الصَّدَاقَةُ بَيْنَ النَّاسِ .. وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا.. الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ

الصَّدَاقَةُ بَيْنَ النَّاسِ ..
وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا..
الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ..
لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ

د. كمال إبراهيم علاونه
أستاذ العلوم السياسية والإعلام
الرئيس التنفيذي لشبكة الإسراء والمعراج ( إسراج )
نابلس – فلسطين العربية المسلمة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

يقول اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ جَلَّ جَلَالُهُ : { إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (64) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (65) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (66) الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (67) يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (68) الَّذِينَ آَمَنُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (69) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (70) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (71) وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (72) لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ (73) }( القرآن المجيد – الزخرف ) .
وجاء في سنن أبي داود – (ج 12 / ص 458) عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ” لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ ” .

استهلال

الخُلَّة تعني الصَّداقة ، والصداقة هي الإخلاص والثقة والود والمحبة والمودة وعدم الغدر بين طرفين . والصدق أمر محبب فهو خير لا بد منه ، والصدق هو عنوان وأساس الصداقة . والصدق هو ضد الكذب والدجل والشعوذة . والصداقة هي الإخوة والإخاء الاجتماعي الصادق ، وتعني التعاقد الشفوي المعلن والخفي على التعاون والتعاضد والتساعد ونصرة الحق وإزهاق الباطل .
والصداقة والأصدقاء ، هي من الأمور الحياتية الضرورية لحياة الكائنات الحية ، الناطقة وغير الناطقة ، والإنسان بدوره يحتاج للصداقة والأصدقاء في جميع شؤون حياته اليومية . فالصديق هو الشقيق أو الأخ القريب أو الزميل النجيب أو الجار الحبيب الذي يهب لمساعدة صديقه وقت النوائب والأهوال والمصائب دون أن يطلب منه ذلك . فمن صفات الصداقة التعاونية الحقة المبادرة لمعاونة الصديق حالا دون تأخير ما إستطاع إلى ذلك سبيلا . فصديق المرء هو من يَصدقه ويُصدقه في الآن ذاته ، وليس بالصديق الذي سرعان ما ينهش من لحم صاحبه ويشهر به بين الناس ، على أتفه المواضيع .

الصديق وقت الضيق

يقول الله الحي القيوم عز وجل : { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2) }( القرآن المجيد – المائدة ) .

هذا المثل الشعبي الشائع ( الصديق وقت الضيق ) هي من الأمثال العربية المشهورة عبر التاريخ الإنساني ، ويعني بمجمله أن الصديق هو كل من يبادر لنجدة صديقه معنويا وماديا حسب الحاجة لومتطلبات الحياة المعيشية والاجتماعية والاقتصادية الضرورية . فالصديق الحقيقي هو من يسارع إلى مشاركة صديقه بالأفراح والأتراح في مقدمة المهنئين أو المعزين ، وليس في آخرهم ، ويقف إلى جانب صديقه يفرح معه بالفرح ، ويشاطره الحزن وقت النوائب والكوارث والفشل في مشروع معين أو دراسة مدرسية أو جامعية وما شابهها .
وكما نعرف جميعا ، فإن الدهر يومان : يوم لك ويوم عليك يا أيها الإنسان ، فالصديق المرائي هو الصديق الذي يلزمك في حال قوتك وشهرتك وصحتك ومنعتك ونجاحك الباهر ، وعند تعرضك لنكسة أو إشاعة هدامة مغرضة صغيرة أو كبيرة ، فإنه يتولى عنك بعيدا ، وكأنه لا يعرفك سابقا . وهناك من يصادقك للحصول على منفعة أو مصلحة ما ، فإن لم تستطع تقديمها له ولى عنك غائبا هاربا ، فأحذر من هذا النوع من الصداقات لأنها تجر لك أذيال الفشل والخيبة ، ولهذا كن متأنيا في إنتقاء الأصفياء الأنقياء الأحباء الأصدقاء .
فالصديق المؤمن هو الذي يقف إلى جانب صديقه وأمامه يدافع عنه ، وينصره على الأشرار في حضوره وغيابه على السواء ، وأما الصديق الكافر أو المنافق هو الشرير الذي يتربص بصديقه الدوائر .
والصديق الوفي ، هو الذي يعمل على إرضاء الله أولا ثم إرضاء نفسه ثانيا فإرضاء صديقه ثالثا ، وليست الصداقة بأن ينتظر الإنسان الحصول على منافع أو مصالح مالية عينية أو نقدية مقابل صداقته ، بأي حال من الأحوال . فهناك صداقة من أجل الصداقة وهي دائمة الود والمحبة ، وعلى نقيضها صداقة المال والجاه والسلطان ، وهي صداقة زائلة .
وهناك الكثير من الأصدقاء الطارئين ، الذين يحاولون إقتناص الفرص لحصد أكبر كم من الغنائم المفترضة من صديقهم الثري أو العالم أو السياسي أو الإعلامي دون وجه حق ، كالجاه والمال والشهرة والمناصب المرموقة وغيرها .

رب أخ لك لم تلده أمك

هذا المثل الشعبي العربي ( رب أخ لك لم تلده أمك ) ، هو من الأمثال الشعبية المتداولة بكثرة في المجتمعات العربية والإسلامية ، ويرمز إلى مسارعة إنسان لمساعدة إنسان آخر ، يعرفه أو لا يعرفه ، لوجه الله تعالى ، وفق مبدأ التعاون والتآخي الإسلامي الأصيل . فالتعاون في الإسلام واجب على الجميع من أبناء خير أمة أخرجت للناس . وهناك الكثير من الأصدقاء ، هم بمثابة الإخوة الذين يقدمون يد العون والمساعدة لغيرهم دون انتظار ما يتم رده عليهم أو إليهم ، فهؤلاء هم الإخوة الأصحاح الأقحاج الأصلاء ، الذين لم تلدهم الأمهات .

صداقة المتقين الأخيار

جاء في صحيح البخاري – (ج 21 / ص 283) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ قَالَ تَحْجُزُهُ أَوْ تَمْنَعُهُ مِنْ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ ” .

كثيرة هذه الصداقات بين الناس ، ولكنه قليلها هو المجدى نفعا ، والأصدقاء على عدة أنواع :
الأول : الصديق الذي يقدم خدمة لصديقه من أجل الصداقة ظاهريا ، وبغية تبادل المنافع والمصالح أو الإستثار بها باطنيا .
الثاني : الصديق الذي يقدم خدمة لصديقه أو اصدقائه ، لنيل الثناء والمديح من الناس ، والشهرة الإعلامية بين البشر .
الثالث : الصديق التقي : الذي يقدم خدمة لصديقه أو أصدقائه أو من لا يعرف من الناس إبتغاء وجه الله ، فهذه هي الصداقة الصحيحة الحقيقية .

وغني عن القول ، إن الصداقة الطيبة المباركة الخيرة ، تختلف إختلافا كبيرا عن الصداقة الشريرة الناقصة الشحيحة . فأصدقاء الخير هم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ، بينما أصدقاء الشر هم من يحبذون العصبية القبلية ، ويصطفون خلف صديقهم على الباطل دون أن يلقوا إلى ذلك بالا فهؤلاء هم الناهون عن المعروف والآمرون بالمنكر والعياذ ابله العلي العظيم من هذه الصداقة .
فكن يا أيها الإنسان من أصدقاء الخير وللخير دون إفراط أو تفريط ، ولا تكن من أصدقاء الشر تحت أي ظرف من الظروف ، وانصر صديقك ظالما أو مظلوما ، باتجاه بوصلة الخير فقط وتجنبا للشر المستطير .

إتق شر من أحسنت إليه .. لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى

يقول الله الحميد المجيد جل جلاله : { مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (262) قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (263) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (264) }( القرآن المجيد – البقرة ) .
هذا الشعار ( إتق شر من أحسنت إليه ) نشاهده في الكثير من لوحات الحائط التي تنفر الناس من مساعدة بعضهم البعض ، وتساهم في بث الشك والتشكيك والريبة والخوف من مساعدة الآخرين ، ونزع الثقة بين الناس . وكثيرا ما يردد بعض الناس هذا المبدأ المنحرف عن المسيرة الحياتية القويمة ، دون أن يعرف مغزاه أو المعنى المقصود منه ، فإتقاء الشر واجب ، والمبادرة للخير فريضة إلهية على جميع المسلمين . وهذا الشعار وإن كان فيه بعض الصحة إلا أنه يوتر العلاقات الاجتماعية والاقتصادية بين الناس ، ويساهم في انتشار الخوف من مساعدة الآخرين ، ويعمق الحقد والكراهية والتباطؤ في نصرة المستضعفين ، وبالتالي فإنك عندما تلجأ لمساعدة الآخرين فلا تطلب منهم جزاء ولا شكورا بل فأطلب الثواب الجزيل من رب العالمين ، فهذا هو الجزاء الأوفى والثواب الأجزل والأجدى في جميع الحالات . ولا تصنع معروفا لإنسان ، من أجل نيل الثناء الطيب من الناس ، فرب العالمين هو صاحب الفضل العظيم في تثبيت الأجر الحسن العظيم .

الصديق المنافق

يتظاهر البعض بأنه صديق لك ، ويوهمك تمام الإيهام أنه صديقك ، ولكنه في أول حالة تتعرض فيها لعثرة أو فشل صغير سرعان ما ينقلب ضدك ، وينضم لمعارضيك ، ومناوشيك ، فيعاديك ، تحت ذرائع شتى ، ولم يكلف نفسه أن يرشدك ويهديك نحو الصراط المستقيم إن أخطأت أو نَسيت أو نُسيت . وبناء عليه ، فلا تصادق الطارئين ، ولا تثق تمام الثقة بالمنافقين ، وكن حذرا ومنتبها من الغدر والمكر الخبيث .
والنفاق العام ، هو من صفات أصدقاء السوء في هذا الزمان ، غيره من الحقب الزمنية الخالية ، وأسوأ الصداقات هي صداقات النفاق العام أو الخاص ، فإذا رايت إنسانا منافقا فلا تصاحبه وابتعد عنه كل الابتعاد ، ولا تخالطه بتاتا ، لأنه سيجر لك الويلات والخسران المبين في الحياة الدنيا والآخرة .

نموذج صداقة إسلامية

ورد بصحيح البخاري – (ج 2 / ص 269) خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ عَاصِبٌ رَأْسَهُ بِخِرْقَةٍ فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ النَّاسِ أَحَدٌ أَمَنَّ عَلَيَّ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ مِنْ أَبِي بكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ النَّاسِ خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا وَلَكِنْ خُلَّةُ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ سُدُّوا عَنِّي كُلَّ خَوْخَةٍ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ غَيْرَ خَوْخَةِ أَبِي بَكْرٍ ” .

في الحياة الإسلامية العامة والخاصة ، هناك نموذج مثالي من الأصدقاء الصالحين ، وهي صداقة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم ، مع ابي بكر عبد الله بن ابي قحافة ، بمكة المكرمة ، والمدينة المنورة بالأرض الجنوبية المقدسة ، وهي أمثل أنواع وأشكال الصداقات العميقة ، فقد سمي أبو بكر رضي الله عنه بلقب الصديق ، لأنه كان يصدق رسول الله المصطفى في كل ما يقوله ، فتلك صداقة الإيمان القوي .
وهناك صداقة علنية ، وصداقة خفية مستترة ، فالصداقة العلنية هي البارزة الظاهرة للعيان للصديقين ، ومعلنة على الملأ . والصداقة الخفية المستترة التي تظهر فجأة في الطوارئ ، وهي أقوى أنواع الصداقات التي تثمر عن علاقات طيبة مباركة بين فريقين أو بين شخصين أو مجموعتين على السواء .
والصداقة الدائمة أو التي تستمر أطول فترة زمنية ممكنة ، هي الأمثل من الصداقة المصلحية المؤقتة الموسمية أو الطارئة للحصول على منفعة أو منافع منتظرة .

أنواع الصداقة

جاء في المعجم الكبير للطبراني – (ج 11 / ص 348) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا ، عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا مَا ، وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا مَا ، عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْمًا مَا ” .
فالصداقة يجب أن تكون معتدلة بعيدة عن التطرف بالحب الشديد أو الزيارات المتكررة كثيرا لبيوت الأصدقاء التي تزعجهم فتنقلب الصداقة إلى متاهة صعبة .
والصداقات على أنواع وأشكال وألوان متعددة غير متشابهة ، من أبرزها الآتي :
أولا : صداقات الطفولة : وهي صداقات لحظية أو مصلحية للحصول على مأكولات أو العاب أو زيارات أو رحلات بالحدائق أو المتنزهات القريبة أو اللعب بالعاب جماعية أو ثنائية . وهي صداقات بريئة كل البراءة لا تحكمها سياسات الخبث والخبثاء الماكرين . وهي صداقات دائمة أو مؤقتة أو طارئة ، وهي موجهة من الكبار خاصة من الآباء والأمهات والإخوة والأخوات والأقارب وسواهم .
ثانيا : الصداقة المدرسية : وهي تتمثل بصداقات التلاميذ أو الطلاب في المدرسة ، للمشي معا ، أو الذهاب والإياب من وإلى المدرسة معا ، وتبادل المعلومات والمعارف المدرسية .
ثالثا : الصداقة الجامعية : وقد تكون صداقة متبادلة في مرحلة معينة من مراحل سني الإنسان ، وتبرز هذه الصداقة في الحرم الجامعي ، ويعقبها تبادل الزيارات الاجتماعية والمجاملات الطلابية ، وتبادل الكتب ودفاتر المحاضرات وغيرها . وهي صداقة مؤقتة محصورة للفترة الجامعية ، ولكن بعض هذه الصداقات يمتد للحياة العملية ، وربما تتطور العلاقة لتصبح صداقة ثنائية طويلة الأمد بين الطالبين الجامعين ، وأحيانا تنتقل الصداقة بين عائلتي الطالبين . وهناك من الأصدقاء من الجنسين ، طالب وطالبة ، وهي صداقات غير متكافئة ، وهي صداقة مضرة إذا لم تكن بريئة أو زمالة جامعية شريفة ، وكثيرا ما تفشل هذه الصداقات المبنية على ما يسمى ( الحب الجامعي ) وتنقلب شرا على رأس الفتاة أو الشاب أو كليهما حسب طبيعة المجتمع الذين يعيشون فيه . والصداقة الجامعية الناجحة والفالحة هي التي تثمر عن عقد القران وكتاب كتاب الزواج بين الصديق والصديقة الجامعية وما ينجم عنها من توطيد العلاقات الاجتماعية بين أسرتي العريس وعروسه الجامعية ، فهنا تنتقل الصداقة أو الزمالة الجامعية إلى حياة زوجية يانعة .
رابعا : الصداقة في العمل : يعمد بعض الموظفين أو العمال في شتى أجنحة الاقتصاد في العالم لبناء صداقة أو صداقات جديدة ، وهذه الصداقات تنمو وتترعرع في أحضان العمل ، في الوزارة والمدرسة والشركة والمصنع والمنشأة والمحلات التجارية وما شابهها . وهي صداقات زمالة ، يمكن أن ينتج عنها زيارات ثنائية أو عائلية متبادلة . وخير هذه الصداقات في مواقع العمل ، التي تقوم على المشاركات الجماعية للعمال أو الموظفين لزملائهم الذين يتعرضون لنوائب أو نكبات معينة أو افراح ومناسبات اجتماعية سارة كالخطبة والزواج والنجاح وسواها .
خامسا : الصداقة العامة : كالصداقة بين أبناء الجيل الواحد أو الأجيال المتعاقبة أو صداقة الجيران ، أو صداقة النساء وما ينجم عنها من صداقات جديدة للعائلة .
سادسا : الصداقة الحزبية : وهي الصداقة السياسية والانتماء لحزب سياسي أو حركة إجتماعية أو مجموعة اقتصادية ، ويجب أن يقوم جميع الأصدقاء بواجباتهم وأن يأخذوا حقوقهم في بوتقة اجتماعية سياسية بائنة أو مستترة . وترتقي الصداقات المتعددة الجوانب والميادين في الانتخابات المحلية أو البرلمانية أو الرئاسية أو غيرها .

الأصدقاء الأعداء .. وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُسْلِمًا

جاء في سنن الترمذي – (ج 8 / ص 275) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” مَنْ يَأْخُذُ عَنِّي هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ فَيَعْمَلُ بِهِنَّ أَوْ يُعَلِّمُ مَنْ يَعْمَلُ بِهِنَّ . فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَقُلْتُ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَخَذَ بِيَدِي فَعَدَّ خَمْسًا وَقَالَ : ” اتَّقِ الْمَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ وَأَحْسِنْ إِلَى جَارِكَ تَكُنْ مُؤْمِنًا وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُسْلِمًا وَلَا تُكْثِرْ الضَّحِكَ فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ ” .
أحيانا ، بعد خلافات أو مشاحنات بسيطة أو كبيرة ، تنقلب الصداقة إلى عداوة بغيضة وسباب وشتائم رخيصة ، والسبب قد يكون ماديا أو معنويا ، فتتبدل الصداقة إلى قطيعة قد تستمر لفترة وجيزة أو طويلة . والأصدقاء يفترض فيهم النأي عن الإشكالات المتوترة بينهم لتكون حياتهم هانئة سعيدة بعيدة عن المنغصات والمصانعة والنفاق والارتجال والغضب السريع . فالصديق قد ينقلب إلى عدو لدود ، بين عشية وضحاها ، وتظهر مظاهر الخصام بدلا من الوئام ، ويفترض أن تكون عرى الصداقة تلقي بظلالها الطيبة عوضا عن الكراهية والبغضاء والشحناء . فيا أيها الأصدقاء إلتمسوا لأصدقائكم عذرا ، ولا تلوموا غيركم ولوموا أنفسكم ، وأبتعدوا عن اللوم والملامة ، فلا تجنوا منها سوى الندامة . وحافظوا على أصدقائكم ، والتمسوا لهم عذرا ، فإذا أردتم المخاصمة في تضيعوا وقتكم في معاداة غيركم .

فوائد الصداقة .. وَلَا تَبَاغَضُوا

جاء في صحيح البخاري – (ج 19 / ص 11) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ” إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا ” .

مهما يكن من أمر ، إذا تعرضت لنائبة من نوائب الحياة الدنيا أو اختبار رباني ، أو احتجت لقرض مالي للسكن أو الدراسة ، أو رغبت بزواج مأمون مضمون ، لك أو لأحد الأبناء أو البنات ، أو أخفقت في ابتلاء دنيوي ، أو فشلت في الحياة الجامعية أو المدرسية أو تعرضت الحياة الزوجية لبعض المتاعب والمحن ، أو سلكت طريقا لطلب العمل ، أو أضطررت سريعا للسفر ، فإنك ستلجا حتما لحل مشكلاتك بنفسك بالحكمة والعقلانية ، وإذا عجزت عن ذلك فإنك تلجأ للإخوة أو الأخوات وإذا عجزوا فإنك ستطرق باب الأصدقاء لمساعدتك أو للاستشارة والنصيحة أو لإصلاح ذات البين . فالصداقة أمر لا بد منه في الحياة الإنسانية العامة والخاصة على السواء .

على أي حال ، للصداقة عدة مزايا نفسية واجتماعية واقتصادية عامة وخاصة ، ظاهرة وباطنة ، دائمة أو مؤقتة أو طارئة ، مجتمعة أو متفرقة ، وإجمالا من أهم فوائد الصداقة ما يلي :
أولا : الطمأنينة والاستقرار النفسي .
ثانيا : الأمن والأمان الاجتماعي .
ثالثا : الحصول على منافع مادية وقت الأزمات والنكبات .
رابعا : تطوير الذات علميا وأكاديما وإعلاميا .
خامسا : الشهرة الاجتماعية الضيقة أو الواسعة .
سادسا : المشاركة الجماعية في الأفراح والأتراح .
سابعا : النسب والأصهار .
ثامنا : بث الثقة ونزع فتيل الفتن .

كيف تختار صديقا حميما

ورد في مسند أحمد – (ج 22 / ص 454) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ” لَا تَصْحَبْ إِلَّا مُؤْمِنًا وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ ” .
فالوصية النبوية الشريفة الخالدة ، منذ أكثر من اربعة عشر قرنا من الزمان ، هي مصاحبة المؤمنين فقط دون غيرهم ، وعدم إطعام الطعام إلا للأتقياء ، والمقصود إطعام الطعام عبر الزيارات الاجتماعية ، لأن الصديق الزائر ، يدخل بيت صديقه ، ويعرف ما بداخله ، وربما يتعرض البيت وأهله للتجسس على أحوالهم ، من بعض الأصدقاء المنافقين الذين جاؤوا للتحسس والتجسس ، ونقله لأعدائهم ، ومعرفة أماكن ضعفهم وعورة بيتهم ، وفي هذا بلاء من الأصدقاء يقدم مجانا للأعداء . فجاء الحديث النبوي العظيم ، لإرشاد الأصدقاء نحو الطمأنينة والسلامة الاجتماعية والنفسية .
فكم من صديق جار على صديقه وظلمه ؟؟! وكم من صديق تجسس على صاحبه ووشى به ، وتسبب في اعتقاله أو جرحه أو موته ؟؟! وكم من صديق غدر بصديقه وأورده مهاوي الردى ؟؟! وكم من صديق سرق صاحبه ، بعد وجبة غذاء دسمة ؟؟! وكم من صديق غدر بأهل بيت صديقه ؟؟! وكم من صديق إبتز صديقه ماليا وعينيا ؟؟!
فطوبى للإخوة والأصدقاء المؤمنين المتحابين في الله ولله وبالله العلي العظيم . فصادقوا المؤمنين المتقين المصطفين الأخيار ، من الأحباء العلماء الكرماء الأصفياء الأتقياء الأنقياء النجباء وابتعدوا عن مصاحبة السافلين البلهاء البخلاء السفهاء الغرباء الجهلاء الجبناء الذين يعتبرون أنفسهم من الوجهاء .
وبرأينا ، هناك العديد من المبادئ والأسس والقواعد السلوكية ، والقيم العليا التي تحكم عملية بناء الصداقة الجديدة أو تمتين العلاقة مع الصديق القديم ، وكلما قل عدد الأصدقاء كلما زادت متانة علاقات الصداقة ، وأبرز هذه المبادئ والأسس :
أولا : الجيل الواحد وتقارب السن : فلا تصادق أو تصاحب من هو أصغر أو أكبر منك سنا بفترة زمنية طويلة . فلا توجد صداقة حقيقة بين طفل وطاعن في السن ، بل هي عطف وحنان وشفقة ، وإحترام للكبير ، ولا توجد صداقة بين شاب وكبير في السن لاختلاف الرؤى والرؤيا العامة . وخير الصداقات الأسرية والعائلية ، هي بين الآباء والأمهات والأبناء والبنات .
ثانيا : مصاحبة الأخيار والابتعاد عن الأشرار . فالمؤمن ينتقى من بين الناس الصديق بالمفرد أو الأصدقاء الجماعة ، من الفضلاء الصالحين والمحسنين والمتقين ، وممن يدعون إلى الخير وينبذون الشر ، فلا تصاحب كافرا أو سكيرا مدمنا على الخمر أو سارقا وابتعد عن أصحاب الكبائر والموبقات والرذائل . فصاحب ورافق من يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة .
ثالثا : صاحب الكرماء ولا تصاحب الطامعين والماديين والبخلاء .
رابعا : صاحب العلماء وابتعد عن الجهلاء .
خامسا : إبتعد عن مصاحبة الفتيات أو النساء الأجنبيات عنك . وابتعدي عن مصاحبة الرجال الأجانب عنك .
سادسا : صاحب أصحاب الرأي السديد الرشيد .
سابعا : لا تخالط إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي .
ثامنا : لا تبح أو تبوحي للأصدقاء بجميع أسرارك أو أسرار الأسرة لأنها مسائل خاصة .
تاسعا : جرب الصديق معنويا أو ماديا أو كليهما قبل أن تبني علاقة متينة معه ، كالحصول على استشارة أو قرار أو مساعدة علمية أو خلافها .
عاشرا : ابتعد وكن حذرا من مصاحبة أصحاب السوابق والجرائم والجنح بدعاوى توبتهم أو تأنيب ضميرهم لهم .
حادي عشر : تقارب المستويات التعليمية والعلمية . فلا صداقة حقيقية بين شخصين : أمي وجامعي إلا ما ندر ، ولا صداقة بين فاشل في الثانوية العامة وخريج ماجستير بشكل عام .
ثاني عشر : الزهد والتقوى والورع : أزهد ما بأيدي الناس يحبك جميع الناس .
ثالث عشر : صادق وصاحب الناجحين في حياتهم العلمية والعملية وابتعد عن الفاشلين لأنهم سيعملون على إفشالك غيرة وكيدا وحسدا من عند أنفسهم .
رابعا عشر : لا تكثر من عدد الأصدقاء ، لأن كثرتهم تعني عدم وجود أصدقاء لك .
خامس عشر : إبتعد عن أهل الثرثرة والاستعراض الكلامي .

وهناك العديد من المبادئ لاختيار الأصحاب والأصدقاء ، ولكننا ذكرنا أهم هذه المتطلبات ويمكن أن تكون هناك توابع فرعية لها ، يمكن العمل بها وأخذها بعين الإعتبار .

الصداقة والهدايا .. وَلَا تَرُدُّوا الْهَدِيَّةَ

جاء في مسند أحمد – (ج 8 / ص 180) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” أَجِيبُوا الدَّاعِيَ وَلَا تَرُدُّوا الْهَدِيَّةَ وَلَا تَضْرِبُوا الْمُسْلِمِينَ ” .
الهدية تكون بالزيارة الاجتماعية بغية توثيق العلاقات الطيبة والتحبب والتودد والتقرب للأحباء والأصدقاء وإصطحاب مالي معين لإهدائه للآخرين بلا مقابل . وتختلف الهدية عن الرشوة اختلافا بينا واضحا . وهي عبارة مال عيني ( أطعمة وأشربة وألبسه وأحذية ) أو نقدي مالي ( بالعملات المتداولة في البلد ) أو معدني ، ( ذهب أو فضة ) يقدم للأحباء الأصدقاء عند حلول مناسبات معينة ، سواء أكانت حفلات زواج أو نجاح مدرسي أو جامعي أو شفاء من المرض أو هدايا الحج والعمرة أو غيرها ، وهي نوع من أنواع الاحترام والمساعدة بأبسط الحالات الإنسانية . وتساهم الهدايا المقدمة على إختلاف أشكالها وأنواعها ، في قضاء حوائج الناس المحتاجين ، والتيسير عليهم ، وزيادة المودة والمحبة والترابط الاجتماعي بين أبناء المجتمع الإنساني .
جاء بصحيح البخاري – (ج 9 / ص 24) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ سَأَلَ عَنْهُ أَهَدِيَّةٌ أَمْ صَدَقَةٌ فَإِنْ قِيلَ صَدَقَةٌ قَالَ لِأَصْحَابِهِ كُلُوا وَلَمْ يَأْكُلْ وَإِنْ قِيلَ هَدِيَّةٌ ضَرَبَ بِيَدِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَكَلَ مَعَهُمْ . وورد ب مسند أحمد – (ج 18 / ص 425) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” تَهَادَوْا فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَغَرَ الصَّدْرِ ” . وورد بسنن الترمذي – (ج 8 / ص 10) عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ” تَهَادَوْا فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ وَلَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ شِقَّ فِرْسِنِ شَاةٍ ” .

الصداقة في الإسلام .. الذكور للذكور .. والإناث للإناث

فإن الصداقة في الإسلام العظيم ، واجبة ومشروعة لتسهيل الحياة البشرية ، بين الذكور والذكور ، والإناث والإناث كل جنس على حدة ، ولا يجوز مصادقة أو مصاحبة الذكور للإناث أو الإناث للذكور . فلا تزور أثنى ذكرا أو يزور ذكرا لأنثى ، في بيتها أو في مكان عملها أو جامعتها على نطاق فردي ، ولكن يجوز مزاورة الأصدقاء بين العائلات ، سواء بصداقات رجالية أو بصداقات نسوية بجلوس الذكور بناحية وجلوس النساء بناحية غير مختلطة . وهذا من بين ما يميز الدين الإسلامي الخالد عن أهل الكفر والإلحاد . فالأجانب يتزاورن ذكورا وذكورا وإناثا وذكورا وذكورا وإناثا ، وهي زيارات محظورة في الإسلام العظيم بل ممنوع منعا شديدا لأنه لا يجوز الاختلاء بين الذكور والإناث بدعاوى المجاملات الباطلة والزائفة ومبررات علمانية أو كافرة واهية كبيت العنكبوت الضعيف .

فلا ( بيت صداقة ) جماعي أيضا في الإسلام العظيم كما هو حال بيوت الصداقة الشيوعية في العالم التي تهدف لنشر الاستعمار الثقافي والفكري والفساد والإفساد والإباحية والاختلاط الذكوري الأنثوي الفاضح في شتى قارات العالم .

نصائح إلهية قرآنية للصداقة والأصدقاء

يقول اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ جل جلاله : { وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (90) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (91) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (92) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (93) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (94) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (95) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (96) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (98) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (99) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (100) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (101) فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (102) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (103) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (104)}( القرآن الحكيم – الشعراء ) .

هناك العديد من النصائح الإسلامية الإلهية من رب العالمين ، التي وردت بكتاب الله العزيز ، لبناء لبنات المجتمع الإسلامي السوي ، القائم على الصراط المستقيم ، للتكامل والتكافل الاجتماعي والتعاضد الاقتصادي . وأهم هذه النصائح ما يلي :
أولا : كظم الغيظ والعفو عن الناس :
يقول الله العظيم الحليم تبارك وتعالى : { وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (136) قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137)}( القرآن المجيد – آل عمران ) .
ثانيا : أخذ العفو والإعراض عن الجاهلين :
يقول الله العلي العظيم جل في علاه : { خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (201) وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (202) وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآَيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (203)}( القرآن العظيم – الأعراف ) .
ثالثا : الصفح الجميل :
يقول الله الحكيم العليم جل شأنه : { وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (85) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (86)}( القرآن المبين – الحجر ) .
رابعا : الإعتذار والاستغفار :
يقول الله الغفور الرحيم جل ثناؤه : { وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (3) إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (4)}( القرآن الكريم – هود ) .
خامسا : الابتعاد عن اللوم الشديد :
يقول الله الحميد الودود جل جلاله : { لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (3) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (4) بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (5) يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (6) فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (7) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (8) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (9) يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (10) كَلَّا لَا وَزَرَ (11) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (12) يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (13) بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (15)}( القرآن الحكيم – القيامة ) .
سادسا : رفض الرشاوى المالية والعينية الباطلة والإدعاء بأنها هدايا :
يقول الله الغني الحميد جل جلاله على لسان نبي الله سليمان عليه السلام : { فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آَتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آَتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (36) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (37)}( القرآن المبين – النمل ) .
سابعا : الصبر الجميل :
يقول الله الواحد القهار : { سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (1) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (2) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (3) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4) فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (5) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (6) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (7) يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (8) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (9) وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (10) يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (11) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (12) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (13) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (14) كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (15) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (16) تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (17) وَجَمَعَ فَأَوْعَى (18) إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) }( القرآن العظيم – المعارج ) .

كلمة أخيرة .. كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ

ورد في صحيح مسلم – (ج 12 / ص 426) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ التَّقْوَى هَاهُنَا وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ ” .

أيها الأصدقاء .. يا معشر الأخلاء ..

الصداقة ليست كلها نزهة ، في متنزه الحياة الدنيا ، بل الصداقة تتعرض للعثرات والمتاعب ، كما تنمو وتترعرع في المصائب والنوائب ، بين الحين والآخر ، فلا تهجروا بعضكم بعضا ، ولا تحاسبوا غيركم حسابا عسيرا ، بل يسروا ولا تعسروا ، وإلتمسوا لأصدقائكم الأعذار الشرعية ، واقبلوا الاعتذار ، واصفحوا وأحسنوا إن الله يحب المحسين ، وأكظموا غيظكم ولا تغضبوا ، ولا داعي للحقد والكراهية ، فلا تظلموا بعضكم بعضا ، وكونوا عباد الله إخوانا ، فالصديق وقت الضيق ، فلا تضيقوا على أنفسكم بأي حال من الأحوال . وإذا ظهرت بوادر خلاف بين الأصدقاء فرمموا العلاقة ولا تحاربوا أنفسكم بأنفسكم وأذكروا الفضل بينكم وسددوا وقاربوا ولا تتحاربوا .

وختامه مسك ، فندعو بهذا الدعاء الخالد الذي ورد بكتاب الله العزيز : { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286) }( القرآن المجيد – البقرة ) .
كما ندعو ونقول والله المستعان ، بالقول النبوي السديد الوارد على لسان نبي الله شعيب عليه السلام ، كما نطقت الآيات القرآنية الكريمة بذلك : { قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88)}( القرآن المجيد – هود ) .

نترككم في أمان الله ورعايته ، والله ولي التوفيق . سلام قولا من رب رحيم . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s