّهُمْ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ رَجُلٌ خَرَجَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُ فَيُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ يَرُدَّهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ وَرَجُلٌ رَاحَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُ فَيُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ يَرُدَّهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ وَرَجُلٌ دَخَلَ بَيْتَهُ بِسَلَامٍ فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ” .

وأخيرا ، أبلغ أصحاب العمل ، في القطاعات الخاصة والأهلية والتعاونية والعامة كما جاء بكتاب الله العزيز : { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآَيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (71) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (72) فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (73)}( القرآن المجيد – يونس ) .
والله ولي التوفيق . سلام قولا من رب رحيم . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s