شَهْرُ رَمَضَانَ .. كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ .. وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ

شَهْرُ رَمَضَانَ ..
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ..
وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ .. فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ


د. كمال إبراهيم علاونه
أستاذ العلوم السياسية
الرئيس التنفيذي لشبكة الإسراء والمعراج ( إسراج )
نابلس – فلسطين العربية المسلمة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

يقول الله العزيز الحكيم جل جلاله : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185) وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186) أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187)}( القرآن المجيد – البقرة ) .
وجاء في صحيح البخاري – (ج 1 / ص 11) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ ” .

استهلال

الصيام الرمضاني هو أحد أركان الإسلام الخمسة ، وهي الشهادتان ( اشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله ) ، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان ، وحج البيت من إستطاع إلى ذلك سبيلا . وتعتبر كلية الصيام من كليات جامعة الإسلام العظيمة ، التي تعود بالفوائد العميمة على بني الإنسان صحيا ونفسيا ، وهي كلية روحية وصحية ونفسية تضبط شؤون المسلمين من النواحي الفردية والجماعية والأممية ، على جميع الصعد الإيمانية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفكرية والإعلامية وسواها .
وبهذا فإن الإسلام العظيم دين متكامل للعبادات البدنية والمادية ، تقربا إلى الله رب العالمين ، العزيز الحكيم ، خالق الخلق أجمعين ، وممارسة الحياة الاجتماعية الجماعية للمؤمنين . ويترتب على هذه العبادات القيام بأقوال وأفعال معينة لتكون هذه العبادات صحيحة ، بعيدة عن الرياء والتكبر والمبالغة ، فالإسلام دين وسطي ، نزل لخير أمة أخرجت للناس ، يحترم إنسانية وكرامة الإنسان ، وينتقل بها من عبودية الخلق لعبادة الخالق جل شأنه .
والصوم هو الإمساك والابتعاد عن تناول المأكولات والمشروبات الحلال وتناول الدواء أو ممارسة الجماع للأزواج ، في ساعات متباعدة تتمثل بساعات ما بين أذان الفجر عند ساعات السحر حتى أذان المغرب مساء . وقد تمتد هذه الساعات لتصل ما بين 12 – 16 ساعة حسب البقاع الجغرافية ، وفصول السنة الأربعة وقارات العالم الست . ويتضمن الصيام كذلك الامتناع عن الكلام البذيء والشقاق مع الآخرين ، والابتعاد عن الغضب والعصبية التي تجتث العلاقات الطيبة بين الناس .

اسم رمضان بين الأسماء العربية

لم تكتف الأمة المسلمة ، بحب شهر رمضان المبارك ، وصيامه وقيامه ، وإضفاء صفة القداسة والخير العميم والبركة الربانية عليه ، بل برز إهتمام آخر برمضان ، فمن زيادة حب بعض المسلمين لشهر البركة والخيرات ، فإنهم يطلقون على أبنائهم اسم رمضان ، تيمنا بشهر رمضان الفضيل ، كما يسمون محرم ورجب وشعبان من الشهر القمرية العربية التي يتم التعامل بها على مدار الفصول الإسلامية الأربعة .

وجبات رمضان الأساسية

يقول الله العلي العظيم جل جلاله : { وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ } ( القرآن المجيد – البقرة – الآية 187 ) . وجاء بمسند أحمد – (ج 43 / ص 316) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْإِفْطَارَ وَأَخَّرُوا السُّحُورَ ” .
إسلاميا ، هناك وجبتان رئيسيتان للصائمين المسلمين ، في شهر رمضان المبارك ، هما :
أولا : السحور . طعام السحور هو طعام مبارك ، لا بد منه ، للتقوي على صيام ساعات تمتد من وقت أذان الفجر لساعات نهارية ممتدة متصلة غير منفصلة لما بعد غروب الشمس ، حتى أذان المغرب ، ويستطيع الإنسان المسلم أن يأكل من الطعام والشراب الحلال على السحور مما يشاء مما تقبله معدته ونفسيته ، خاصة أنه يكون مستيقظا من النوم . ويجوز أن يتسحر المسلم على ماء أو فاكهة أو خضار أو ما ترغب به نفسه .
ثانيا : الإفطار ( الفطور ) . ويمكن للفرد المسلم ، ذكرا أو أنثى ، أن يتناول ما تشتهي نفسه من الأطعمة والأشربة الحلال ما بين أذان المغرب حتى قبل أذان الفجر من اليوم التالي ، ونقول للذين يتذمرون من الصيام إن بإمكانكم تغيير مواعيد وجبات الطعام ، فلتكن ثلاث وجبات أو أكثر ما بين المغرب والفجر ، بدلا لما بين الفجر والعشاء ، فقد فرض الله الأحد الصمد الصيام على المسلمين ، لمصلحتهم الدينية الإسلامية والدنيوية ، لنيل ثواب الحياتين : الدنيا والآخرة ، والحفاظ على صحة قوية متماسكة بعيدة عن سموم الأطعمة المترسبة في بدن الإنسان طيلة 11 شهرا من شهور السنة القمرية . ويمكن للمسلم ، ذكرا أو أنثى ، أن يفطر على أي من طيبات الرزق التي رزقها الله بها ، كالفواكه والخضروات واللحوم الحلال والحلويات وغيرها مما لذ وطاب من الطعام الإسلامي . وينبغي التذكر أن الصائم عند الإفطار بحاجة لكمية معينة من السكر يتحصل عليها بدن الصائم من تناول الحلويات بكميات مناسبة وعدم الإفراط أو التفريط بها . وينصح إسلاميا ، بتناول الماء أو التمر أو اللبن منفردة أو مجتمعة بثلاثتها ، قبل تناول وجبة الإفطار الدسمة لتسهيل عملية الهضم وعدم تلبك الأمعاء حسبما ورد عن الحبيب المصطفى رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم .

أولا : غذاء السحور .. أمة السحور المسلمة

جاء في صحيح البخاري – (ج 7 / ص 3) قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً ” . وورد في صحيح مسلم – (ج 5 / ص 388) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ” فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ ” .
تبدأ عملية صيام شهر رمضان المبارك ، سنويا عند أبناء الأمة المسلمة ، القادرين على الصيام ، دون أذى لأجسادهم أو نفسياتهم ، بتناول طعام السحور ، في الأول من رمضان حتى آخره ، وهو الطعام أو الغداء المبارك . وعادة لا يكثر المسلم من تناول الطعام في هذه الساعة المتأخرة من الليل ، ولا يعدد في أنواع وأشكال الأطعمة نظرا لأن جسده لا يكون مهيئا لاستقبال شتى الأطعمة والأشربة بعد استيقاظه من النوم الباكر .
وقد حث رسول الله المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم على تناول طعام السحور ، فقد جاء في مسند أحمد – (ج 35 / ص 8) عَنْ عِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى السَّحُورِ فِي رَمَضَانَ فَقَالَ : ” هَلُمَّ إِلَى هَذَا الْغِذَاءِ الْمُبَارَكِ ” . وجاء في رواية أخرى ، بسنن النسائي – (ج 7 / ص 333) عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ” عَلَيْكُمْ بِغَدَاءِ السُّحُورِ فَإِنَّهُ هُوَ الْغَدَاءُ الْمُبَارَكُ ” . وورد في مسند أحمد – (ج 22 / ص 209) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” السَّحُورُ أَكْلُهُ بَرَكَةٌ فَلَا تَدَعُوهُ وَلَوْ أَنْ يَجْرَعَ أَحَدُكُمْ جُرْعَةً مِنْ مَاءٍ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الْمُتَسَحِّرِينَ ” .

ثانيا : غذاء الإفطار ( إنتهاء الصيام اليومي )

جاء في سنن أبي داود – (ج 6 / ص 306) كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” يُفْطِرُ عَلَى رُطَبَاتٍ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُطَبَاتٌ فَعَلَى تَمَرَاتٍ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ ” .
تنتهي عملية صيام المسلم عند رفع أذان المغرب ، بالبدأ بكلمة الله أكبر ، حيث يبدأ المسلم أو المسلمة ، صغيرا أو كبيرا ، بتناول وجبة الإفطار الحلال طبعا . وحسب الوقائع الحياتية فإن وجبة الإفطار تكون متعددة الأطباق من الشوربات والخضار والفواكه واللحوم وما لذ وطاب من المأكولات الحلال التي أعدت خلال فترة الصيام أو ما بعد صلاة العصر سواء في البيوت أو المطاعم العامة أو الخاصة .

دعاء الصيام عند الإفطار

من أدعية الصيام الإسلامية الجامعة ، ما ورد على لسان المصطفى ، رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم الجامعة الشاملة في عدة أحاديث نجمعها في الآتي : ” بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، اللَّهُمَّ لَكَ صُمْتُ وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ ، ذَهَبَ الظَّمَأُ وَابْتَلَّتْ الْعُرُوقُ وَثَبَتَ الْأَجْرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى ، فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ” .

أهمية صيام الصائمين المسلمين في رمضان

جاء في مسند أحمد – (ج 16 / ص 117) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” أُعْطِيَتْ أُمَّتِي خَمْسَ خِصَالٍ فِي رَمَضَانَ لَمْ تُعْطَهَا أُمَّةٌ قَبْلَهُمْ : خُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ ، وَتَسْتَغْفِرُ لَهُمْ الْمَلَائِكَةُ حَتَّى يُفْطِرُوا ، وَيُزَيِّنُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ كُلَّ يَوْمٍ جَنَّتَهُ ثُمَّ يَقُولُ يُوشِكُ عِبَادِي الصَّالِحُونَ أَنْ يُلْقُوا عَنْهُمْ الْمَئُونَةَ وَالْأَذَى وَيَصِيرُوا إِلَيْكِ ، وَيُصَفَّدُ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ فَلَا يَخْلُصُوا إِلَى مَا كَانُوا يَخْلُصُونَ إِلَيْهِ فِي غَيْرِهِ ، وَيُغْفَرُ لَهُمْ فِي آخِرِ لَيْلَةٍ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَهِيَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ قَالَ لَا وَلَكِنَّ الْعَامِلَ إِنَّمَا يُوَفَّى أَجْرَهُ إِذَا قَضَى عَمَلَهُ ” .
للصيام الرمضاني المفروض ، بشهر رمضان الكريم ، وهو الشهر التاسع من شهور السنة القمرية الإسلامية ، وكذلك للصيام الطوعي بمختلف أيام السنة والمناسبات الإسلامية كيوم عرفة لغير الحجاج المسلمين ، ثواب جزيل ، يمنحه الله رب العالمين سبحانه وتعالى ، لعباده الصائمين ، الذين يلتزمون بصيام فريضة الصيام المباركة . وأهم أجر الصائمين ما يلي :
أولا : غفران الذنوب : يغفر الله ما تقدم للصائم من ذنبه :
فقد ورد بصحيح البخاري – (ج 1 / ص 67) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ” . وجاء أيضا في صحيح البخاري – (ج 7 / ص 140) عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ” مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ” .
ثانيا : دخول الجنة من باب الريان : فباب الريان مخصص لدخول فئة الصائمين فقط لجنات النعيم المقيم عن درب العالمين :
جاء في صحيح البخاري – (ج 6 / ص 461) عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ” إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ يُقَالُ أَيْنَ الصَّائِمُونَ فَيَقُومُونَ لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ ” .
كما ورد بصحيح البخاري – (ج 6 / ص 462) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ” مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا خَيْرٌ فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ كُلِّهَا قَالَ نَعَمْ وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ ” .
ثالثا : خلوف ( رائحة ) فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك :
جاء في الحديث القدسي بصحيح البخاري – (ج 6 / ص 474) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” قَالَ اللَّهُ كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ ” . وفي رواية أخرى ، وردت بصحيح البخاري – (ج 23 / ص 11) عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ” يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَأَكْلَهُ وَشُرْبَهُ مِنْ أَجْلِي وَالصَّوْمُ جُنَّةٌ وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ فَرْحَةٌ حِينَ يُفْطِرُ وَفَرْحَةٌ حِينَ يَلْقَى رَبَّهُ وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ ” . وجاء في سنن الترمذي – (ج 3 / ص 234) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” إِنَّ رَبَّكُمْ يَقُولُ كُلُّ حَسَنَةٍ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ وَالصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ الصَّوْمُ جُنَّةٌ مِنْ النَّارِ وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ وَإِنْ جَهِلَ عَلَى أَحَدِكُمْ جَاهِلٌ وَهُوَ صَائِمٌ فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ ” . كما ورد بمسند أحمد – (ج 29 / ص 191) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ” قَالَ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ الصِّيَامُ جُنَّةٌ يَسْتَجِيرُ بِهَا الْعَبْدُ مِنْ النَّارِ وَهُوَ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ” .
رابعا : إجابة الله رب العالمين دعوة الصائم : جاء في سنن الترمذي – (ج 9 / ص 68) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَنَا إِذَا كُنَّا عِنْدَكَ رَقَّتْ قُلُوبُنَا وَزَهِدْنَا فِي الدُّنْيَا وَكُنَّا مِنْ أَهْلِ الْآخِرَةِ فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ فَآنَسْنَا أَهَالِينَا وَشَمَمْنَا أَوْلَادَنَا أَنْكَرْنَا أَنْفُسَنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ أَنَّكُمْ تَكُونُونَ إِذَا خَرَجْتُمْ مِنْ عِنْدِي كُنْتُمْ عَلَى حَالِكُمْ ذَلِكَ لَزَارَتْكُمْ الْمَلَائِكَةُ فِي بُيُوتِكُمْ وَلَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَجَاءَ اللَّهُ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ كَيْ يُذْنِبُوا فَيَغْفِرَ لَهُمْ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِمَّ خُلِقَ الْخَلْقُ قَالَ مِنْ الْمَاءِ قُلْنَا الْجَنَّةُ مَا بِنَاؤُهَا قَالَ لَبِنَةٌ مِنْ فِضَّةٍ وَلَبِنَةٌ مِنْ ذَهَبٍ وَمِلَاطُهَا الْمِسْكُ الْأَذْفَرُ وَحَصْبَاؤُهَا اللُّؤْلُؤُ وَالْيَاقُوتُ وَتُرْبَتُهَا الزَّعْفَرَانُ مَنْ دَخَلَهَا يَنْعَمُ لَا يَبْأَسُ وَيَخْلُدُ لَا يَمُوتُ لَا تَبْلَى ثِيَابُهُمْ وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُمْ ثُمَّ قَالَ : ” ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ : الْإِمَامُ الْعَادِلُ وَالصَّائِمُ حِينَ يُفْطِرُ وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ يَرْفَعُهَا فَوْقَ الْغَمَامِ وَتُفَتَّحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَيَقُولُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ وَعِزَّتِي لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ ” .
خامسا : إبعاد الشياطين عن المسلمين : جاء في صحيح مسلم – (ج 5 / ص 337) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ” إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ وَصُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ ” .
سادسا : إبعاد وجه المسلم الصائم عن النار بكل يوم سبعين سنة . جاء في سنن الترمذي – (ج 6 / ص 166) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” لَا يَصُومُ عَبْدٌ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا بَاعَدَ ذَلِكَ الْيَوْمُ النَّارَ عَنْ وَجْهِهِ سَبْعِينَ خَرِيفًا ” .
سابعا : تزيين الجنة للصائمين . فيأمر الله الجنة أن تتزين لاستقبال المؤمنين الصائمين .
ثامنا : الصوم ضروري لصحة البدن الإنساني : جاء في المعجم الكبير للطبراني – (ج 19 / ص 497) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” اغْزُوا تَغْنَمُوا ، وَصُومُوا تَصِحُّوا ، وَسَافِرُوا تَسْتَغْنُوا “. وجاء في سنن ابن ماجه – (ج 5 / ص 283) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” لِكُلِّ شَيْءٍ زَكَاةٌ وَزَكَاةُ الْجَسَدِ الصَّوْمُ زَادَ مُحْرِزٌ فِي حَدِيثِهِ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصِّيَامُ نِصْفُ الصَّبْرِ ” .
تاسعا : شفاعة الصيام لصاحبه : ورد في مسند أحمد – (ج 13 / ص 375) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ” الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ الصِّيَامُ أَيْ رَبِّ مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ وَيَقُولُ الْقُرْآنُ مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ قَالَ فَيُشَفَّعَانِ ” .

رمضان والقرآن وليلة القدر

يقول الله الواحد القهار سبحانه وتعالى عن تفضيل ليلة القدر في شهر رمضان المبارك وإنزال القرآن المجيد فيها : { إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5)}( القرآن المبين ، القدر ) .
وأغلب التفسيرات الإسلامية ، تؤكد على أن ليلة القدر هي ليلة 27 رمضان ، فهي ليلة مباركة باركها الله عز وجل وعوض فيها لمن قامها وأحياها بالأذكار والصلاة والعبادات ، من عباده المتقين عن عبادة ألف شهر ( السنة تساوي 12 شهرا ) أي أن قيامها يعدل عبادة 83.33 سنة ، فما أعظم كرم الله ومنته على عباده المتقين المؤمنين المحسنين الأخيار ، في رمضان عامة وفي ليلة القدر خاصة .

عيد الفطر السعيد

جاء في سنن الترمذي – (ج 3 / ص 128) أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ” الصَّوْمُ يَوْمَ تَصُومُونَ وَالْفِطْرُ يَوْمَ تُفْطِرُونَ وَالْأَضْحَى يَوْمَ تُضَحُّونَ ” .

الأمة المسلمة ، ليست كغيرها من الأمم في العالم ، لها عيدان يأتيان بعد فرضيتي : صيام شهر رمضان ، وحج البيت . فعيد الفطر السعيد ، يأتي مباشرة بعد الإنتهاء من موسم روحي ديني ، يتمثل بصيام شهر رمضان المبارك ، أي يجيء بعد صيام 29 أو 30 يوما هي أيام شهر رمضان ، فيكون الأول من شهر شوال العربي السنوي ، وهو الشهر المباشر لشهر رمضان ، هو عيد الفطر السعيد ، الذي يؤدي فيه المسلمون صلاة العيد بالمسجد أو بالساحات العامة . ثم يزورون المقابر لقراءة آيات من القرآن المجيد على الموتى وخاصة قراءة سورة الفتحة كطبق من نور يهدى للموتى في هذا العيد وغيره من الأيام ثم يصلون أرحامهم . وغني عن القول ، إن حركة تجارية رائجة في المجتمع الإسلامي تظهر في الأيام الأخيرة لشهر رمضان المبارك ، للإعداد للأطعمة الرمضانية الحلوة ، وتجهيز الملابس الجديدة لاستقبال عيد الفطر السعيد . وكلمة لا بد منها بهذا المجال : إن العيد لا يعني لبس الجديد ، بل هو احتفال رسمي وشعبي إسلامي ، للعبادة والصلاة والأذكار الإسلامية ، والتزاور البشري بين الأهل والأحباب والأقارب والأصحاب ، فيمكن أن يلبس المسلم لباسا قديما ولكنه نظيفا في أيام العيد .
كما ورد بسنن الترمذي – (ج 3 / ص 244) عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ شَهِدْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فِي يَوْمِ النَّحْرِ بَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ ثُمَّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” يَنْهَى عَنْ صَوْمِ هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ أَمَّا يَوْمُ الْفِطْرِ فَفِطْرُكُمْ مِنْ صَوْمِكُمْ وَعِيدٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَأَمَّا يَوْمُ الْأَضْحَى فَكُلُوا مِنْ لُحُومِ نُسُكِكُمْ ” .

تصفيد الشياطين في رمضان

جاء في صحيح البخاري – (ج 3 / ص 231) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : انْطَلَقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ وَأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمْ الشُّهُبُ فَرَجَعَتْ الشَّيَاطِينُ إِلَى قَوْمِهِمْ فَقَالُوا مَا لَكُمْ فَقَالُوا حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ قَالُوا مَا حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ إِلَّا شَيْءٌ حَدَثَ فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا فَانْظُرُوا مَا هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ فَانْصَرَفَ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهَامَةَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِنَخْلَةَ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الْفَجْرِ فَلَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ فَقَالُوا هَذَا وَاللَّهِ الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ فَهُنَالِكَ حِينَ رَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ وَقَالُوا يَا قَوْمَنَا { إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا } فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنْ الْجِنِّ } وَإِنَّمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ قَوْلُ الْجِنِّ .
على أي حال ، يعتبر شهر رمضان ، شهرا إسلاميا مباركا ومقدسا ، لا شك ولا جدال فيه ، لدى أبناء الأمة المسلمة في جميع أنحاء العالم ، ومن تكريم الله لبني آدم بشهر رمضان حجز الشياطين عنهم ، فالشياطين تؤز الكافرين أزا ، وتوجه الفاسقين والمنافقين ، وتسلك الشياطين فجا ( طريقا ) غير فج المؤمنين . وقد جاء في صحيح البخاري – (ج 6 / ص 465) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ وَسُلْسِلَتْ الشَّيَاطِينُ ” . كما جاء بالمعجم الكبير للطبراني – (ج 12 / ص 64) عَنْ عُتْبَةَ بن فَرْقَدٍ السُّلَمِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ : ” إِذَا جَاءَ شَهْرُ رَمَضَانَ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ، وَنَادَى مُنَادٍ يَا طَالِبَ الْخَيْرِ هَلُمَّ، وَيَا طَالِبَ الشَّرِّ اقْتَصِرْ، حَتَّى يَنْسَلِخَ الشَّهْرُ ” .

أمور إسلامية واجبة في رمضان المبارك

هناك العديد من الأمور الواجبة المستحبة في شهر رمضان الكريم ، التي ينبغي ممارستها وحفظها يوميا في شهر رمضان المبارك وهي :
أولا : تناول وجبتي السحور والفطور ، من طيبات رزق الله ذو الفضل والمنة على عباده ، لما يجلب ذلك من فائدة بدنية وصحية على الصائم طيلة فترة صيامه ، مع الأخذ بمبدأ تأخير السحور وتعجيل الفطور . يقول الله ذو الجلال والإكرام تبارك وتعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (173) إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175)}( القرآن العظيم – البقرة ) . وجاء بصحيح البخاري – (ج 7 / ص 59) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ” لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ ” .
ثانيا : تناول السوائل اللازمة لجسد الإنسان وفي مقدمتها الماء واللبن والعصائر الطبيعية والفواكه سهلة الهضم التمر وغيرها .
ثالثا : الولائم والعزائم الرمضانية : تبادر عشرات ملايين الأسر المسلمة وأصحاب القدرات المالية من المسلمين لتنظيم العزائم والولائم الرمضانية للعائلات نفسها أو تنظيم موائد الرحمن في البيوت أو المساجد أو المراكز الإسلامية وغيرها ، لتجميع أكبر عدد ممكن من الصائمين بفترة واحدة ومكان واحد . يقول الله الغني الحميد عز وجل : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267) الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (268) يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (269) }( القرآن المبين – البقرة ) . وجاء في سنن الترمذي – (ج 3 / ص 301) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا ” . كما ورد بمسند أحمد – (ج 34 / ص 414) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” لَا تَتَّخِذُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا صَلُّوا فِيهَا وَمَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الصَّائِمِ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْءٌ وَمَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ خَلَفَهُ فِي أَهْلِهِ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الْغَازِي فِي أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الْغَازِي شَيْءٌ ” .
رابعا : الاعتدال في إعداد الأطعمة والأشربة ، وعدم الإسراف والتبذير . يقول الله السميع البصير عز وجل : { يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32) قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (33)}( القرآن الحكيم – الأعراف ) .
خامسا : عدم أثقال البدن بالأطعمة والأشربة عند الإفطار لما يسبب ذلك من تخمة ، وأمراض آنية ومستقبلية وصعوبة الحركة . جاء في سنن الترمذي – (ج 8 / ص 387) عَنْ مِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ” مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ ” . فالنظام الغذائي الإسلامي الصحي هو ثلاثي الأبعاد : ثلث للطعام وثلث للشراب ، وثلث للهواء أو الأكسجين للتنفس . وعلى النقيض من ذلك ، نلاحظ بعض الصائمين يتخمون بطونهم بالطعام والشراب ، ثم يتعرضون للتعب والإرهاق البدني ، فلا يتمكنون من الوقوف على أرجلهم ، فيذهبون للأطباء والعيادات الصحية والمشافي ، وهم في غنى عن هذه الأمور الطارئة .
سادسا : الإهتمام بالفقراء والمساكين والأيتام والغرباء . وتخصيص جزء من وجبات رمضان لهم عبر مدار الشهر الفضيل عبر تنظيم الموائد الرمضانية العائلية والشعبية ليأخذوا نصيبهم من مزايا رمضان الكريم . جاء في مسند أحمد – (ج 16 / ص 91) عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ” لِلطَّاعِمِ الشَّاكِرِ مِثْلُ مَا لِلصَّائِمِ الصَّابِرِ ” .
سابعا : تلاوة القرآن المجيد ، كتاب الله المقدس ، الدستور الرباني للأمة المسلمة عبر التاريخ البشري . فينبغي على المسلم متابعة قراءة وتجويد وتلاوة القرآن العظيم لمواصلة مسيرة الرسالة الإسلامية العظمى .
ثامنا : صلاة قيام رمضان ( التراويح ) : إن تأدية صلاة التراويح ( 8 – 20 ركعة يوميا ) بعد صلاة فرض العشاء ، هي من الأمور الصحية والرياضية المستحبة ، فهي تزيد من حسنات الإنسان في بنك الحسنات ليوم القيامة ، وتساعد على رشاقة البدن ، وتساهم في هضم الطعام الذي تناوله المسلم الصائم . وصلاة التراويح أو قيام رمضان ، هي رياضة روحية وبدنية طبيعية في الوقت ذاته ، وهي أفضل من تناول الأشربة الغازية المهضمة التي تساعد على هضم الطعام كالمشروبات الغازية المليئة بالصودا الكاوية والتي يحتوي بعضها على بقايا من شحوم ولحوم الخنازير .
تاسعا : تعويد الأطفال على الصيام في سن مبكرة على الصيام لينشأوا النشأة الإسلامية الحقيقية .
عاشرا : متابعة المسلسلات الرمضانية الإسلامية الملتزمة ، كالمعارك الإسلامية ، والفتوحات الإسلامية ، والحياة الطبيعية الإسلامية ، البعيدة عن الإثارة الجنسية الهابطة ، وقراءة كتب التاريخ الإسلامي التليد للعبر والعظات والتجديد الإيماني الجهادي .
حادي عشر : استعمال السواك الطبيعي من أراك ( أو معجون الأسنان والفرشاة ) بعد السحور وبعد الإفطار الرمضاني من الأمور الواجبة لتنظيف الأسنان من بقايا الطعام وإبعادها عن التسوس . جاء في صحيح البخاري – (ج 7 / ص 18) عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ ” . وَيُرْوَى نَحْوُهُ عَنْ جَابِرٍ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَخُصَّ الصَّائِمَ مِنْ غَيْرِهِ وَقَالَتْ عَائِشَةُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ ” .
ثاني عشر : اللجوء لنوم القيلولة ما بين صلاتي الظهر والعصر ، ما أمكن ، لتعويض النقص بساعات النوم ، والقيلولة تعمل على تنشيط الجسم وتعطيه حاجته من الراحة الضرورية .
ثالث عشر : إخراج الزكاة : يقوم الكثير من الناس بإخراج زكاة أموالهم في شهر رمضان الكريم علما بأن الزكاة هي ركن من أركان الإسلام الخمسة ، وهي فريضة ربانية على كل مسلم يمتلك نصاب الزكاة لمدة سنة قمرية كاملة ، كما يقره أهل الحل والعقد والعلماء من المسلمين في كل قطر من الأقطار الإسلامية وفقا لأوزان الذهب وأسعارها العالمية بصورة سنوية . وإخراج الزكاة في رمضان من الأمور المستحبة ، يجمع فيها المسلم الإلتزام والإلزام النفسي الذاتي بين فريضتي وركني صوم رمضان وإيتاء الزكاة . يقول الله العليم الحليم جل جلاله : { وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (58) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (59) إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60)}( القرآن المبين – التوبة ) . ويقول الله تبارك وتعالى : { يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (277)}( القرآن المجيد – البقرة ) .
رابع عشر : صلة الأرحام : من كرامات شهر رمضان تبادل الزيارات الاجتماعية بين الأهالي والأقارب والأرحام ، وتنظيم الولائم للأرحام وخاصة الوالدين والأخوات والعمات والخالات والمحرمات وغيرها . جاء في صحيح البخاري – (ج 18 / ص 386) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ” مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ ” . وجاء في مسند أحمد – (ج 26 / ص 469) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُمَدَّ لَهُ فِي عُمْرِهِ وَأَنْ يُزَادَ لَهُ فِي رِزْقِهِ فَلْيَبَرَّ وَالِدَيْهِ وَلْيَصِلْ رَحِمَهُ ” .
خامس عشر : إخراج الصدقات والتصدق عن النفس . يجب أن يتصدق الإنسان المسلم على نفسه فصدقة الفطر واجبة على كل فرد مسلم صغيرا أو كبيرا أو جنينا . وكذلك ينبغي التصدق المالي على المحتاجين في مطالع وأواسط شهر رمضان وليس بآخره ، لتوفير طعام السحور والإفطار لهم وتدبير شؤونهم الحياتية من المأكل والملبس والمأوى .
يقول الله الغني المغني عز وجل : { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (104) وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105)}( القرآن العظيم – التوبة ) .
وجاء في صحيح مسلم – (ج 1 / ص 232) عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ قَالَ : الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ قَالَ قُلْتُ أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ قَالَ أَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا وَأَكْثَرُهَا ثَمَنًا قَالَ قُلْتُ فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ قَالَ تُعِينُ صَانِعًا أَوْ تَصْنَعُ لِأَخْرَقَ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ ضَعُفْتُ عَنْ بَعْضِ الْعَمَلِ قَالَ : ” تَكُفُّ شَرَّكَ عَنْ النَّاسِ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ مِنْكَ عَلَى نَفْسِكَ ” . وفي رواية أخرى ، وردت بصحيح مسلم – (ج 5 / ص 229) عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ” سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ الْإِمَامُ الْعَادِلُ وَشَابٌّ نَشَأَ بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ يَمِينُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ ” . وورد في صحيح مسلم – (ج 5 / ص 231)
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ فَقَالَ : ” أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْغِنَى وَلَا تُمْهِلَ حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ قُلْتَ لِفُلَانٍ كَذَا وَلِفُلَانٍ كَذَا أَلَا وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ ” .

عادات اجتماعية خاطئة غير مستحبة برمضان المبارك

تنتشر في المجتمع المسلم ، الكثير من العادات والتقاليد الخاطئة السيئة أحيانا ، أثناء شهر رمضان المبارك ، وهناك عادات وتقاليد غير مستحبة وسوية لدى بعض المسلمين في إعداد وجبات الإفطار المسائية ، نذكر منها :
أولا : التدخين بتناول سيجارة أو أكثر بعد رفع الأذان الإسلامي ، قبل تناول طعام الإفطار مع ما يلحق ذلك الضرر البالغ ببدن الصائم ويسبب له الأمراض المتعددة وينفر الصائمين الآخرين منه .
ثانيا : تناول شراب الكوكا كولا أو البيبسي كولا ( الأمريكي ) أثناء وبعد الإفطار ، مع ما يلحق ذلك من أذى جسدي ببدن الإنسان الصائم ، ويسبب هشاشة العظام ، وبروز داء السكري أو تزايده .
ثالثا : الإكثار من أصناف الطعام نوعا وكما ، وزيادة هذه الأطعمة عن حاجة الصائمين ، ورميها بحاويات القمامة ، فليس من أهداف الصيام سياسة تعدد الأطعمة والأشربة بل التقرب لله رب البرية والحفاظ على الصحة البدنية والإحساس مع الفئات المستضعفة في الأرض .
رابعا : اللهو بالأمور غير المباحة ، كمتابعة المسلسلات التلفزيونية والفضائية الرمضانية الهابطة ، التي يلهو بها بعض الصائمين ، عن حسن نية لتعبئة أوقات فراغهم ، فتنتشر بها الأزياء الفاضحة للنساء ، والعادات القبيحة والرذائل القاتلة ، فبدلا من تكثير الحسنات تكثر سيئات الإنسان المسلم ، فيسلي صيامه بالنظر للمحرمات في الإسلام العظيم .
خامسا : الإكثار من شرب الماء البارد أو المثلج مما يضر بالمعدة بإنقباض عضلاتها ، ويسبب المغص الحاد أحيانا ، ويسبب الحاجة المتزايدة لتناول الماء مما يقلل الكالسيوم بالجسم .
سادسا : الإكثار من تناول الحلويات مما يسبب السكري وتسوس الأسنان وارتفاع ضغط الدم ، ومعاناة الصائم من أمراض الفم المتعاقبة .
سابعا : تعجيل السحور وتأخير الفطور في الأيام العادية : هناك من المسلمين من يتسحر عند السهرة قبل أن ينام في ساعات ما بعد العشاء ، عند الساعة الحادية عشرة أو الثانية عشرة أو الواحد فجرا ، وهي من العادات الخاطئة ، إذ لا بد من النوم مبكرا وعدم إطالة السهر لراحة الجسد والنفس ، ولدواعي العبادة بالاستيقاظ لصلاة الفجر حاضرة على وقتها ، فصلاة الفجر ( الصبح ) ينبغي أن تأتي مباشرة بعد السحور فأذان الفجر . جاء في مسند أحمد – (ج 51 / ص 387) عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ قَالَ قُلْنَا لِعَائِشَةَ : إِنَّ فِينَا رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدُهُمَا يُعَجِّلُ الْإِفْطَارَ وَيُؤَخِّرُ السُّحُورَ وَالْآخَرُ يُؤَخِّرُ الْإِفْطَارَ وَيُعَجِّلُ السُّحُورَ قَالَ فَقَالَتْ عَائِشَةُ أَيُّهُمَا الَّذِي يُعَجِّلُ الْإِفْطَارَ وَيُؤَخِّرُ السُّحُورَ قَالَ فَقُلْتُ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ فَقَالَتْ كَذَا كَانَ يَصْنَعُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
ثامنا : النوم المباشر بعد صلاة الفجر في شهر رمضان المبارك ، مما يسبب خمولا وكسلا عند الاستيقاظ لاحقا للسعي في طلب الرزق .
تاسعا : اللهث وراء كابونات أو معونات الصيام العينية ، بشهر رمضان من الآخرين ، من الموسرين والجمعيات والمؤسسات الخيرية ، والموائد الحزبية الرمضانية ، فالإنسان المسلم الصائم يجب أن يوفر للأسرة السحور والفطور على مدار الشهر من كده وعرق جبينه ، وأن لا يزاحم الفقراء والمحتاجين بأي حال من الأحوال على ما يخصص لهم من أصحاب الخير هنا وهناك . فكن يا أيها المسلم الصائم ممن يعتمد على نفسه قدر الإمكان لتوفير قوته وقوت عياله ، ودعك من الصدقات والزكوات إن لم تكن محتاجا لها . فقد ورد بصحيح البخاري – (ج 5 / ص 321) أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطَانِي ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي ثُمَّ قَالَ يَا حَكِيمُ إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى قَالَ حَكِيمٌ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَرْزَأُ أَحَدًا بَعْدَكَ شَيْئًا حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَدْعُو حَكِيمًا إِلَى الْعَطَاءِ فَيَأْبَى أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُ ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دَعَاهُ لِيُعْطِيَهُ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئًا فَقَالَ عُمَرُ إِنِّي أُشْهِدُكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى حَكِيمٍ أَنِّي أَعْرِضُ عَلَيْهِ حَقَّهُ مِنْ هَذَا الْفَيْءِ فَيَأْبَى أَنْ يَأْخُذَهُ فَلَمْ يَرْزَأْ حَكِيمٌ أَحَدًا مِنْ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى تُوُفِّيَ ” . كما ورد بصحيح مسلم – (ج 5 / ص 246) أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ” لَا تَزَالُ الْمَسْأَلَةُ بِأَحَدِكُمْ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَلَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ ” .

الصدقات والأنفاق في شهر رمضان المبارك

حض الإسلام العظيم على ضرورة إخراج الصدقات النقدية والعينية كالأطعمة والأشربة والملابس الجديدة ، للناس المحتاجين من ذوي الاحتياجات الخاصة ، سواء في شهر رمضان المبارك ، أو بقية أيام السنة .
يقول الله الغني الوهاب جل جلاله : { وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (270) إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271) لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (272) لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (274) }( القرآن الحكيم – البقرة ) .

وجاء في موطأ مالك – (ج 6 / ص 156) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَذْكُرُ الصَّدَقَةَ وَالتَّعَفُّفَ عَنْ الْمَسْأَلَةِ : ” الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى وَالْيَدُ الْعُلْيَا هِيَ الْمُنْفِقَةُ وَالسُّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ ” . كما ورد بصحيح البخاري – (ج 5 / ص 248) عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ” الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ ” .
وورد في صحيح مسلم – (ج 5 / ص 249) عَنْ بَيَانٍ أَبِي بِشْرٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ” لَأَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ فَيَحْطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَتَصَدَّقَ بِهِ وَيَسْتَغْنِيَ بِهِ مِنْ النَّاسِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ رَجُلًا أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ ذَلِكَ فَإِنَّ الْيَدَ الْعُلْيَا أَفْضَلُ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ ” . و حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ إِسْمَعِيلَ حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ قَالَ أَتَيْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ فَقَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” وَاللَّهِ لَأَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ فَيَحْطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهُ ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ بَيَانٍ ” .
وفي رواية أخرى ، جاءت بمسند أحمد – (ج 15 / ص 57) عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” وَاللَّهِ لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلًا فَيَحْتَطِبَ فَيَحْمِلَهُ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَأْكُلَ أَوْ يَتَصَدَّقَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ رَجُلًا أَغْنَاهُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَيَسْأَلَهُ أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ ذَلِكَ بِأَنَّ الْيَدَ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى ” .
كما ورد بسنن ابن ماجه – (ج 5 / ص 411) فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ فَمَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنْ الصَّدَقَاتِ ” .

شهر رمضان بأيامه المعدودات .. والنظام الغذائي الرباني القويم

بعض الأمم الأجنبية في العالم ، تلجأ عبر الأطباء لوضع حميات غذائية متصلة أو منفصلة ، لتقليل الوزن وإزالة السمنة الزائدة وتقليل الأمراض ، وخاصة لدى النساء والشباب من كلا النوعين الاجتماعيين ، والحصول على القوام البدني المناسب ، البعيد عن الأمراض والأدران الشحمية على البطن والصدر والأرداف والساقين وغيرها ، فتحدد فترة زمنية تتراوح ما بين 3 – 4 أسابيع متواصلة فيما يعرف بالنظام الغذائي البشري – الريجيم ) . وقد حبا واختص الله الحميد المجيد جل جلاله ، الأمة المسلمة ، بحبه العميق ، وخصص لهم شهرا سنويا صحيا مقدسا ومميزا ، هو شهر رمضان المبارك ، شهر القرآن المجيد ، بأيامه المعدودة التي تمتد ما بين 29 يوما إلى 30 يوما بالسنة القمرية الواحدة ، البالغة 354 يوما ، فيتداور مجيئ شهر رمضان الفضيل ، على مدار أيام السنة القمرية بفصولها الأربعة : الشتاء والربيع والصيف والخريف ، وتتزاور فيه الأرواح والأبدان المسلمة وفق تعاليم وضوابط إسلامية رائعة ، وتتزايد فيه أواصر التقرب للبارئ عز وجل ، والشعور بمشاعر المسلمين الآخرين .
ففي شهر رمضان الكريم ، حمية غذائية واجبة ، وتباعد بين الوجبات ، وإقتصارها على ساعات الليل الأولى والهزيع الأخير من الليل ، فالنظام الغذائي الرمضاني الرباني هو الأفضل والأمثل لبني الإنسان عبر القرون الخالية والحالية واللاحقة ، إن كان هناك قرون زمنية آتية .
فبالإضافة لسعي الإنسان المسلم ، ذكرا أو أنثى ، لنيل رضى الله رب العالمين ، ودخول الجنة من ( باب الريان – وهو باب بالجنة مخصص لدخول الصائمين ) ، فإنه يعمل على تنظيم وجبات غذائه بصورة صحية لائقة ، فيحصل على جسيم رشيق ، ويتخلص من السموم الغذائية التي لحقت ولصقت ببدنه وشحمه ولحمه ودمه ، طيلة 11 شهرا بالتمام والكمال ، فيأتي شهر الصيام ليذيبها ويزيلها ليتمكن المسلم أو المسلمة من التمتع بصحة قوية بعيدة عن الأدران البدنية والأضغان النفسية وغيرها ، بصورة منتظمة طالما بقي الإنسان قادرا على الصيام . وهناك من الجهلاء ، من يستنكف عن هذا النظام الغذائي الإسلامي ( رمضان الكريم ) كنظام راحة غذائي ونفسي سنوي ، لفترة معينة ، فيصاب بعشرات الأمراض والأوبئة الطارئة المؤقتة والدائمة ، فتأتي عليه من حيث يدري ولا يحتسب .
فشهر رمضان المبارك ، ذو الطلة السنوية الذهبية البهية المتواصلة ، على الأمة المسلمة ، يساعد في راحة أجهزة الجسم : الهضمية والسمعية والبصرية والهرمونية والتناسلية والعضلية والدورية الدموية واللمفاوية والبولية والتنفسية والعصبية وغيرها ، وهو علاج للكثير الكثير من الأمراض البشرية التي لا تزول أو لا تخف وطأتها إلا بالصيام المتوسط أو شبه الطويل كرمضان الفضيل . فالصوم علاج وقائي ممتاز لبدن بني آدم عبر العصور ، ولم يكن ليفرضه الله الواسع الحكيم ، لولا فوائده البدنية الصحية والنفسية الجمة .
وأفادت الكثير من الدراسات العلمية المعاصرة من العلماء المسلمين وغير المسلمين ، بأن الصيام لفترة شهر ، وهي فترة شهر رمضان المبارك ، هي فترة صيانة سنوية لبدن الإنسان ، كما هي فترة علاج بدني ناجحة للوقاية من الأمراض المستعصية أو لعلاجها ، وتجديد بناء الخلايا ، وتجديد الدورة الدموية الإنسانية ، ولتقليل أو الحد من بعض العوارض البدنية ، مثل : إرتفاع ضغط الدم ، وارتفاع الكوليسترول ، والتخلص من الدهون والشحوم الضارة ، وأمراض الجهاز الهضمي وأمراض الكبد والكلى وتورم الساقين وغيرها الكثير من الأمراض الطارئة أو المزمنة .

لماذا التهرب من صيام رمضان ؟؟! .. وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ

الصيام جنة ، فقد فرض الله صيام شهر رمضان على جميع الأمم السابقة ، للرسالة الإسلامية الشاملة الخاتمة والناسخة لما قبلها ، للمصلحة الفردية والجماعية والأممية الإنسانية والمجتمعية العليا ، فالخالق جل شأنه أدرى بخلقه . ورغم هذا نجد الكثير من الناس ، من المسلمين وأهل الذمة كالنصارى واليهود ( على طريقتهم ) ، يتهربون ويتملصون من صيام شهر رمضان الكريم ، بدعاوى وحجج واهية ، وهي القيام العمل أو عدم المقدرة الجسمية أو إصدار بعض الدول قرارات وفتاوى باطلة بعدم الصيام للحفاظ على الاقتصاد الوطني ، وهي مبررات هروبية ، ليس لها رصيد مادي على أرض الواقع ، بالمسلم يزداد إنتاجه بشهر رمضان أصلا ، كما إنه يستطيع تكييف وقته مع العمل ليلتحق به في ساعات مضبوطة ومحددة . ويمكن القول إن معظم الانتصارات العسكرية والسياسية والاقتصادية الإسلامية ضد الكفار الأعداء وقعت في أيام شهر رمضان المبارك في القرون الخالية .
فمثلا ، تلجأ الكثير من الحكومات بالوطن العربي الكبير أو الوطن الإسلامي الأكبر إلى تأخير دوام القطاع الحكومي العام وتقصير أمده ، لما يتراوح ما بين 5 – 6 ساعات يوميا ، بدلا من 8 ساعات ، قد تبدأ من الثامنة أو التاسعة صباحا لتستمر حتى الثانية أو الثانية والنصف قبل العصر ) وفقا لما يتناسب ومتطلبات العمل اليومية في هذا الشهر الكريم ، كما تلجأ بعض الشركات والمصانع والمنشآت بالعديد من الدول لتقديم ساعات دوام العمال والموظفين ، من الساعة السادسة صباحا حتى الثانية عشرة ظهرا . وهناك نوع ثالث يلجأ لجعل شهر رمضان إجازة سنوية جماعية ، لجميع أبناء الطاقة العاملة للتفرع للصيام والعبادة . وكلها إجتهادات صائبة ، تصب في مصب المنبع الإسلامي العظيم ، لتقليص ساعات الدوام ، والتخفيف على الصائمين ، قدر الإمكان .
ولا يجوز التذرع بأي حال من الأحوال بأي ذريعة أو حجة غير شرعية ، للتهرب من صيام شهر رمضان المبارك ، الذي فرضه الله على جميع الأمم من الأولين والآخرين ، باستثناء الرخص الإلهية للمرضى بمرض شديد ، والمسافرين والنساء الحوائض والنفساء ووقت نزول الدورة العادة الدموية الشهرية ، ومن ماثلهم ، ولكن هذا الإعفاء قد يكون مؤقتا يجب فيها الإعادة ، أو دائما وفي حالة ديمومة إعفاء المرضى من ذوي الأمراض الفتاكة المزمنة ، أو الكبار في السن ، من الصيام فهناك فدية الصيام اليومية وهي إطعام صائم آخر وجبتين ( سحور وفطور ) من أواسط ما يأكل الصائمون في البلد ذاته .

فتاوى رمضانية باطلة

تتعدد الفتاوى الرمضانية ، من بعض المشايخ المسلمين ، المتمكنين أو غير الضليعين بإصدار الفتاوى ، وتظهر فتاوى متناقضة أحيانا ، فتسود حالة من الفوضى لدى بعض المسلمين ، فهناك من يتجرأ ويفتي بجواز التدخين برمضان أثناء ساعات الصيام ، وهي فتوى منكرة لا أساس لها من الصحة ، وهناك من يفتي بضرورة إفطار العمال في العمل بدعاوى الحفاظ على الإنتاج الاقتصادي ، وهناك من يفتي بإعفاء بعض القادرين على الصيام ، ويطلب منهم دفع فدية الصيام وهي إطعام مسكين وجبتين ( السحور والإفطار ) . وهناك من يفتي بضرورة ابتعاد الصائمين عن تناول اللحوم كلحم الخراف والماعز والأبقار والاقتصار على الخضروات والبقوليات ، أو تناول ( الخبز والزيت والخل فقط ) وهي فتاوى غير صحيحة .
والإنسان المسلم ، لا بد أن يعرف أن الحدود الإسلامية في هذا المجال واضحة للعيان ، ولا داعي للمزايدات والمناقصات الرمضانية في هذا المضمار . فالآيات القرآنية واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار . وغني عن القول ، إنه لا يجب الاصغاء للأطباء غير المسلمين من أهل الذمة أو الكفار لإصدار ترخيص بالإفطار لأبناء المسلمين ، بل يجب أخذ الحيطة والحذر واللجوء للطبيب المسلم الصائم ، لأخذ رخصة الإفطار المؤقت بالصوم . ومن المعروف أن الإسلام يعطي رخص بالإفطار في رمضان للكبار بالسن ، والمرضى والجرحى ، من الذكور والإناث ، والنساء بفترة الحيض أو العادة الشهرية ، والسفر لمسافات بعيدة وغيرها من الحالات المقرة إسلاميا . وكل ذلك يبنى على وقائع الضرر للمسلمين الذين يتضرروا من الصيام . فمثلا ، ليس من الضروري أن لا يلتزم بالصوم كل مريض بالسكري ، فداء السكرى على درجات ويمكن لمرضى به تنفيذ التعاليم الإلهية والصيام .

كلمة أخيرة

جاء في سنن ابن ماجه – (ج 10 / ص 107) عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ سَمِعْتُ سَلْمَانَ وَأُكْرِهَ عَلَى طَعَامٍ يَأْكُلُهُ فَقَالَ حَسْبِي أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ” إِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ شِبَعًا فِي الدُّنْيَا أَطْوَلُهُمْ جُوعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ” .

شهر رمضان الفضيل ، هو شهر عبادة وتقرب إلى الله ، وقراءة القرآن المجيد ، كما يعتبر شهر رمضان شهرا اقتصاديا مزدهرا ومتقدما في الحياة الإسلامية العامة والخاصة ، وتتزايد التجارة في شهر رمضان ، وخاصة تجارة المواد التموينية والغذائية ، والملابس والأحذية . فرمضان أساسا يقوم على التزود بالزادين المباركين : الغذاء والتقوى ، في ثنائية إسلامية متلازمة ، الغذاء البدني والغذاء الروحي في الآن ذاته ، فهو يقوم على الإنفاق المالي الواجب على أبناء الأسرة الواحدة ، ومساعدة الفقراء والمحتاجين والأيتام والأرامل والكبار في السن . وهو شهر اجتماعي ، يعمق ويعزز العلاقات الاجتماعية والاقتصادية بين جميع أبناء الأمة المسلمة . كما يعزز شهر الصيام الوحدة الإسلامية في التوقيت الإلهي العظيم ، لفرض صيام رمضان ، ما بين ساعات النهار والليل ، بصورة مستمرة لشهر كامل يتواصل لفترة تمتد في أدناها 29 يوما ، وأقصاها 30 يوما حسب المطالع القمرية . ولأهمية ضبط النظام الغذائي في الإسلام فقد طلب الحبيب المصطفى رسول الله محمد صلى الله عليه من المسلمين صوم 6 أيام من شهر شوال ، بعد شهر رمضان ، وصيام 3 أيام بكل شهر من أيام الاثنين والخميس أو الأيام القمرية الثلاثة البيض 13 و14 و15 من الشهر القمري عندما يكون بدرا ، وصوم يوم عرفة وصوم يوم عاشورا ، وصيام أيام من شهر محرم ، وصيام أيام من شهر شعبان ، وغيرها ، وهي أيام صوم طوعية تطوعية غير ملزمة ولكنها مفيدة للجميع ، تساهم في القبول الرباني للمسلم ، ولمواصلة الاستفادة من عبادة الصيام الروحية والبدنية في المجالات الصحية المتعددة .
وختامه مسك ، ندعو ونقول والله المستعان ، كما قال نبي الله شعيب عليه السلام ، كما نطقت الآيات القرآنية الكريمة : { قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88)}( القرآن المجيد – هود ) .
تقبل الله طاعاتنا وطاعاتكم ، وكل رمضان ونحن وأنتم إلى الله أقرب .
والله ولي التوفيق . سلام قولا من رب رحيم . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s