حياة الإمام آية الله روح الله الخميني النشأة والثورة والجمهورية الإسلامية

حياة الإمام آية الله روح الله الخميني
النشأة والثورة والجمهورية الإسلامية

د. كمال إبراهيم علاونه
أستاذ العلوم السياسية
الرئيس التنفيذي لشبكة الإسراء والمعراج ( إسراج )
نابلس – فلسطين العربية المسلمة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

يقول الله العزيز الحكيم جل جلاله : { لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (95) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (96) إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (99) وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (100)}( القرآن المجيد – النساء ) . وجاء في صحيح مسلم – (ج 1 / ص 167) قال رَسُولُ ضبط كاملاللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ ” .


الإمام آية الله روح الله الخميني
الولادة والنشأة

آية الله العظمى روح الله مصطفى أحمد الموسوي الخميني ، هو شخصية مسلمة من الطائفة الإسلامية الشيعية الإيرانية ، المنفتحة على الحضارات والثقافات والإيديولوجيات العالمية ، وقد لقب هذا المعارض الإيراني الشجاع ، بالإمام الخميني ، لسعه صدره وإطلاعه وثقافته العالية ، وهو مجدد القرن العشرين الماضي بالدعوة إلى الثورة الإسلامية وتصديرها لخارج إيران حسب الرؤية الإسلامية والعالمية .
وقد ولد وترعرع الإمام الجليل آية الله روح الله مصطفى الخميني في بلدة خمين الإيرانية ، على بعد 80 ميلا جنوب غربي مدينة قم المشهورة ، وذلك في 20 جمادى الثانية 1320 هـ الموافق 22 أيلول – سبتمبر 1902 وعاش حتى وفاته في 3 حزيران – يونيو 1989 م . ويقال إنه ولد في 30 جمادى الأولى 1318 هـ / 24 أيلول – سبتمبر 1900 م في ررواية غير مؤكدة .
ويعتبر الإمام آية الله الخميني ، من المراجع الفلسفية الدينية الشيعية الإيرانية والعالمية ، وهو من القادة السياسيين والدينيين الإسلاميين البارزين في العالم لمقارعته شاه إيران المدعوم من الإمبريالية الأمريكية الشريرة ، ودعوته لتغيير الواقع الأليم الفاسد ونمط الحياة الغربية المنحلة أخلاقيا ، حيث كان الشاة محمد رضا بهلوي إمبراطور إيران مواليا لإمبراطورية الشر الأمريكية ويطبق الحياة والتقاليد الغربية والغربية على الشعب الإيراني المسلم عبر الأجهزة الأمنية القمعية وخاصة جهاز ( السافاك ) الإجرامي .
وتزعم بعض كتب التاريخ أن جد الإمام الخميني الملقب ب ( الهندي ) هاجر من الهند لمدينة خُمَين في إيران ولكن الإمام الخميني أصر مؤكدا على إنه عربي الأصل حيث هاجر أجداده إلى الهند بعد طردهم من الخلفاء المسلمين العرب وقتئذ لخلافات بينهم ، وزعم بعض المؤخرين بلا سند ونسب عائلي متسلسل ، بأن والده جاء من مدينه كينتور في منطقه بربنكي في اوتار پرادش ، بالهند ، ويبدو أنه سكن هناك للعلم أو التجارة أو كليهما وهربا من الإضطهاد السياسي كذلك . وهو عربي الأصل والمولد والنشأة على الأغلب الأرجح كما رجح هو بعقله الراجح الرزين . وكان والده مصطفى الخميني عالما من علماء الدين المعروفين في البلاد .

الدراسة والتعليم بالحوزات العلمية .. آراك وقم

على أي حال ، قضى والده مصطفى نحبه ، من عملاء أحد كبار الملاك الرأسماليين الإيرانيين بإطلاق الرصاص الحي عليه لمدافعته عن حقوق بعض المستأجِرين الفلاحين ، وكان عمر الرضيع روح الله ، آنذاك 5 شهور تقريبا عند وفاة والده . فرعته والدته حتى وافتها المنية عام 1337هـ = 1918 م ، فانتقل للعيش بشبابه مع أخيه الأكبر الفقيه ( باسند يداه موسوي ) والتحق بالحوزة العلمية لآية الله عبد الكريم الحائري ، أحد علماء المسلمين الشيعة بمدينة ( آراك ) على بعد 30 كم عن بلدة خمين مسقط رأسه .
وفي عام 1341هـ / 1922 م ، انتقل آية الله الحائري بحوزته العلمية إلى مدينة ( قم ) المقدسة ، وهي مدينة الأئمة العلمية في البلاد ، فصاحبه الشاب روح الله الخميني ، بأول زيارة لها لمدينة قم المشهورة . وكان الشاب المتدين روح الله فقير الحال المادي يعيش في المسجد الذي تُعقد فيه الحلقات والأذكار الدينية ، مفترشا الأرض ولم يستخدم السرير بتاتا .
وفي سني حياته الأولى ، أكمل الشاب الإيراني روح الله مرحلة التعليم والدراسة الأولى فحاز على الدرجة العلمية المسماة ( محلة السطوح العالية ) . وشرع بمعاونة أستاذه في التدريس بمادتي الفلسفة والمنطق ، واهتم بدراسة فضائل القيم والأخلاق ، إلا أن أعوان الشاه الإيراني حظروا عليه إلقاء الدروس والمحاضرات الدينية بدعاوى اشتمالها على الشؤون السياسية الحية خوفا من تأليب الناس ضد نظام الشاه .

حياته الاجتماعية

نشأ الإمام آية الله روح الله الخميني ضمن عائلته المسلمة ، وقد اغتيل والده وعمره آنذاك خمسة شهور إذ اختارت له أسرته مرضعة لتعمل على تربيته ، ثم التحق بالحوزة العلمية في سن مبكرة وبدأ من هناك حياته العلمية والعملية .

الشاب الخميني

وبالنسبة للحالة الزوجية الإجتماعية لروح الله الخميني ، فقد تزوج بسن الخامسة والعشرين من فتاة إيرانية اسمها ( خديجة بنت محمد الثقيفي ) وأنجبا عدة أبناء من بينهم : ( مصطفى ) الذي اغتاله جهاز السافاك (المخابرات الإيرانية ) ، وأحمد من كبار مساعديه . وثلاث بنات هن : فريدة وصادفة وفاطمة ، وجميعن تزوجن من علماء مسلمين من الشيعة .
وقد نال الإمام آية الله الخميني شهرة إعلامية وسياسية ودينية عالمية واسعة ، قبل وأثناء وبعد الثورة ، وبعد قيام الجمهورية الإسلامية أواخر العقد الثامن من القرن العشرين المنصرم ، مما حدا بمجلة ( تايم ) الأمريكية لجعله رجل العام ، للعام 1979 وهو عام إنتصار الثورة الإسلامية الإيرانية على ظلم وطغيان شاة إيران الذي كان يلقب نفسه ( شاهنشاه – ملك الملوك ) .
ويذكر أن آيات الله ( وهم كبار علماء الدين المسلمين الشيعة ) يكنّون وينسبون بأسماء القرى والمدن التي ولدوا أو عاشوا أو أتوا منها ، وبناء عليه سمي الشاب الإيراني روح الله بلقب ديني وجغرافية هو ( آية الله الخميني ) فمصطلح آية الله لقب ديني محترم لدى المسلمين الشيعة ، والخميني لقب جغرافي نسبة لمسقط راسه خُمين .

الحياة الدينية والسياسية للإمام الخميني ( تشكيل الإتحاد الإسلامي )
جاء بسنن أبي داود – (ج 11 / ص 419) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ أَوْ أَمِيرٍ جَائِرٍ ” .
لقد شهدت إيران فترات من المد والجزر والقلاقل والاضطرابات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية ، مما ساعد في تذمر وضجر وتململ الشعب الإيراني في عهد شاه إيران ، جراء السياسات الفاسدة الظلامية القمعية بالاغتيال والسجن والنفي خارج البلاد ، ضد جموع الشعب والقادة الشعبيين الميدانيين المعارضين للنظام البهلوي المقيت بزعامة الشاه محمد رضا بهلوي . فاندلعت الهبات والانتفاضات وأحيانا الثورات الشعبية المدعومة خطابيا ودينيا من علماء الدين المسلمين والحوزات العلمية الشيعية في البلاد وخارجها .
وفي ظل البذخ الشديد لعائلة الشاه بهلوي وتسلل الفقر المدقع بين أبناء الشعب الإيراني ، إبان عهد الشاه ، تصاعدت حدة المعارضة للنظام السياسي القمعي . وفي هذه الأثناء تزعم المعارضة العلماء من درجة الآيات ( آية الله ) وفي مقدمتهم آية الله روح الله الخميني المعلم بمدرسة الفياضية في مدينة ( قم ) المقدسة دينيا . فكان يتجمع ويتجمهر الآلاف من المواطنين المتشوقين للإسلام والتغيير الجذري للفساد المستشري في ثنايا البلاد ، لخطب ومواعظ ودروس الإمام روح الله الخميني الدينية ، وفي غضون ذلك بادر الخميني لإنشاء ( الاتحاد الإسلامي ) ، رافضا الأوامر والتوجيهات الإمبراطورية العليا الصادرة عن الشاه القميء ، وما يصدر عن المجلس النيابي من قوانين وتشريعات ولوائح تنفيذية لأنه يصدر عن هيئة غير شرعية بعيدة عن الصبغة الشرعية حسب ما يراه العالم المصلح آية الله الخميني وقد حمل دمه وروحه على كفه .

ومما يذكر للإمام آية الله الخميني تكراره وترديده المستمر لوصية الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ، لأبنائه : ” فلتكونوا دائمًا حماة الضعفاء وأعداء الظالمين ” . فمثلا ، عندما منح شاه إيران بهلوي ( الحصانة السياسية ) للخبراء والمستشارين العسكريين والسياسيين والاقتصاديين الأمريكيين ، ودعا إلى ” الثورة البيضاء ” المزعومة ، الساعية فعليا للهيمنة على علماء الدين بالبلاد ، عبر سحب مساحات شاسعة من الأراضي الوقفية من أيديهم ، وكذلك تهديد كبار الملاك من الفلاحين بنزع أملاكهم وأطياتهم وعقاراتهم ، لجأ روح الله الخميني لاستعمال هذه السياسة الشاهية الهابطة بالدعاية للثورة والتجديد والإصلاح الاقتصادي والسياسي والاجتماعي الشامل ، وتطبيق الشريعة الإسلامية بدلا من مناهضتها ، ومناهضة أتباعها في الحوزات الدينية . فاتهم الخميني الشاه بأنه ضد الشريعة والدستور الإيراني ، ببيعه إيران للاستعمار الأمريكي ، فظهر الخميني لأول مرة مناديا بالثورة باحتفالات الشيعة بذكرى استشهاد الإمام الحسين رضي الله عنه في يوم عاشوراء ، موجها الدعوة العلنية للخروج إلى الشوارع بمسيرات ومظاهرات وإضرابات شاملة فاستجابت الجموع الإيرانية الهادرة لهذه الدعوة الإصلاحية الجديدة وتحولت مواكب يوم عاشوراء إلى مسيرات ضخمة مناهضة للنظام الشاهي عام 1383هـ / 1963 م ، فتصدت لها قوات الأمن وخاصة السافاك ، واستشهد 2000 شخص تقريبا وجرح عدة آلاف آخرين .
وبعد القمع الرسمي الإيراني بالشرطة والأجهزة السرية ( السافاك ) وغيرها ، بدون الاستعانة بالجيش الإيراني ، لهذه المظاهرات الشعبية العنيفة تراجع الشاه محمد رضا بهلوي عن بعض بنود ( الثورة البيضاء ) داعيا علماء الدين لإلتزام السكينة والهدوء ، وواعد ا بعدم مصادرة أراضي الأوقاف الإسلامية ثم تم اعتقال آية الله الخميني ونفي إلى خارج إيران بسبب تحميله المسؤولية كاملة عن إندلاع ثورة وانتفاضة المعارضة في البلاد.

شاه إيران المخلوع محمد رضا بهلوي

شاه إيران المخلوع محمد رضا بهلوي وزوجته


النفي لتركيا والعراق

عندما كبر وترعرع وأصبح رجلا ، وبسبب معارضته وانتقاده الشديد للإمبراطور الإيراني الفاسد الشاه محمد رضا پهلوي ، نفي روح الله الخميني ، إلى تركيا لأحد عشر شهرا ثم عاد لوطنه منتصرا . وفي 24 تشرين الأول 1965 ، نفي مرة ثانية للعراق ، فمكث في مدينة النجف العراقية المقدسة لدى الطائفة الإسلامية الشيعية ، مقرا له حيث مارس بها نشاطه الإسلامي الديني الحوزوي ضد النظام الإيراني بزعامة الشاة . وبعد 13 عاما قضاها بالمنفى غادر العراق وتوجه إلى الكويت بعد تعرضه للملاحقة والمضايقة من الحكومة البعثية العلمانية العراقية ، فما كان من الحكومة الكويتية ، وبطلب رسمي من نظام الشاه الإيراني إلا أن حظرت على الخميني دخول الأراضي الكويتية ، فتشاور مع ابنه ( أحمد الخميني ) فهاجر لدمشق ومنها إلى العاصمة الفرنسية باريس حيث وصلها في 6 تشرين الأول – أكتوبر 1978 ، متنقلا باليوم التالي للإقامة في بيت أحد أصدقائه الإيرانيين ويدعي ( نوفل لوشاتو ) بإحدى ضواحي مدينة باريس . ومن جهتها ، أبلغت الرئاسة والحكومة الفرنسية في قصر الإليزيه الإمام الخميني بعهد الرئيس الفرنسي ( جيسكار ديستان ) ، بالابتعاد عن النشاطات السياسية المعارضة للنظام السياسي الإيراني ، فرفض هذا الأمر السفيه ، ولم ينصع له وتصرف بروية وحكمة بالغة كرست سمات وصفات القائد الفذ لقيادة الثورة عن بعد .
وأعلن الخميني بتصريح صحفي ب : ” أنّ هذا النوع من المضايقات يتعارض مع ادعاءات الديمقراطية ، وأنه لن يتخلى عن أهدافه حتى ولو اضطره ذلك إلى التنقل من مطار إلى آخر ومن بلد إلى آخر ” . ومكث آية الله روح الله الخميني في باريس أربعة اشهر أدلى فيها بآرائه الثورية الإسلامية وعرض تحليلاته وتصوراته السياسية بشأن الحكومة الإسلامية الشيعية والأهداف القادمة للثورة في بلاده التي نفي منها بقوة السلاح .

ومهما يكن من أمر ، بعد الانتفاضة الثورية ضد نظام الشاه في إيران ، الموالي للأمريكان والغرب ، نفي الخميني لتركيا لأقل من سنة ، ثم طلب منه مرة أخرى الرحيل إلى العراق ، ثم طلب منه رسميا مغادرة العراق ، فصمم على الرحيل والهجرة إلى الكويت ، فأوصدت الحدود دونه ، فقفل راجعا إلى مدينة النجف الأشرف ثم انتقل منها إلى العاصمة السورية دمشق ، فتركها متوجها للعاصمة الفرنسية باريس لوجود حرية الكلمة والتعبير والتوجيه السياسي ، وذلك في شهر شوال 1397هـ / تشرين الأول – أكتوبر 1977م . فنزل بمنزل صغير في ضاحية نوفل لوشانو 20 ميلاً غربي باريس ، فأضحت هذه الضاحية الفرنسية الهادئة مقرًا لقيادته الثورية المتزنة الجديدة حيث استقر بها حتى بوادر إحراز النصر والمغادرة إلى طهران لقطف ثمار الثورة المجيدة .

إختيار الخميني المنفى بفرنسا .. والإعلام العالمي

وفي باريس تحول الإمام الخميني في منفاه الأليم البعيد عن وطنه وشعبه ، من زعيم ومرشد وثائر محلي إيراني إلى قائد ثوري عالمي يقود الثورة الإسلامية في بلاده عن بعد بفضل علاقاته السياسية والاجتماعية المتشعبة وأنفتاحه الفكري والسياسي واستخدامه وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمطبوعة بكثافة لكسب الرأي العام المحلي الإيراني والإسلامي والعالمي وخاصة دول عدم الانحياز ودول ما يسمى بالعالم الثالث المعادية للإمبريالية الأمريكية عدوة الشعوب والأمم المضطهدة . فكان هذا المكان الفرنسي بقارة أوروبا البعيدة عن بلاده إيران ، ملاذه الأخير لتفجير الثورة العظمى ضد الطغيان الشاهي في إيران . فسطع نجمه ، وركزت عليه وسائل الإعلام المختلفة ، وكان ينظم مؤتمرات وتصريحات صحفية متعددة وتذكر بعض المراجع الإعلامية أن الإمام الخميني أدلى من مقره الفرنسي المؤقت بتصريحات سياسية مطبوعة ومسموعة ومتلفزة بنحو 500 حديث ولقاء وحوار إعلامي ، وكأنه رئيس دولة وقائد ثورة كبير فحقق النصر الإعلامي والسياسي والإيديولوجي عن بعد قبل تحقيق النصر الشعبي الحقيقي المبين فعليا على أرض الواقع .

مصالح ثورية إيرانية وفرنسية في التخلص من الشاه

وفي هذه الفترة ، رغبت فرنسا بإتاحة المجال أمام الخميني لإنهاء نظام الشاه الذي عينته الولايات المتحدة وبريطانيا سابقا ، وفتح صفحة جديدة مع النظام السياسي الإيراني الجديد بعد رحيل الشاه فكانت مصلحة ومنفعة مشتركة ومتبادلة بين الجانبين الرسمي الفرنسي والثوري الإيراني . وتقول بعض التقارير الإعلامية ، إن باريس تعاملت مع الخميني وفقا لوصية سفيرها في طهران : ” إن الشاه قد انتهى ، وإن صفحته قد طويت نهائيًا ” . وهو ما فرضه الأمر الثوري على أرض الواقع ، وتسارعت الأحداث في إيران فأخذت المعارضة تلجأ إليه مستلهمة منه تعليمات وإرشادات القائد الكبير والمنقذ المنتظر للبلاد من براثن الشاه ، فقد أعلن مهدي بازركان ، أحد قادة الجبهة الوطنية ، أن أغلبية الشعب الإيراني قد اختارت الإمام روح الله الخميني ليكون قائدًا ومسيرا لها في حياتها الجديدة .

ثورات متجددة بالمدن الإيرانية .. وثورة رمضان العظيمة

يقول الله السميع العليم عز وجل ناصر المستضعفين في الأرض : { سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (10) لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (11)}( القرآن المجيد – الرعد ) .

وفي هذه الأثناء ، انتقلت أشرطة الإمام الخميني المسجلة ( الرسائل الصوتية ) تلهب حماس الشارع الإيراني المعارض للحكومة الفاسدة في مركزها بطهران ، ففي ربيع أول 1398هـ / شباط – فبراير 1978 م ، تجمعت المظاهرات العنيفة بمساجد مدينة ( تبريز ) ، فلم تقدر قوى الأمن الإيرانية على قمعها بالقوة . فأتي بوحدات وألوية من الجيش الإيراني ، فقمعت المتظاهرين وفُرض حصار شامل برا وبحرا على هذه المدينة الإيرانية .
ثم تضخمت وتيرة الانتفاضة في شهر الصيام ، شهر رمضان المبارك ، داعية لإغلاق إغلاق المطاعم ، والبنوك الرأسمالية الربوية . وفي يوم الجمعة الدامي ، 6 شوال 1398هـ / 8 أيلول – سبتمبر 1978م ، خرجت انتفاضة كبرى ، تصدى فيها المتظاهرون المدنيون للشرطة الإيرانية فاستخدمت الشرطة الرصاص الحي فقتلت 4 آلاف شهيد ، وأُعلنت الأحكام العرفية في البلاد ، وفُرض حظر التجول ، فتحدى المتظاهرون هذه الإجراءات الحديدية القمعية بمدينة قم المقدسة ، وخرجت التظاهرات الشعبية فقتل ما يزيد عن 2000 شهيد ، فأعلن علماء الدين الشيعة الحداد وامتنعوا عن الخطب وتضامن التجار بالأسواق التجارية ، مع المحتجين ، فشحنت الأجواء الميدانية وزاد السخط واليأس من النظام الشاهي الإيراني .

حرب العصابات .. والمنظر علي شريعتي

ساعد الإمام آية الله روح الله الخميني على إعلان الثورة ضد نظام الشاه ، تجمع عدد من كبار الآيات حوله ، ووجود ( الاتحاد الإسلامي ) ودعوتهم للثورة المسلحة ضد الشاه ، مثل المنظر والمفكر الديني ( علي شريعتي ) الذي يعد المنظر الديني الأول للثورة ضد الظلم الشاهي في إيران ، بالإضافة إلى دخول منظمات عسكرية لصفوف المعارضة مثل ( فدائيو خلق ) الماركسية و ( مجاهدو خلق ) بقيادة دينية شيعية إسلامية .

مواجهة الشاه للثورة الإسلامية بإيران .. والرحيل النهائي للقاهرة

على العموم ، لم يفلح الحزب الوحيد الأوحد في إيران ( حزب رستاخيز ) الحاكم والداعم لنظام الشاه الطاغية ، في الصمود أمام حركة المد الشعبية الإسلامية الإيرانية بقيادة الإمام الخميني ، فتحلل وتبخرت قوته أمام المتظاهرين ، وتركت قيادات وافراد وحدات الجيش والشرطة الإيرانية الولاء للنظام الإمبراطوري وألتحقوا بصفوف الثورة المجيدة ضد البغاة الطغاة بقيادة الشاه محمد رضا بهلوي .
وقد سرعت الانتفاضات المتدحرجة والمتدرجة والمنظمة العاصمة طهران وفي المدن الرئيسية والدينية كتبريز وقم وأربعين مدينة أخرى ، في سقوط النظام الشاهي المستند بجبروته لجهاز السافاك السافل ( كان يضم 50 ألف عميل ) ، الذي تعامل مع المواطنين الطيبين البسطاء بوحشية مطلقة من بين أبناء الشعب الإيراني الذي كان يبلغ تعداده حوالي 40 مليون نسمة . ورغم دعوة الجنرال ( ناصر مقدم ) رئيس جهاز السافاك ، حليف ومناصر الشاه ، العلنية والإعلامية ، لتطبيق الإصلاحات والسماح بتكوين الأحزاب السياسية ، وتنظيم انتخابات برلمانية نزيهة وحرة ، والحد من الفساد المستشري بالبلاد ، إلا أنها لم تجد أذانا صاغية من الطاغوت الإيراني غير المبجل بين شعبه . ورغم إقترح الجنرال ( غلام أوفيسي ) حاكم طهران على الشاه تدمير مدينة قم عن بكرة أبيها ، لقتل مليون شخص وتدمير الحزة الدينية المقدسة على من فيها ، وتوقع أن يكون ضحايا هذا التدمير المجنون المقترح مليون قتيل ، فلم يوافقه الشاه على هذا الاقتراح السخيف ، فترك أوفيسي البلاد وهاجر بعيدا عنها .
وفي ظل هذه الأوضاع المتردية ، فإن الأمور إزدادت سوءا فوق سوء ، فلم يستجب الشاه لاقتراحات أنصاره وحلفائه بالإصلاح والتغيير السلمي تارة أو القتل الجماعي العسكري الوحشي ، بمئات الآلاف ، تارة أخرى لصعوبة الأمرين منفصلين أو مجتمعين ، لإستشراء الفساد الماحق المهلك ، وأصر على بقاء الظلم والظلام ، فإنقلب السحر الإمبراطوري على الساحر ، فرفض الخميني الحوار السياسي مع الشاه والحكومة الإيرانية ، مما أدى لخروج الشاه محمد رضا بهلوي مذموما مدحورا في شتاء 1979 بعد حين من الانتفاضات العارمة بتوجيهات الإمام آية الله الخميني .

إبتزاز بعثي عراقي للإمام الخميني

من جهة ثانية ، سعى النظام البعثي العلماني العراقي الحاكم القريب والمقرب من الشيوعية العالمية ، عام 1394هـ / 1974 م ، للحصول على فتوى دينية شيعية إسلامية ودعم ديني وسياسي من الإمام آية الله الخميني لصراعاته مع النظام الإيراني ، فرفض الخميني ذلك . وبعدما وقّعت اتفاقية الجزائر بين العراق وإيران عام 1395هـ / 1975 م ، طلبت الحكومة العراقية من الخميني التوقف عن مناهضة الشاه ، وإن لم ينصاع لذلك فيجب عليه مغادرة العراق حالا ، ففضل الإمام الخميني السكوت مؤقتا ريثما تتبدل الأوضاع السياسية . وفي عام 1976 جدد ( السافاك ) مطالبة العراق بأن يوقف الخميني نشاطاته الدعائية والدينية ضد النظام الحاكم في طهران ، فخيرته الحكومة العراقية بين اثنتين لا ثالث لهما : أما البقاء الصامت أو الرحيل الفوري . ففضل الخميني الرحيل فما لبث الشاه أن طالب بغداد بمنع مغادرة الخميني للعراق والتوجه للكويت أو غيرها لخطورة هذا الأمر عليه وعلى نظامه الظالم . وقبل ذلك بقليل ، تم إغتيال مصطفى النجل الأكبر لروح الله الخميني مساعده الأول لنقل تعليماته ورسائله إلى مريده ومناصريه في إيران في كمين دبره له جهاز السافاك.

الزحف الكبير لتعزية الإمام الخميني بنجله الأكبر مصطفى

وما لبثت حادثة استشهاد مصطفى ابن روح الله الخميني ، أن تحولت لمعارضة شعبية وإمامية شيعية شديدة للنظام الإيراني . ولإظهار الولاء للخميني ومعاداة الشاه ، اخترف آلاف الأنصار الإيرانيين الحدود العراقية الإيرانية لتقديم واجب العزاء الديني للإمام الخميني في العتبات المقدسة وخاصة في النجف الأشرف ، ولكن الشرطة الإيرانية منعتهم وقتلت بعضهم فعملوا على تنظيم المآتم الدينية في طهران وبعض المدن الرئيسية الإيرانية ، وكثرت الوفود لتعزيته ، فوجه الإمام الخميني رسالة صوتية بأشرطة الكاسيت إلى مناصريه الكثيرين عبر الحدود بعنوان : ” لقد سكبنا ما فيه الكفاية من الدموع ” فاعتبرت فتوى دينية مقدسة ، دعا فيها لتطبيق التعاليم الأربعة المشهورة ، المتمثلة : بمقاطعة المؤسسات الحكومية الإيرانية ، وسحب جميع أشكال وصور التعاون معها ، وعدم المساهمة بأي نشاط يفيدها ، وإقامة مؤسسات إسلامية في كافة الميادين والمجالات . وبذلك تعمقت حالة الثورة والغليان والغضب المتزايد بين جموع الشعب الإيراني الأعزل التواق للتغير الجذري .

الإمام آية الله الخميني .. وفلسطين والثورة الفلسطينية

زار الإمام الخميني لبنان عدة مرات ، واستقر فيها لبعض الوقت ، وتقول بعض وسائل الإعلام الفلسطينية والعربية والعالمية ، إن الإمام الخميني تلقى تدريبا عسكريا في معسكرات حركة فتح ( العلمانية ) العمود الفقري للثورة الفلسطينية في لبنان ، آنذاك حيث كانت تشجع حركة فتح الطائفة الشيعية في لبنان وخاصة بالجنوب اللبناني وتضم الكثير من الشيعة في صفوفها مثل القائد عماد مغنية الحارس الشخصي لياسر عرفات ( المعروف بالحاج رضوان ) الذي أصبح لاحقا المسؤول العسكري لحزب الله اللبناني وإغتالته قوة صهيونية في العاصمة السورية دمشق فاستشهد عام 2009 . كما أشارت بعض المصادر السياسية والإعلامية الفلسطينية إلى إرتباط الثورة الفلسطينية بعلاقات وطيدة مع مفجر الثورة الإسلامية الإيرانية آية الله الخميني ، واستقباله الحار في لبنان . واثناء عودته من المنفى رافقت مجموعة من الحراس الفلسطينيين الإمام الخميني لضمان عودته سالما إلى طهران . وتأتي سياسة الاهتمام الفلسطيني وخاصة ياسر عرفات رئيس حركة فتح ، ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية ، بالإمام آية الله الخميني كون الخميني معارضا للشاة الذي كان يرتبط بعلاقات وثيقة مع الكيان الصهيوني والإمبريالية الأمريكية الشريرة . وقد إعترف الإمام الخميني بالثورة الفلسطينية ورد لها الجميل الطيب ، الصاع صاعين ، وخصص سفارة فلسطينية كاملة الصلاحيات في طهران بعد انتصار الثورة الإيرانية عام 1979 ، واتخذت من مكان السفارة الصهيونية ( سفارة تل أبيب ) مقرا دائما لها واستقبل قادة الثورة الفسطينية بانتظام .
وقد دعمت الثورة الإسلامية الإيرانية الثورة الفلسطينية ، بالمال والعتاد والسلاح وفتحت معسكرات التدريب لآلاف الثوار الفلسطينيين ، واهتمت بحركة فتح ، لفترة طويلة . ووصل الأمر بقيادة حركة فتح للوساطة بين العراق وإيران عند إندلاع الحرب العراقية – الإيرانية بفترة السنين الثماني العجاف ولكن دون جدوى فكان كل طرف يحمل الطرف الآخر المسؤولية عن نشوب الحرب وتبعاتها . وبعد فترة من الزمن ، اتجهت القيادة الإيرانية لدعم حركة المقاومة الإسلامية ( حماس ) ، وحركة الجهاد الإسلامي ، وخاصة بعد وفاة الإمام الخميني طيب الله ثراه ، إبان انتفاضة فلسطين الكبرى الأولى ، وإعلان وثيقة قيام ( دولة فلسطين ) من الجزائر ، بشكل رمزي ، حيث توجهت القيادة الفلسطينية للمفاوضات السياسية برعاية أمريكية ومظلة عربية مع قيادة الكيان الصهيوني بفلسطين ، الأمر الذي رفضته القيادة الدينية والسياسية الإيرانية جملة وتفصيلا .
ومما يشهد للإمام الخميني رحمه الله ، تخصيص يوم الجمعة الأخيرة ( اليتيمة ) بشهر رمضان المبارك سنويا ، لنصرة القدس وفلسطين ، فيما عرف ب ( يوم القدس العالمي ) الذي تخرج فيه جموع الشعب الإيراني بالملايين في العاصمة السياسية طهران والمدينة المقدسة ( قم ) مدينة المراجع الدينية الإيرانية الشيعية وغيرها من عشرات المدن والقرى الإيرانية .

إيران والعراق .. وحرب الخليج الأولى ( 1980 – 1988 )

بعد إندلاع الثورة الإسلامية الإيرانية ، وانتصارها وإنشاء الجمهورية الإسلامية الإيرانية ، عام 1979 ، بقرابة عام واحد إندلعت الحرب الإيرانية العراقية ، بسبب التصريحات الإعلامية الجهادية النارية من قادة الثورة الإيرانية الجدد ، وبث الفتن والإشاعات الاستعمارية الأمريكية والأوروبية وبقايا الأجهزة الأمنية الإمبراطورية التابعة لشاة إيران وخاصة جهاز ( السافاك ) وهو الجهاز الأمني العسكري السياسي القمعي . وكذلك الخوف البعثي العلماني العراقي المسيطر على نظام الحكم العراقي آنذاك ، قبل حملة الإيمان الإسلامية بزعامة ( عزت إبراهيم الدوري ) بحزب البعث العربي الإشتراكي ، من تصدير الثورة الإيرانية الشيعية للعراق ، خاصة وأن نسبة كبيرة من العراقيين هم من الطائفة الشيعية . وكذلك تخوف الدول العربية من المد الإسلامي الشيعي منطلقا من إيران وبالتالي ساهمت عدة دوافع وعوامل إقليمية وعالمية في جر إيران الإسلامية لحرب ضروس عام 1980 مع العراق مع ما خلفته من دمار كثيف وعنيف ضد الشعبين المسلمين الشقيقين في إيران والعراق حيث اشتعلت الحرب البرية والجوية والبحرية بين الجانبين وقتل فيها قرابة مليون عراقي وإيراني من المسلمين المدنيين وشرد ملايين الأشخاص من ( السنة والشيعة على السواء ) في حرب غير مبررة ، ثم توقفت من طرف أحادي الجانب وهو العراق عام 1988 . ثم وافق الإمام الخميني على وقف إطلاق النار وحرب المدن في 8 آب 1988 م . وقد أضعفت الحرب السجال بسنواتها الثماني العجاف ( حرب الخليج اولى ) بين العراق وإيران المقدرات الاقتصادية الإيرانية وساهمت بأسر عشرات آلاف الجنود والمواطنين من الجانبين ثم أطلق سراحهم لاحقا دون أن تحتل أي منهما أي قطعة أرض من البلد الآخر . وقد أعلن الإمام الخميني رفضه لهذه الحرب التي قال عنها إنها فرضت على إيران فرضا بتآمر إقليمي ودولي من قوى الاستكبار العالمي .

الرسائل الإعلامية للخميني

عمد الإمام الكبير آية الله روح الله الخميني ، إلى توجيه رسائل صوتية منتظمة لأتباعه من قادة الثورة في إيران ، والمناصرين والمؤيدين والمتعاطفين ، يحثهم فيها على تطبيق الإسلام ، ونصرة المستضعفين في الأرض وعدم الإنصياع لتوجيهات وتعليمات وأوامر الشاة الطاغوت . كما خصص جزءا من الإعلام الصوتي للجيش الإيراني البالغ عدده قرابة 500 ألف جندي ، المدرب جيدا والمسلح بأحدث الأسلحة ، بأن ينصر الضعفاء وأن لا يستخدم السلاح ضد ابناء وطنه وأمته ، قائلا : ” لا تخدموا الشاه الطاغوت .. لا تطلقوا النار على إخوانكم المسلمين .. أنتم جنود الله المستضعفون في الأرض .. كل رصاصة تصيب قلب مسلم تصيب قلب القرآن ، أنصحكم بأن تعودوا إلى قراكم ومدنكم وأن تعودوا إلى الله .. أيها الجنود والضباط بالجيش الإيراني المسلم .. فروا من الجيش الإيراني بأسلحتكم لأنها أسلحة الله ” . وبذلك أستطاع الخميني نزع الجنود البسطاء من سطوة الضباط ، كما نزع ولاء الضباط للشاه ، ففرت كتائب بأسلحتها وانضمت للمتظاهرين الثائرين . وفي المقابل كانت حملة الإمام الخميني الإعلامية تحث أبناء الشعب على عدم مواجهة الجيش الإيراني ، بقوله : ” لا تهاجموا الجيش في صدره ، ولكن هاجموه في قلبه .. إذا صدرت إليهم الأوامر بإطلاق النار عليكم ، فلتعروا صدوركم ، فدماؤكم والحب الذي ستظهرونه لهم وأنتم تسلمون الروح لبارئها سوف يقنعهم ، فدماء كل شهيد هي ناقوس خطر يوقظ آلافًا من الأحياء “. وبهذا الأسلوب الخطابي الديني المسلم المسالم فصل الجنود عن الضباط وفصل الضباط عن الشاه ، فخر الجيش صريعا قبل النفير الديني الكبير والتفجير العظيم للثورة الإسلامية الشعبية .

عودة الإمام الخميني المظفرة لطهران ..
وإعلان الجمهورية الإسلامية الإيرانية 10 / 2 / 1979

يقول الله الواحد القهار جل جلاله : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (13)}( القرآن المجيد – الصف ) .

لقد حكم شاة إيران محمد رضا بهلوي إيران ما بين 1941 – 1979 . وقد نصب هذا الشاه على عرشه المزعوم تنصيبا عدوانيا أجنبيا خارجيا ، بعد احتلال الحلفاء لإيران ، وخلع والده رضا بهلوي إبان الحرب العالمية الثانية ، بسبب صداقة والده المزعومة مع أدولف هتلر قائد النازية الألمانية في أوروبا ، وتزويد الجيش النازي بالنفط . وفي سنوات الخمسينات من القرن العشرين الماضي قاد رئيس الوزراء الإيراني ( محمد مصدق ) إنقلابا ضد شاه إيران محمد رضا بهلوي ، ولكن بهلوي أعيد بتدخل المخابرات المركزية الأمريكية والمخابرات البريطانية ، بإنقلاب مضاد واستعاد العرش الإيراني بتدخل أمريكي قوي ، وبذلك كان طيلة فترة حكمة أداة طيعة بأيدي الأمريكان والبريطانيين توجه وتدار إلكترونيا ويدويا عن بعد كما يشاؤون . وقد أجبر الشاة الإيراني بهلوي على مغادرة طهران في 16 كانون الثاني – يناير 1979 ، للمرة الثانية ولكنها بدون رجعة للحكم في إيران وذلك بعد مظاهرات شعبية ضخمة ضد الظلم والطغيان والاضطهاد لأبناء الشعب الإيراني وضد جهاز السافاك ( الجهاز السري التابع لشاه إيران ) . وكان نظام الشاه بهلوي أجرى تغييرا على التعاليم الإسلامية في البلاد ، وعمل على منع الحجاب الإسلامي للمرأة وحظر جميع الأحزاب السياسية ما عدا الحزب الحاكم ( رستاخيز ) .

الإستقبال الشعبي العظيم للخميني .. 6 ملايين مستقبل

يقول الله الواسع الحكيم جل جلاله : { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (160)}( القرآن المجيد – آل عمران ) .

وبعد رحيل ومغادرة الشاه الإيراني الذليل الفاسد المغضوب عليه من شعبه محمد رضا بهلوي بأسبوعين ، عاد الإمام آية الله الخميني إلى إيران بصورة مظفرة ومنتصرة ، معلنا ملامح النصر المبين على أعدائه الفاسدين ، في 4 ربيع الأول 1399هـ / 1 شباط – فبراير 1979 ، في ظل الانتفاضة والثورة الشعبية الإسلامية الإيرانية التي وجه خلالها الخميني توجيهاته ودعواته المسجلة عبر الأشرطة المسجلة ( الرسائل الصوتية ) بصوته الحماسي الثوري ، من قلب باريس ، ضد نظام الشاه بهلوي ، وذلك قبل الإعلان عن نجاح الثورة الاسلامية في إيران بعشرة أيام . وقد تولى قيادة المظاهرات والمسيرات الشعبية الايرانية التي أدت إلى انهيار النظام الشاهنشاهي ( الملكي الإمبراطوري ) ورحيل الشاة لخارج إيران ، في 7 صفر 1399هـ / 16 يناير 1979 م ، إلى القاهرة بعد استيلائه وعائلته على مئات الملايين من الدولارات من البنوك الإيرانية ، بقوة الزخم الثوري ونزيف دماء آلاف الشهداء الطاهرة وعشرات آلاف الجرحى في جميع أنحاء إيران ، ثم الإعلان الرسمي عن قيام الجمهورية الاسلامية الإيرانية في 10 شباط 1979 .

خيارات إعلان الثورة الإسلامية الإيرانية

وفي السياق ذاته ، تذكر بعض كتب التاريخ المعاصر ، أنه جرى استقبال شعبي عظيم للإمام آية الله الخميني ، قائد ومفجر الثورة الإسلامية الإيرانية ، حيث استقبل الداعية الثوري الثمانيني من العمر ، بالمطار ستة ملايين شخص ، واستقل طائرة عمودية وطار جوا فوق رؤوس البشر المستقبلين . فإنهارت الحكومة الإيرانية الهشة وذابت وولت سلطة وهيبة الدولة والنظام السياسي أمام ثورته المجيدة وسرعان ما انضمت بعض وحدات الجيش الإيراني للمتظاهرين الغاضبين الساعين للنصر والحرية أو الاستشهاد . وما لبث الخميني أن جهر بعدم شرعية حكومة شهبور بختيار المعينة من الشاه ، وعين ( مهدي بازركان ) بدلا منه رئيسًا للوزراء ، فقام بختيار بإعلان الأحكام العرفية والحكم العسكري ، فجاء الرد الثوري سريعا من الإمام الخميني بإعلان العصيان المدني في البلاد ، وكتب ورقة بخط يده نُقلت صورتها على شاشة التلفزة الإيرانية الذي استولى عليها أنصاره ، فيها : ( تحدوا حظر التجول ) فتدفق الشعب المسلم الغاضب للشوارع بكثافة رهيبة غير مسبوقة ، وتصاعدت المواجهات الشعبية مع وحدات الأمن الموالية للشاه ، فاستولى المتظاهرون على كميات كبيرة من أسلحة الجيش الإيراني ، فجاء القائد الأعلى للقوات المسلحة الجنرال قرباغي إلى الخميني ذليلا صاغرا ، وأعلن استسلامه وحياد الجيش في المواجهات التي تحدث في المدن بين مؤيدي النظامين الثوري والقمعي ، وعادت قوى الجيش لثكناتها ، فأعلن الإمام الخميني ولادة الدولة الجديدة ، بالنظام الإسلامي الشيعي ( الجمهورية الإسلامية الإيرانية ) بعلم إسلامي خاص ، ورموز دينية خاصة ، بعد نزيف شعبي وثورة عارمة دامت الثورة فيها عامًا كاملاً استشهد بها ما يزيد عن 76 ألف شهيد ، وفر المارق شهبور بختيار إلى خارج إيران .
وفي أعقاب انتصار الثورة الإسلامية الايرانية بثلاثة أشهر ، تم تنظيم ( الاستفتاء الشعبي ) ، حول نوعية النظام الحكومي السياسي في البلاد الإيرانية المسلمة ، إذ صوّت السواد الأعظم من الشعب الايراني لصالح إنشاء ( الجمهورية الاسلامية ) بنسبة قاربت 98.5 % في سابقة هي الأولى من نوعها في إيران . فلم يسلب الإمام الخميني مقاليد السلطة بطهران من أحد بل لقد قاد الشعب المسلم بحكمة وحنكة وشجاعة وجرأة وعزة وكرامة ، نحو الفتح الإسلامي المبين وخلص شعبه من براثن التحكم الاستعماري الأمريكي والصهيوني البغيض بعد حياة حافلة بالمآسي والآلام ، آلام المخاض الثلاثي بين الإمبراطورية والثورة والجمهورية الإسلامية الجديدة ، لتجديد الإسلامي في ربوع الوطن الإسلامي .

التحول من الثورة إلى الجمهورية الإسلامية

أعلن رسميا عن قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية في 10 شباط 1979 وشكلت عدة لجان ثورية لمحاكمة أعداء الثورة الإسلامية وأجهزة النظام الشاهي الإمبراطوري السابق، وحُكم بالإعدام على كثيرين من الفاسدين منهم ، وصودرت أملاك الشاه وأسرته وحولت باسماء المستضعفين بالبلاد ، وتم تكليف بازرجان بتشكيل الوزارة الإيرانية الجديدة بالعهد الجمهوري الناشئ ، وعين كبار الضباط العسكريين المناهضين للشاه بقيادة المواقع والمراكز العليا بالجيش الإيراني الجديد . وأما الإمام آية الله الخميني فعمل على تعزيز المؤسسة الإسلامية الدينية ، فأنشأ ( مجلس قيادة الثورة ) للإشراف على الحكومة المؤقتة وقيادات الجيش الجديد الذي أعيد تشكيله ، وبرزت خلافات جديدة بين الخميني وبازرجان حول طبيعة الجمهورية الجديدة المعلنة ، فنادى الخميني بالاقتراع على الجمهورية الإسلامية فقط ، وتبوأ علماء الدين الشيعة مناصب عليا بكافة مؤسسات الدولة ، وأضحى أمام بازرجان التسليم بالأمر الواقع وعدم منافستهم ، وقرر الخميني أن تكون رئاسة الجمهورية تحت ولاية الفقيه ، ومنح الدستور هذا الفقيه صلاحيات واسعة ، فاضطر بارزجان لتقديم الاستقالة بعد عدة شهور من قيام جمهورية الثورة الإسلامية .
ووقع إختيار الإمام آية الله الخميني على ( أبو الحسن بني صدر ) لرئاسة الجمهورية الإسلامية ، فحاز أبو الحسن بني صدر على أعلى الأصوات ، فكان أول رئيس للجمهورية الإسلامية في شهر ربيع أول 1400هـ / كانون الثاني – يناير 1980م ، وبقي الخميني مشرفا ومرشدا عاما على شؤون الدولة الموجه لها ، وبرزت بعض المناوشات والخلافات السياسية والإدارية بين المرشد الأعلى ورئيس الجمهورية فاختفى بني صدر ، فمنع من مغادرة البلاد ، وتم التصويت على عزله من رئاسة الجمهورية وانتُخب ( محمد علي رجائي ) رئيسًا لإيران .
وحدثت عدة محاولات للإنقلاب العسكري بدعم أمريكي وأوروبي ضد الإمام الخميني ففشلت وأُحبطت في مهدها ، وفرض الغرب الأجنبي حصارا وعزلة على إيران وبرز النزاع السياسي والاجتماعي والاقتصادي والفكري والإيديولوجي في إيران داخليا وخارجيا ، بدعاوى سياسة تصدير الثورة حتى وفاة الخميني في 29 شوال 1409هـ / 3 حزيران – يونيو 1989 م ، بعد التطبيق الجديد لأول مرة في التاريخ المعاصر مسألة توجيه الفقهاء المسلمين مقاليد الحكم ، وتأسيس حكومة إسلامية تدار فعليا من قبلهم .

مهاجمة السفارة الأمريكية بطهران

وبعد عدة شهور ، من العودة الميمونة ، من باريس لطهران ، في ظل عهد الإمام آية الله الخميني ، كان الثوار المسلمون الإيرانيون وخاصة من الطلبة ، سيطروا على السفارة الأمريكية في تشرين الثاني – نوفمبر عام 1979 بعد سماح الرئيس الامريكى جيمي كارتر لشاه إيران السابق المخلوع محمد رضا بهلوي بالعلاج في أحد مشافي بالولايات المتحدة الأمريكية واحتجزوا 53 دبلوماسيا امريكيا وحارسا كرهائن في السفارة الأمريكية لمدة 444 يوما . وقد أيد الإمام الخميني عملية احتجاز الرهائن الأمريكيين مطالبا بمبادلة الرهائن بعودة شاه إيران المخلوع لمحاكمته العادلة على قذاراته السيئة في إيران ، ولكن الشاه توفي في مصر ، في 27 تموز – يوليو 1980م ، باستضافة الرئيس المصري آنذاك أنور السادات الذي وقع إتفاقية كامب ديفيد للسلام مع الكيان الصهيوني وقدرت أملاكه وأطيانه ب 40 مليار دولار ودفن في مصر ، بينما استمرت عملية إحتجاز الرهائن الأمريكيين بعد وفاته لأشهر حتى أخلى سبيلهم بعد وساطات كبيرة متعددة في كانون الثاني – يناير عام 1981 م .

الإمام الخميني .. المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران

لم ينصب الإمام آية الله روح الله الخميني نفسه إمبراطورا أو شاها ( كالشاه المخلوع في بداية استيلائه على العرش الإيراني ) أو ملكا أو رئيسا للجمهورية الجديدة ، كما يصنع الكثير من قادة الثورات أو الإنقلابات العسكرية ، في العالم عند انتصارهم ، بل عهد بمنصب الرئاسة الإيرانية ورئاسة الحكومة الإيرانية لأشخاص مدنيين سياسيين آخرين ، موالين للثورة الإسلامية الجديدة ، واكتفى الخميني بأن يكون الموجه والمرشد الأعلى للثورة الإسلامية ، ما بعد الثورة حتى وفاته لحوالي 10 سنوات ، بالفترة الممتدة ما بين ( 1979 – 1989 ) مع حرصه الشديد على تطبيق الإسلام ، على جميع الشؤون الإيرانية في البلاد ، ومحو آثار الشاة الإيراني المخلوع ( محمد رضا بهلوي ) ، وكان كثيرا ما يخطب بخطب الجمعة بطهران وقم ويدلي بالمؤتمرات والتصريحات الإعلامية التي تصب بمصب الثورة الإسلامية والسعي لتصديرها للخارج . وبعد إعلان الجمهورية الإسلامية الإيرانية ، حرص المرشد الأعلى للثورة الإيرانية آية الله الخميني على رعاية مصالح الطائفة المسلمة الشيعية في إيران والعالم وخاصة في العراق ولبنان وغيرها . وعمدت القيادة الدينية الإيرانية الجديدة لدعم مختلف الثورات في العالم لنصرة المستضعفين في الأرض ضد الإمبريالية الأمريكية والأوروبية والعالمية .

درجة الخميني الدينية .. آية الله العظمى الخميني

بعد عدة مؤلفات ودراسات فقهية وفلسفية وعلمية وعملية ، وصل المواطن المسلم الإيراني روح الله الخميني وفقا للتصنيفات الدينية الشيعية الحوزية لدرجة آية الله العظمى ، وهي ارفع الدرجات الدينية الشيعية السامية على الإطلاق . وبذلك لقب الخميني بآية الله العظمى روح الله مصطفى أحمد الموسوي الخميني ، نسبة لأصله وحسبه ونسبه ومكان ولادته ودرجته الإسلامية الدينية الشيعية العليا . وقد بلغ درجته الحوزوية آية الله مضافا إليها العظمى ( آية الله العظمى ) لأنه بلغ مرتبة الإجتهاد وأصدر رسالاته العلمية والعملية اي مجموعة فتاواه في العبادات والمعاملات في الإسلام .

مؤلفات الإمام الخميني .. كتب ورسائل وتعليقات ودواوين شعر ووصايا

للإمام آية الله روح الله الخميني ، العدد من المؤلفات والكتب والأبحاث والرسائل والخطابات الإسلامية : السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية والأدبية والفلسفية وغيرها . التي أعدها وخطها طيلة سني حياته الحافلة بالعطاء والنشاط الفكري والديني والرسالي الدعوي ، وقد بلغت هذه المؤلفات 50 مؤلفا ، كما أحصاها أنصاره ومريدوه . وفيما يلي قائمة بمؤلفاته :
1. شرح دعاء السحر
2. شرح حديث رأس الجالوت
3. حاشية الامام على شرح حديث رأس الجالوت
4. التعليقة على الفوائد الرضوية
5. شرح حديث جنود العقل والجهل
6. مصباح الهداية إلى الخلافة والولاية
7. تعليقات على شرح فصوص الحكم ومصباح الانس
8. الأربعون حديثاً
9. سر الصلاة
10. الآداب المعنوية للصلاة
11. رسالة لقاء الله
12. حاشية على الأسفار
13. كشف الأسرار
14. أنوار الهداية في التعليقة على الكفاية ( جزءان )
15. بدائع الدرر في قاعدة نفي الضرر
16. الرسائل العشرة
17. رسالة الاستصحاب
18. رسالة في التعادل والتراجيح
19. الاجتهاد والتقليد
20. مناهج الوصول إلى علم الأصول ( جزءان )
21. رسالة في الطلب والارادة
22. رسالة في التقية
23. رسالة في قاعدة ( من ملك )
24. رسالة في تعيين الفجر في الليالي المقمرة
25. كتاب الطهارة ( أربعة أجزاء )
26. تعليقة على العروة الوثقى
27. المكاسب المحرّمة ( جزءان )
28. تعليقة على وسيلة النجاة
29. رسالة نجاة العباد
30. حاشية على رسالة الإرث
31. لمحات الأصول ( تقريراً لدرس آية الله العظمى البروجردي )
32. تحرير الوسيلة ( جزءان )
33. كتاب البيع ( خمسة أجزاء )
34. الحكومة الإسلامية وولاية الفقيه
35. كتاب الخلل في الصلاة
36. الجهاد الأكبر
37. رسالة توضيح المسائل
38. مناسك الحج
39. تفسير سورة الحمد
40. استفتاءات ( ثلاثة أجزاء )
41. مسائل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
42. ديوان شعر
43. سبوي عشق ( شعر فارسي )
44. ره عشق ( شعرفارسي )
45. باده عشق ( شعر فارسي )
46. نقطه عطف ( شعر فارسي )
47. محرم راز ( شعر فارسي )
48. صحيفة الإمام ” مجموعه آثار الإمام الخميني ” ( 22 جزءا )
49. صحيفة النور ( فارسي )
50. الوصية

الإمام الخميني .. وفتوى إهدار دم السفيه سلمان رشدي

كما عرف عن الإمام آية الله الخميني دفاعه القوي عن الإسلام والمسلمين في العالم ، وإصداره الفتاوى الدينية الإسلامية حيال مواضيع سياسية مركزية تهم السواد الأعظم من المسلمين . فمثلا ، أصدر فتوى تهدر دم الكاتب الشيطاني البريطاني الجنسية والهندي الأصلى ( سلمان رشدي ) لتأليفه كتاب ( آيات شيطانية ) يتهجم فيها على رسول الله المصطفى الحبيب محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ، وينتقص من كرامة وعزة الأمة الإسلامية والإسلام عموما حيث رصد الخميني مكأفاة مالية لمن يقتل هذا الشيطان الأجنبي ويخلص المسلمين من شروره وسمومه .

وفاة الإمام آية الله الخميني

يقول الله المحيي المميت جل جلاله ، باعث الناس ليوم البعث والحساب العظيم : { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185) لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186)}( القرىن المجيد – آل عمران ) .

بعد حياة جهادية ودعوية وإعلامية ثورية إسلامية من الطراز الأول ، توقف قلبه عن الخفقان ، وتوفي الإمام الفقيه الفيلسوف الثائر ( أبو الإيرانيين المسلمين الجدد ) آية الله العظمى روح الله الخميني رحمه الله ، ملبيا نداء ربه الحي القيوم ، منتقلا للرفيق الأعلى ، في 3 / 6 / 1989 م ، عن عمر يناهز أقل من تسعة عقود زمنية ، نبض فيها قلبه بالحياة الدافقة والعلم والدين الإسلامي ، والثورة النافعة والطاردة للظلم والطغيان والبغي ، فجمع بين الإمامة وعالم الدين والسياسة والفلسفة والزعيم الثوري الكبير . ودفن جثمان الإمام آية الله الخميني في مدينة طهران العاصمة السياسية والإدارية الإيرانية ، بمشاركة قرابة 7 ملايين مشيع ، في حالة من الحزن الشديد والهلع والأسى على قائد نادر مثله وإيمان بقضاء الله وقدره المحتوم ، كما ذكرت بعض وسائل الإعلام آنذاك ، وله ضريح معروف بمكان دفنه قريبا من مقبرة تسمى جنة الزهراء ( بهشت زهراء ) .

دروس وعبر مستفادة لقيادة الإمام الخميني للثورة الإسلامية الإيرانية

يقول الله العلي العظيم جل جلاله : { انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (41) لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (42) عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (43) لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (44) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (45) وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (46)}( القرآ، المجيد – التوبة ) .

إنصافا للعدل والعدالة والحق والحقيقة ، والتوازن الإسلامي المتزن المعتدل ، وبعيدا عن العصبية والتعصب القبلي والمذهبي والسياسي والإعلامي ، الإسلامي والإقليمي والعالمي ، هناك العديد من الدروس والعبر التي يتوخى الإستفادة منها في سير الحياة الجهادية لعظماء الثورات في العالم ، والثورات الإسلامية عموما ، والإمام آية الله الخميني على وجه الخصوص ، وأهم هذه العبر والعظات ما يلي :
أولا : الصدق والبساطة في طرح الأفكار الثورية لتغيير واقع الفساد والمفسدين في الأرض .
ثانيا : إنتقاء الشخصية القيادية الفذة لقيادة سفينة الثورة لامتصاص تلاطم الأمواج العاتية من كل حدب وصوب .
ثالثا : من الصفات القيادية المثلى في قائد الثورة : العلم والبساطة والزهد والتقشف والقدرة الإعلامية ، والشعبية المتزايدة والإطلاع على الأمور أولا بأول .
رابعا : الإيديولوجية الجهادية الثورية المناسبة الممتدة ، وخاصة الإيديولوجية الإسلامية الغراء ، والقرآن المجيد قلب الإسلام العظيم ، والتواصل الشعبي الإسلامي . واستثمار المناسبات الدينية والقومية في تأليب الجمهور على الفاسدين والمفسدين .
خامسا : استخدام الثورة الشعبية للتغيير الجذري فهي الأكثر نجاحا وفلاحا لطرد الفاسدين سواء أكانوا المحليين أو المستعمرين والمحتلين الأجانب أو جميعهم . فالثورة الشعبية الجماهيرية ، أقوى وأمضى من جميع أشكال وألوان الأسلحة العصرية .
سادسا : اللجوء لوسائل الإعلام للإعمام والتعميم على جميع أبناء الشعب الساعي لنيل الحرية والتحرير والاستقلال . وكذلك الاستعانة بالحلفاء والأنصار والمؤيدين قدر الإمكان على المستويات الإقليمية والعالمية .
سابعا : العمق الاستراتيجي للثورة ، وضرورة مشاركة السواد الأعظم من الشعب بالثورة من مناطق مختلفة في الأرياف والحواضر .
ثامنا : الجهاد في سبيل الله والتضحية والفداء في سبيل التغيير ونيل المبتغى الشامل . فلا بد للشعب الراغب بتغيير الواقع الفاسد لواقع أفضل من تقديم قوافل الشهداء والجرحى والأسرى على مذبح الحرية الندية .
تاسعا : التلاحم الوطني بين جميع المعارضين للفساد والفاسدين لضمان سير بوصلة التغيير نحو الأهداف الاستراتيجية والاتكتيكية المرسومة بسرعة مقبولة .
عاشرا : تحييد قوى الأمن الداخلي والجيش والأجهزة الأمنية في حالة التغيير والثورة الداخلية على الظلم والطغيان ، فالثورة الشعبية أكثر جدوى من الإنقلاب العسكري .
حادي عشر : ضرورة وجود سياسة طول النفس ، والروح الجهادية المنتظمة باستمرار . فالتغيير الجذري نحو الحياة المثلى والفضلى لا بد لها من القناعة والاقتناع والديمومة دون يأس أو قنوط من حتمية النصر .
ثاني عشر : الهجرة في سبيل الله ، وعدم التراخي أو التقطع الزمني ، وإلتقاط الأنفاس بين الحين والآخر لجموع المشاركين بالثورة الشعبية .
ثالث عشر : الإيمان بحتمية النصر الإلهي للشعوب والأمم المضطهدة . فإرادة الله العزيز الحكيم تبارك وتعالى ، تحتم وتقضي بانتصار المظلومين والمغلوبين على أمرهم على البغاة الطغاة ولو بعد حين .
رابع عشر : التنظيم المؤسسي الداخلي لتوجهات الثورة في مؤسسات وتنظيمات إجتماعية بتوجيه قيادة سياسية واحدة ، برأس واحد كرمز للأمة والشعب المجاهد في سبيل الله من أجل التغيير الفعلي . فالفئة القليلة المنظمة تغلب الفئة الكثيرة التي يغيب عنها التنظيم الإداري والسياسي المحكم .
خامس عشر : استعمال المنابر الدينية والتعليمية كالمدارس والجامعات في التحريض الإيجابي على المقاومة والثورة الشعبية ، لضم أتباع ومريدين جدد باستمرار .

والله ولي التوفيق . سلام قولا من رب رحيم . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

المراجع

الموسوعة العربية العالمية .
ويكيبيديا الموسوعة الحرة .
مواقع إلكترونية – الانترنت .
إسلام أون لاين . نت .
شبكة الإسراء والمعراج ( إسراج ) .
محمد حسنين هيكل : مدافع آيات الله – دار الشروق – القاهرة – الطبعة الرابعة 1988.
آمال السبكي: تاريخ إيران بين ثورتين (1906-1979) – سلسلة عالم المعرفة – الكويت عدد 250 – أكتوبر 1999.
فريد هوليدي : مقدمات الثورة في إيران – دار ابن خلدون – بيروت – الطبعة الأولى – 1979.
إبراهيم الدسوقي شتا : الثورة الإيرانية ( الجذور – الأيديولوجية ) – دار الوطن العربي – بيروت – 1979.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s