اتفاق مكة المكرمة بين فتح وحماس .. الانغلاق والاخفاق ( 1 – 2 ) ( 2 – 2) د. كمال إبراهيم علاونه

اتفاق مكة المكرمة بين فتح وحماس .. الانغلاق والاخفاق ( 1 – 2 )

كتبهاد. كمال إبراهيم محمد شحادة ، في 28 شباط 2008 الساعة: 11:09 ص

اتفاق مكة المكرمة

بين حركة فتح وحركة حماس

 الانغلاق والإخفاق  

( 1 – 2 )

 =============

د. كمال إبراهيم علاونه

أستاذ العلوم السياسية  – فلسطين

——————————

     يقول الله العزيز الحكيم بالقرآن المجيد : { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (47)}( سورة الأنفال ) .

          طرح مركز قدس نت للدراسات والإعلام والنشر الإلكتروني بمدينة غزة في فلسطين ، سؤالا جوهريا على ساحة فلسطين العامة ، للتأسيس لنظام سياسي فلسطيني ثنائي الحركية الحزبية القطبية بين حركة التحرير الوطني الفلسطيني ( فتح ) وحركة المقاومة الإسلامية ( حماس ) وهو : لماذا فشل اتفاق مكة في وضع أسس شراكة سياسية ؟ للإجابة على هذا التساؤل نعطي نبذة أولية للقارئ الكريم عن أسباب توقيع الاتفاق وبنوده وأسباب إخفاقه ، لعل وعسى أن يستطيع الإنسان التوفيق بين الرؤى المتباينة على إحدى الطرق الايجابية الآتية : التشابه أو التماثل أو التطابق ما استطاع لذلك سبيلا ، أو على طريقة التضاد بتقليل الفجوة قدر المستطاع .

أولا : منطلقات ودواعي التوقيع على اتفاق مكة المكرمة بين فتح وحماس :

     بعد فوز حركة المقاومة الإسلامية ( حماس ) بغالبية مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني في الانتخابات التشريعية الثانية في 25 كانون الثاني 2006 ، حيث حصلت على 74 مقعدا من أصل 132 مقعدا ، شكلت الحكومة الفلسطينية العاشرة وحدها في نهاية آذار 2006 بعد نحو شهرين من إعلان نتيجة الانتخابات التشريعية الفلسطينية الثانية، إثر رفض الأطراف والقوائم الفائزة بالانتخابات المشاركة في تشكيل الحكومة الفلسطينية بدعاوى مختلفة من جملتها صعوبة التوفيق بين البرامج السياسية لتلك القوائم ، ورفض الانخراط تحت لواء حكومة فلسطينية تشكلها حركة حماس المقاطعة والمحاصرة دوليا ، كما نادى بذلك فريق مؤثر في حركة فتح . وبعيد تشكيل الحكومة الفلسطينية ( بقيادة حركة حماس ) تصاعد الضغط الدولي والحصار الشامل على الحكومة الفلسطينية والشعب الفلسطيني ، فصبر القطاع الحكومي العام بجناحيه المدني والعسكري على المقاطعة الدولية الشاملة بزعامة إسرائيلية – أمريكية مشتركة ومساهمة عربية ، فترة من الزمن . فلم يتلق هؤلاء الموظفون رواتبهم لعدة شهور ، وكانوا يتلقون فتات الفتات من معاشاتهم الشهرية مما حدا بالاتحاد العام للمعلمين الفلسطينيين ونقابة الموظفين العموميين لإعلان إضراب مفتوح شامل ، سياسي ومهني في الآن ذاته ، فشلت الحياة العامة للقطاع الحكومي العام بصورة كلية ، ثم انفرج الوضع قليلا ، فأصبح الموظفون يتلقون جزءا صغيرا من رواتبهم من تحصيل الضرائب والرسوم المالية المحلية ، وتميز موظفو وزارة التربية والتعليم والصحة عن غيرهم . وبعد زيارة رئيس الحكومة الشيخ إسماعيل هنية لبعض العواصم العربية وطهران حصل على وعود بتحصيل نحو مليار دولار لدعم القطاع الحكومي العام ، إلا أن المقاطعة الإسرائيلية والأمريكية التي أجبرت البنوك على عدم التعامل مع الحكومة الفلسطينية بزعامة حركة حماس جمد وشل الوضع الاقتصادي مرة أخرى فزاد التعقيد المالي تعقيدا . وفي 14 كانون الأول 2006 تعرض موكب رئيس الوزراء هنية لإطلاق نار عند عودته من الخارج عبر معبر رفح ، فقتل من قتل وجرح من جرح ، فهاجت وماجت غزة بالعنف الداخلي ، وجرى تبادل الاتهامات ، ونشبت اشتباكات بين عشرات من عناصر حركتي فتح وحماس في قطاع غزة ، ثم انتقلت عدوى الاشتباكات لبعض مناطق الضفة الغربية ، وجرت عملية التخريب في مقار مدنية واقتصادية متعددة . وبعد سقوط عشرات الضحايا من الفلسطينيين جراء الاشتباكات بين مؤيدي فتح وحماس ، طرحت وساطات عربية بين حركتي فتح وحماس ، من الأردن ومصر ، وتوجت بالوساطة العربية السعودية لنزع فتيل الفتنة ودفنها في بداية نشوبها . فجاء الاتفاق نتيجة حوارات فلسطينية ثنائية بين فتح وحماس برعاية سعودية وهو ما تم التوقيع عليه في مكة المكرمة . وقد برز العنف الداخلي على الساحة الفلسطينية بسبب كثرة الضغط الاقتصادي والنفسي والإداري على الموظفين خصوصا وأبناء الشعب عموما ، فجاء الانفجار الداخلي بين أبناء الشعب الواحد في ظل يافطات سياسية متنافسة أو متناقضة .

ثانيا : رعاية توقيع الاتفاق (بين  فتح وحماس ) :

     لقد وقع الاتفاق أو إعلان المبادئ الفلسطيني المشترك ، أو البيان الفتحاوي – الحمساوي المشترك ، خارج فلسطين في ارض مكة المكرمة بالقرب من المسجد الحرام ، لتحريم الدم الفلسطيني على السلاح الفلسطيني ، من قبل الفريقين المؤثرين بصورة كبيرة في الساحة الفلسطينية عموما والساحة السياسية خصوصا . وقد وقع هذا الاتفاق الكريم برعاية عربية سعودية ريادية في مكان مقدس بالقرب من المسجد الحرام بمكة المكرمة في غضون أداء مناسك العمرة معا للفريقين المتصارعين من فتح وحماس ، وهي رعاية عربية تستحق الاحترام والتقدير والمباركة على جهودها الخيرة لراب الصدع في  الساحة الفلسطينية ووقف الاقتتال أو وأد الفتنة والحرب الأهلية الفلسطينية في مهدها وبدايتها ، وهذين الفريقين هما :

1.   حركة فتح : وهي حركة وطنية كبيرة شاملة وجامعة على الساحة الفلسطينية الداخلية والخارجية ، على الأصعدة الداخلية المحلية في فلسطين وفي المنافي والمهاجر ، وهي التي تشكل العمود الفقري لمنظمة التحرير الفلسطينية مفجرة الثورة الفلسطينية في التاريخ المعاصر عام 1965 ، والتي يغلب طابعها الفكري والعسكري والسياسي والاقتصادي والاجتماعي التعدد الفكري الثوري الفلسطيني المعاصر . وقادت منظمة التحرير الفلسطينية منذ شباط 1969 بقيادة الشهيد الرئيس الراحل ياسر عرفات حتى توقيع الاتفاق في مكة المكرمة . وتقود السلطة الوطنية الفلسطينية نواة مؤسسات دولة فلسطين العتيدة منذ نشأة السلطة الفلسطينية فوق جزء من ارض الوطن في أيار 1994 . وتؤمن حركة فتح بالتعددية السياسية والفكرية . وعملت على قيادة الانتفاضتين الكبيرتين ضد الاحتلال الصهيوني 1987 و2000 .

    حركة حماس : وهي حركة إسلامية شاملة كبيرة أيضا على ساحة فلسطين كونها حركة سياسية جاءت كامتداد لجماعة الإخوان المسلمين أواسط كانون الأول 1987 . وخاضت الانتخابات التشريعية الثانية في 25 كانون الثاني 2006 بعدما استنكفت وقاطعت الانتخابات التشريعية الفلسطينية الأولى في 20 كانون الثاني 1996 بدعاوى أنها محرمة شرعا لأنها تحت سقف اتفاقية أوسلو التي تبتر حقوق شعب فلسطين . وجاءت المشاركة في الانتخابات في ظل مقارعة شديدة للاحتلال الصهيوني بالتفجيرات والعمليات الاستشهادية النوعية لأول مرة في التاريخ الفلسطيني ، وفازت بالسواد الأعظم من مقاعد التشريعي مما مكنها تشكيل حكومة فلسطينية من نوابها الفائزين وتطعيمها بشخصيات أخرى لم تدخل معترك الحياة الانتخابية للمجلس التشريعي تحت قبة البرلمان والحصول على ثقة المجلس التشريعي الفلسطيني دون ابتزاز من هنا أو هناك . ولم تكن تتوقع حماس يوما فوزها الساحق فبدا كأنه زلزال سياسي في المنطقة وفلسطين بهذه الطريقة ، مما وضعها في مأزق عربي ودولي دفعت ثمنه غاليا جراء الحصار المغلق الأمريكي – الصهيوني – الغربي ، والعربي أيضا عليها .

ثالثا : زمان توقيع الاتفاق 8 شباط 2007 م – 21 محرم 1428 هـ :

     وقع اتفاق مكة بين الحركتين بعد نحو 11 شهرا من تشكيل حركة حماس حكومتها الأولى بلون سياسي أخضر واحد لأول مرة في تاريخ السلطة الوطنية الفلسطينية وهي عينها الحكومة الفلسطينية العاشرة للسلطة الوطنية الفلسطينية وعجز حركة حماس وحكومتها توفير الإنفاق المالي على شؤون القطاع الحكومي الفلسطيني العام الذي يضم بجناحيه المدني والعسكري نحو 165 ألف موظف وتصاعد أعمال العنف بين الجانبين الفتحاوي والحمساوي . وجاء العجز بفعل تشديد الحصار المالي والاقتصادي والسياسي والعسكري الذي فرض على الشعب الفلسطيني عامة كونه أعطى ثقته الكبرى بحركة حماس ، كما جرى مضاعفة الحصار على حركة حماس خاصة بدعاوى سياسية باطلة وهي ممارسة ما يسمى بالإرهاب ضد الاحتلال الصهيوني في فلسطين وهو في حقيقة الأمر حق الدفاع الشرعي عن النفس .

رابعا : أسباب توقيع الاتفاق :

     تم توقيع الاتفاق بعد حدوث خلافات سياسية حادة بين الحركتين ونشوب نزاعات مسلحة بين عناصر الحركتين في بعض مدن ومخيمات وقرى قطاع غزة وسقوط عشرات القتلى من الجانبين ( قدر بنحو 150 قتيلا ) بدعاوى ومبررات واهية لا تستند على أسس علمية قويمة فمثل هذا الإحتراب الفلسطيني – الفلسطيني عبئا ذاتيا صعبا على الشعب بأكمله خاصة في ظل تهدئة أو هدنة غير معلنة مع الأعداء الصهاينة ، وفي ظل الاحتقان الإقليمي والاستقطاب السياسي لكلا الفصيلين . فتدخلت قوى فلسطينية مثل حركة الجهاد الإسلامي أو الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين  ، وتوسطت بين الجانبين المتخاصمين من عناصر فتح وحماس ، إلا أن هذه التدخلات كانت بمثابة مسكنات ولم تعالج الجرح تماما فكانت عبارة عن حالات وقف إطلاق نار سرعان ما تتبدد بفعل اشتباكات هنا أو هناك . مما استدعى تدخل بعض القيادات العربية لحل فتيل الأزمة الناشبة بين الطرفين الفلسطينيين بصورة جذرية كلية ، فطرحت مصر الوساطة ورفضت وطرحت الأردن الوساطة ورفضت ، وكان الرفض في الحالتين من حركة حماس كون الحركة تعتقد أن مصر والأردن لا تقفان لجانبها في السراء والضراء . وجاءت الموافقة الثنائية الفتحاوية والحمساوية على التحاور في ظل القيادة العربية السعودية بجوار المسجد الحرام بمكة المكرمة للثقة التي تتمتع بها القيادة السعودية لدى قادة الحركتين ، وكون العربية السعودية تستطيع تمويل متطلبات الخزينة الفلسطينية الخاوية ، ولها ثقل مؤثر وفعال عربيا وإقليميا ودوليا . وكانت الآمال والتفاؤلات تظهر على وجوه قيادتي الحركتين الفلسطينيين الأصل والمنبت المبتسمتين المرتاحتين للتدخل العربي السعودي . وبهذا الصدد لا بد من توجيه التحية للقيادة السعودية التي كان لها دورا رياديا وطليعيا في إصلاح ذات البين بين الفلسطينيين ووأد الفتنة في بداياتها ، ولا بد من متابعة هذا الدور لاحقا لتكريس وتعزيز الوحدة الفلسطينية الحقيقية وإعادة توحيد جناحي الوطن : الضفة الغربية وقطاع غزة لتصبح تحت سلطة وطنية واحدة برئاسة واحدة وحكومة موحدة واحدة في ظل راية واحدة خفاقة في سماء الوطن الفلسطيني السليب .

     على أي حال ، تضمن اتفاق مكة المكرمة في شتاء 2007 ، كاتفاق سلام في أرض السلام بين أهل السلام ، ليحل السلام والوئام بين حركتي فتح وحماس التوأم المتخاصمتين ، وتنتهي حالة الاقتتال والخصام بين الجانبين ، تضمن عدة مواضيع رئيسة ذات محتويات فرعية جمة وضخمة تحتاج كل منها لمحادثات ثنائية وثلاثية وجماعية مطولة تمتد بين الشد والجذب للتوفيق بينها ، شهدت حالات من المد والجزر مما استدعى تدخل عربي لراب الصدع الذي كان يحدث أحيانا ، جراء الصراع على الكراسي الوزارية والمناكفات الحزبية والصراعات السياسية المزايدة على بعضها البعض ، فبدأ لمن تكون هذه الوزارة أو تلك أو عدد الحقائب الوزارية لهذا الفصيل أو الحركة أو الحزب أو ذاك على الساحة الحزبية في المجلس التشريعي الفلسطيني باعتباره البرلمان المحلي للشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة .

خامسا : الإجابة على السؤال الكريم :

     للإجابة على السؤال الكبير المطروح للنقاش : لماذا فشل اتفاق مكة في وضع أسس شراكة سياسية ؟

     فإنني احمد الله رب العالمين الحميد المجيد المبدئ المعيد ، ذو العرش المجيد ، الفعال لما يريد ، وأصلي واسلم على النبي العربي الأمي المصطفى الهادي للبشرية جمعاء محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل يوم الوعيد ، ثم أقول والله المستعان وعلى ما نقول شهيد :

     لقد فشل اتفاق مكة المكرمة الذي تمخض عن حوارات مكثفة لمدة ثلاثة أيام متواصلة ، الموقع بين حركتي فتح وحماس ، الأخوة الأعداء ، في 8 شباط 2007 م / 21 محرم 1428 هـ ، برعاية سعودية مبرمجة ، فشل فشلا ذريعا مجلجلا ، وذلك رغم التصفيق والتحمس الشديد له من جانب الموقعين عليه بحمى المسجد الحرام وقراءة سورة الفاتحة إحتفاء بتوقيعه . ورغم التزمير والتطبيل والزعيق والبريق لهذا الاتفاق الذي مكن الفلسطينيين من الاقتراب من السياسة العربية الرسمية ، وتجاوز المحظور الأمريكي الذي نادى بمقاطعة حماس عند انتخابها ، فكان نوع من الانفراج الجزئي للوضع السياسي الفلسطيني المحتقن . ويمكن القول إن فاتحة الدخول في الاتفاق كانت قريبة جدا من قراءة فاتحة الخروج منه وعلى روحه ونصوصه المبهمة ، بفعل عدة أسباب وعوامل داخلية ذاتية فلسطينية ، وخارجية إقليمية ودولية على النحو الآتي :

أولا : الأسباب والعوامل الفلسطينية الذاتية : تتمثل بما يلي :

1.   الغموض والضبابية في البنود الواردة في الاتفاق المذكور (  حوارات الوفاق والاتفاق الفلسطيني )  وهي النقاط الأربع ، فقد سعد وتنفس الفلسطينيون الصعداء حين تم التوقيع على الاتفاق لعل وعسى أن تبدأ مرحلة جديدة باتفاق توأم فلسطين ( فتح وحماس ) على التصدي للاحتلال ضمن بوتقة واحدة ، إلا أنه يمكننا القول ، إن الاتفاق والوفاق المذكور حمل بذور فنائه بنفسه ، كما يقول المثل ( دوده من عوده ) ، منذ توقيعه ، لعدم خلوص النوايا الطيبة ، فكان الاتفاق بمثابة هدنة هشة لم تصمد طويلا ، لم يتجاوز التقيد به مدة خمسة أشهر ونصف . وقد تطرق الاتفاق للبنود الأساسية ، لتعزيز الجهود والمصالحة ووقف نزيف الدم الفلسطيني بالأيدي الفلسطينية ، وذلك على النحو الآتي :

أولا : التأكيد على تحريم إراقة الدم الفلسطيني ، واتخاذ كافة الإجراءات والترتيبات ، التي تحول دون إراقته مع التأكيد على أهمية الوحدة الوطنية كأساس للصمود الوطني والتصدي للاحتلال ، وتحقيق الأهداف المشروعة للشعب الفلسطيني ، واعتماد لغة الحوار كأساس وحيد لحل الخلافات السياسية في الساحة الفلسطينية  .وفي هذا المجال ، لم يتم تحديد أو التطرق للإجراءات والترتيبات المعنونة عاليا ، للحد من استمرار نزيف الدم وسفك دماء الفلسطينيين من بعضهم البعض دون وجه حق ، حيث بدأت عملية التناحر والاحتراب الداخلي في قطاع غزة ثم انتقلت عدواها للضفة الغربية . وكذلك لم يتم تحديد أسس الوحدة الوطنية ولو نظريا بصورة مقتضبة لتعزيز المرابطة والصمود الوطني الحقيقي للشعب الفلسطيني في ثغور الوطن وتحصيل وانتزاع الحقوق السياسية والثوابت الوطنية الفلسطينية العامة ، وتكريس لغة الحوار ورفض حل الخلافات والنزاعات الفصائلية في الساحة الفلسطينية باستعمال لغة القوة والتهديد والوعيد والسلاح لأن هذا يضر بالمصلحة الفلسطينية العليا في البلاد وخارجها .

ثانيا : الاتفاق وبصورة نهائية على تشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية ، وفق اتفاق تفصيلي معتمد من الطرفين ، والشروع العاجل في اتخاذ الإجراءات الدستورية لتشكيلها . وفي هذا البند أيضا من الاتفاق الثنائي لم يتم وضع خطة واضحة المعالم كملحق متفق عليه مسبقا بين الجانبين الموقعين ، لآلية تأليف حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية الأولى في تاريخ السلطة الوطنية الفلسطينية والنظام السياسي الجديد . ولم يتم تحديد الإجراءات الدستورية للتشكيل الموقع عليه ، هل تشمل السلطة الوطنية الفلسطينية أم ماذا ؟

ثالثا : المضي قدما في إجراءات تفعيل وتطوير وإصلاح منظمة التحرير الفلسطينية ، وتسريع إجراءات عمل اللجنة التحضيرية استنادا لتفاهمات القاهرة ودمشق . لم تجر عملية الاتفاق على إجراءات تنفيذية تفصيلية واضحة بين الجانبين بهذا الشأن ، فقد عقدت جلسات حوار متعددة عبر سنوات عجاف متواصلة من الحوار الفلسطيني – الفلسطيني في القاهرة برعاية مصرية سابقا ضمت مختلف الاتجاهات والتوجهات الحركية والفصائلية والحزبية الفلسطينية بكاملها فشملت 13 حركة وجبهة وحزبا فلسطينيا . ولم تنتج شيئا عمليا بشأن تفعيل منظمة التحرير الفلسطينية أو تطويرها أو إصلاحها فكل حركة وحزب وجبهة لها رؤية خاصة تحاول تميل قرص الكعكة باتجاهها لتحصل على أكبر نصيب ممكن من مقاعد المجلس الوطني الفلسطيني أو المجلس المركزي أو اللجنة التنفيذية للمنظمة ، أو المشاركة الفاعلة في برمجة وتحديد مسار السياسة الفلسطينية العامة . وكذلك الخلاف بشأن مواد الميثاق الوطني الفلسطيني الذي تعمل بموجبه مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية ، كإطار أعلى للشعب الفلسطيني ، في داخل الوطن الفلسطيني وخارجه في المنافي والشتات ، وهو صراع بين العلمانية والإسلام . وبهذا فإن هذه النقطة من نقاط الاتفاق ، تحتاج لفترة طويلة لتنفيذها على أرض الواقع العملي ، مع ما يلازم ذلك من احتكاكات سياسية متنافرة هنا وهناك ، سواء على صعيد الحركتين الموقعتين على الاتفاق أو على صعيد الشركاء الآخرين في منظمة التحرير الفلسطينية .

رابعا : تأكيد مبدأ الشراكة السياسية على أساس القوانين المعمول بها في السلطة الوطنية الفلسطينية ، وعلى قاعدة التعددية السياسية ، وفق اتفاق معتمد بين الطرفين . بالنسبة للبند الرابع هذا من اتفاق مكة المكرمة ، فإن تأكيد مبدأ الشراكة السياسية بقي غامضا كمن يشتري سمكا بالبحر . فعن أية شراكة يتم الحديث ، وعن أي قوانين ستسري في هذا المجال ؟ فالشراكة السياسية المطروحة هل تشمل جميع السلطات الثلاث في السلطة الوطنية الفلسطينية ( نواة دولة فلسطين ) : وهي السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية . فالسلطات التشريعية عبر المجلس الوطني الفلسطيني مبينة وواضحة برزت وحسمت بالانتخابات التشريعية العامة ، وحصل كل طرف على عدد محدد من المقاعد التشريعية ، في المؤسسة التشريعية الفلسطينية المحلية ، ولكن المؤسسة التشريعية الفلسطينية العليا وهي المجلس الوطني الفلسطيني وبصورة أقل المجلس المركزي لا توجد شراكة سياسية بها ، ولا تشمل حركة حماس أصلا اللهم إلا في عضوية 74 عضوا من حماس انتخبوا بالمجلس التشريعي الفلسطيني ليكونوا بصورة مباشرة أعضاء في المجلس الوطني الفلسطيني البالغ عدد أعضائه 746 عضوا في الداخل والخارج . وكذلك الحال بالنسبة للسلطة القضائية ، وهي المحاكم المدنية والشرعية ، كيف يتم تحديد عملية الشراكة السياسية أو الإدارية أو الوظيفية ؟ هل بإضافة قضاة جدد أم بإزاحة قضاة موجودين على رأس عملهم افرزوا سابقا ولم يكن لحماس دور في تحديدهم . وعلى صعيد  الشراكة السياسية في السلطة التنفيذية ، التي تتألف من الرئاسة الفلسطينية ومجلس الوزراء : الصلاحيات غير مبينة وواضحة بين المؤسستين ، بل ينتابهما الغموض البين ، وهناك تداخل في الصلاحيات ، فهناك أجهزة أمنية في معظمها تابعة لرئيس السلطة الفلسطينية ( من حركة فتح ) وأجهزة أمنية صغيرة العدد والمهام تابعة لرئاسة الوزراء التي تقودها حركة حماس . ومن المعروف أن حركة فتح كانت مستأثرة بالسلطة الفلسطينية إلى جانب فصائل فلسطينية صغيرة الحجم ، طيلة 12 عاما ، فجاءت حركة حماس صاحبة برنامج التغيير والإصلاح للمشاركة واقتسام السلطة الفلسطينية مع حركة فتح حسب المنظور والرؤى الثنائية داخل الوطن الفلسطيني . وتجدر الإشارة إلى أن الشراكة تؤدي إلى الطمأنينة والاستقرار النفسي والأمني ، والإحساس بالأمن والأمان الشامل في البيت والشارع ومكان العمل والميدان وفي كل مكان . وقد وقع الاتفاق لتحقيق المصلحة الفلسطينية العليا .

     وقد جاء الاتفاق مذيلا بأنه موجه للجماهير الفلسطينية والعربية والإسلامية والأصدقاء في العالم والتأكيد على الالتزام به نصا وروحا من اجل التفرغ لانجاز الأهداف الوطنية والتخلص من الاحتلال واستعادة الحقوق والتفرغ للملفات الرئيسية وفي مقدمتها قضايا : القدس واللاجئين والمسجد الأقصى المبارك والأسرى والمعتقلين ومواجهة الجدار العنصر اليهودي والاستيطان اليهودي بفلسطين . وعلى صعيد التحركات السياسية والدبلوماسية والبرنامج السياسي للسلطة التنفيذية ( المؤلفة من الرئاسة ومجلس الوزراء ) فإنه جد مختلف ومتناقض أحيانا ، فيما يتعلق بحل قضية فلسطين والاستناد أو عدمه لقرارات القمم العربية وما يسمى بالشرعية العربية وقرارات الأمم المتحدة أو ما يسمى بالشرعية الدولية . فهناك عدم توائم بين برنامج الرئاسة التي انتخب بموجبها الرئيس الفلسطيني محمود عباس في 9 كانون الثاني 2005 ، وهو البرنامج السياسي المرحلي لحركة فتح ، فعباس قائدا عاما لحركة فتح . والبرنامج السياسي لحركة حماس يطلب الحل الاستراتيجي ولا يقدم الحل المرحلي التكتيكي ليطرحه على الأصعدة العربية والإقليمية والعالمية . على أي حال ، إن البرنامج السياسي المرحلي لكلا الحركتين لحل قضية فلسطين ، مختلف جدا لا يمكن التجسير بينهما أو إيجاد قاسم مشترك أعظم بين الإثنين . وكذلك إن بند الوحدة الوطنية الفلسطينية ، من المشمول في هذه العبارة ؟ هل هي القوائم والحركات والأحزاب الفائزة في عضوية المجلس التشريعي الفلسطيني الذي أجريت له الانتخابات العامة في 25 كانون الثاني 2006 ؟ أم تشمل أيضا تلك الحركات والجبهات والأحزاب الأعضاء في منظمة التحرير الفلسطينية ؟ وهل تستثني حركات ليست أعضاء في المجلس التشريعي الفلسطيني وليست أعضاء في منظمة التحرير الفلسطينية كحركة الجهاد الإسلامي التي تنأى بنفسها عن المناصب والكراسي الوزارية في ظل عدم وجود دولة فلسطين على أرض الواقع ؟

2.   فرض رئاسة الوزراء من حركة حماس ( الشيخ إسماعيل هنية – رئيس قائمة حماس للإنتخابات التشريعية الفلسطينية على مستوى الوطن ) وهو نفس رئيس الوزراء من حماس في الحكومة العاشرة ، وهو الشخصية التي كانت مقاطعة عربيا إلى حد ما ومقاطعة دوليا ما عدا إيران ، فجاء الاتفاق ليكرس سياسة التعامل الدولي مع حكومة الوحدة الفلسطينية المنبوذة والمقاطعة عالميا دون وجه حق . وكان الأجدر بحماس تغيير شخصية رئاسة الحكومة لفرض تعامل فلسطيني جديد على المجتمع الدولي ، فقد كان التغيير ضروريا للتمكين والتمكن الفلسطيني لإحداث فجوة وشرخ في التعامل الدولي لصالح قضية فلسطين بأسلوب جديد آخر يتبع طريقة تغيير الشخصيات والوجوه القيادية لمتطلبات المرحلة العصيبة .

3.   تصارع قيادات مؤثرة في الحركتين في الاستئثار بمواقع وزارية سيادية كالداخلية والخارجية والمالية والتربية والتعليم والصحة في حكومة الوحدة الوطنية الحادية عشرة بما فيها حركتي فتح وحماس وظهر هذا جليا بعيد تشكيل الحكومة الوحدوية في 17 آذار 2007 ، جراء استبعاد قياديين فعالين في فتح وحماس مثل د. محمود الزهار وسعيد صيام من حركة حماس ، وأحمد قريع ورفيق النتشة ومحمد دحلان من حركة فتح وهذا على سبيل المثال لا الحصر . وبالتالي فإن المصالحة الحقيقية لم تتم بين المتصارعين ، إذ مثلا تغيب سعيد صيام عن التوقيع وهو وزير الداخلية السابق الذي أنشأ القوة التنفيذية وأدارها فعالياتها لموازاة أعمال الشرطة الفلسطينية الرسمية . فقد شكل صيام القوة التنفيذية لفرض الأمن والنظام وفق رؤية حركة حماس في ظل عدم تجاوب الأجهزة الأمنية الفلسطينية معه كوزير للداخلية . وبناء عليه بقيت المصالحة الفتحاوية – الحمساوية مبتورة الجناحين تحمل احتمالات تجددها بنفسها . وهذا ما تم بالفعل لاحقا وثبت صحته .

4.   الخلاف على آلية وكيفية الشراكة السياسية الوزارية . فالخلاف بين الشرعية الفلسطينية الواحدة ، برز على توزيع المقاعد الوزارية بين الحركتين والمشاركين المستقلين والفائزين الآخرين بمقاعد ب المجلس التشريعي . وبعد جدل طويل من 8 شباط حتى 17 آذار اتفق الجانبان على تخصيص 9 مقاعد لحركة حماس بما فيها رئاسة الوزراء ( إسماعيل هنية ) ، و6 مقاعد وزارية بما فيها نائب رئيس الوزراء ( عزام الأحمد ) ومشاركة مستقلين والطريق الثالث ب 4 حقائب وزارية سيادية ( الداخلية والخارجية والمالية ) ، والقوائم البرلمانية الأخرى ب 3 مقاعد وزارية ، تمثلت في : حزب الشعب والجبهة الديموقراطية والمبادرة الوطنية وامتناع الجبهة الشعبية عن المشاركة بسبب خلافات على عدد المقاعد المخصصة لها ، ورفض حركة الجهاد الإسلامي المطلق للمشاركة في هكذا حكومة فلسطينية لأنها حكومة شكلية بلا صلاحيات فعلية على أرض الواقع ، فالاحتلال ما زال جاثما على أرض فلسطين .

5.   غياب الثقة بين الفتحاويين والحمساويين : تمثل بالتصارع السياسي الداخلي بين قياديي الحركتين ( فتح وحماس ) جراء اختلاف الرؤى والبرنامج السياسي الذي طرح أثناء الحملة الدعائية الانتخابية ، واللجوء للهجوم الإعلامي الداخلي ، واستخدام عبارات الوعيد والتهديد بالانسحاب من الحكومة التي شكلت لاحقا بعد اقل من ثلاثة شهور . وبالتالي اللجوء للحسم العسكري وتمزيق اتفاق مكة شر تمزيق على ارض الواقع وذهاب كل حركة وحدها ، علما بأن فلسطين للجميع ، فتراجعت قضية فلسطين سنوات وسنوات للخلف بدلا من تقدمها للإمام بوجود زخم أيديولوجي إسلامي جديد ، وحركة سياسية فتية .

6.   فشل عملية فك الحصار الشامل المفروض على الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة حتى بعد تشكيل حكومة الوحدة الوطنية ( الحكومة الحادية عشرة بقيادة رئيس الوزراء من حماس الشيخ إسماعيل هنية ) ومشاركة فتح ومستقلين وقوائم حزبية صغيرة لها اتصالات دولية فعالة . وبالتالي ولد الإحساس بأن حكومة الوحدة الفلسطينية هي أضعف حكومة ماليا ومتناقضة سياسيا وإعلاميا مما ساهم بتفتيت الفسيفساء السياسية غير المتوائمة بين أطياف الألوان السياسية الفلسطينية التي نسجتها اتفاقية مكة المكرمة بالترغيب والإكراه على حد سواء .

7.   فوضى السلاح والفلتان الأمني والأخلاقي والسياسي والاقتصادي وعجز الحكومة الموحدة عن السيطرة على الأوضاع في ظل تضارب الصلاحيات بين الرئاسة الفلسطينية ورئاسة الوزراء ، وتبادل الاتهامات بين الجانبين خاصة حركتي فتح وحماس وكل طرف يحمل الطرف الآخر التهرب من المسؤولية .

8.   اللجوء للقوة العسكرية للحسم بين المتصارعين سياسيا من قياديي الحركتين ( فتح وحماس ) وكل طرف يلقي باللائمة على الطرف الآخر . وغني عن القول ، إن الصراع نشب بين جناحي الشرعية الفلسطينية الواحدة ، الرئاسة الفلسطينية وقيادة الحكومة الفلسطينية برئاسة إسماعيل هنية التي كلفها الرئيس محمود عباس لتشكيل الحكومة وذلك عبر مناصرين الحركتين المتنافستين . وكان الحسم الحديدي والاكتساح العسكري القوي من حماس ومناصريها بدعم خفي من قيادات مؤثرة في حركة فتح بعيدة عن مواقع المسؤولية ، وتواطؤ مئات من قيادات وعناصر الأمن الفلسطيني بمختلف أسمائه ومسمياته ، والانتهاء من ثنائية القيادة بقطاع غزة . وانتهى الأمر بالاستيلاء الحمساوي والجماهيري على مقرات الرئاسة الفلسطينية والوزارات والأجهزة الأمنية من مقرات قوات حرس الرئاسة قوات أل  17 ، والأمن الوقائي ، والمخابرات العامة ، والاستخبارات وغيرها وما رافق ذلك من قتل لعشرات العناصر من الجانبين وتدمير بعض هذه المنشآت ، وقد انتهت عملية الاستيلاء العسكري لحماس في قطاع غزة في 14 حزيران 2007 .

ملاحظة هامة : يتبع .. اتفاق مكة المكرمة بين فتح وحماس ..  الانغلاق والاخفاق ( 2- 2 ) .

اتفاق مكة المكرمة بين فتح وحماس .. الانغلاق والاخفاق ( 2 – 2 )

كتبهاد. كمال إبراهيم محمد شحادة ، في 28 شباط 2008 الساعة: 11:46 ص

اتفاق مكة المكرمة بين حركة فتح وحركة حماس

  الانغلاق والاخفاق

 ( 2 – 2 )

د. كمال إبراهيم علاونه

أستاذ العلوم السياسية – فلسطين

ملاحظة هامة : يرجى قراءة الجزء الأول أولا .. ( اتفاق مكة المكرمة بين فتح وحماس  الانغلاق والاخفاق )( 1 – 2 ) .

ثانيا : الأسباب والعوامل الإسرائيلية :

     لعب الدور الصهيوني فعلا مؤثرا وفعالا في إفشال اتفاق مكة المكرمة بين الحركتين الفلسطينيتين ( فتح وحماس ) ، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة :

1.   الإفشال اليهودي – الصهيوني – الإسرائيلي لاتفاق مكة المكرمة ، وذلك لأن الاتفاق يشكل ضربة للخطط الصهيونية في ضرب الفلسطينيين ببعضهم وإشعال نار الفتية بينهم ، فالاتفاق لم يشمل الاعتراف ب ( دولة إسرائيل ) في الوجود ، وكانت الخطة العامة لليهود في سبيل الإفشال المتعمد ، عبر عدة طرق : الإبقاء على تشديد الحصار والإغلاق العسكري والسياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والنفسي على المواطنين الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة . وعلى العكس من ذلك ، لم يفرج عن النواب والوزراء الأسرى من حكومة حماس كوزير المالية السابق د. عمر عبد الرازق وزملائه الآخرين وكذلك لم يفرج عن نواب حركة فتح من سجون الاحتلال الإسرائيلي مثل مروان البرغوثي وزملائه الآخرين . بالإضافة إلى شن الهجمات العسكرية الإسرائيلية البرية والجوية والبحرية المتكررة على الشعب الفلسطيني في جناحي الوطن في الضفة الغربية وقطاع غزة . زد على ذلك استمرار حملة الاعتقالات السياسية لنشطاء الحركات الفلسطينية كحركة فتح وحماس على السواء . وكان الموقف الرسمي الإسرائيلي من اتفاق مكة المكرمة كما جاء على لسان المتحدثة باسم الحكومة الإسرائيلية : ” ينبغي على حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية قبول الشروط الإسرائيلية الثلاثة وهي : التعهد بنبذ العنف ، والإعتراف بإسرائيل ، وقبول الاتفاقيات المبرمة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي ”  .

2.   استمرار حجز المستحقات المالية للسلطة الفلسطينية من أموال الجمارك والضرائب التي بلغت نحو 800 مليون دولار ، مما ساهم في تدهور الوضع الاقتصادي والاجتماعي من سيئ إلى أسوأ . فجاء الاتفاق وكأنه لم يقدم شيئا وبالتالي بادر الطرف الخاسر في الاتفاق بالتملص منه ، وكل طرف يدعي أنه على حق والآخر على خطأ .

3.    تأليب اللوبي اليهودي – الصهيوني الإدارة الأمريكية على حركتي فتح وحماس سواء بسواء ، والضغط لاستمرار الحصار على فلسطين : الوطن والشعب لابتزاز الشعب الفلسطيني .

4.   الإختراق الإسرائيلي للساحة الفلسطينية : إفتعال الصهاينة الفتن الداخلية بين الفلسطينيين عبر تجنيد العملاء والمندسين في صفوف الحركات والفصائل والأحزاب الفلسطينية ، وإذكاء نار الفتنة ، وقيام هذا النوع من الطابور الخامس بافتعال المشكلات وإطلاق النيران على أتباع وقيادات الحركتين ( فتح وحماس ) عبر التخفي ولبس شارات وزي خاص بهذه القوة أو تلك .وقد مسك بعض المتلبسين من ذوي العقليات والنفسيات المريضة التي باعت ضميرها وأخلاقها للأعداء وقبلت على نفسها أن تكون مطية لإشعال الحقد والكراهية والفتنة بين أبناء الشعب الواحد . بالإضافة إلى تخفي وحدات خاصة يهودية بزي فتحاوي أو حمساوي وضرب الطرف الآخر كما حصل بعدة مناطق في قطاع غزة والضفة الغربية .

ثالثا: الأسباب والعوامل الإقليمية : من أبرزها الآتي :

1.   غياب الدعم العربي والإسلامي القوي لاتفاق مكة المكرمة ، كالدعم الاقتصادي والسياسي والمعنوي ، فكان السند والظهير والتسويق العربي لهذا الاتفاق بحده الأدنى ، ولم يرتق لحده الأعلى . فلم يتم تخصيص دعم مالي حقيقي فعال لسد العجز في الخزينة الفلسطينية وتلبية مطالب القطاعين العام والخاص في الضفة الغربية وقطاع غزة . فبقيت خزينة وزارة المالية بالسلطة الوطنية الفلسطينية خاوية لا تستطيع سد الرمق للشعب ، رغم اتفاقية التوأمة الفتحاوية – الحمساوية برعاية أكبر دولة عربية نفطية . فالوعود المالية كما سربت لم تنفذ وهي دعم لحكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية بنحو مليار دولار وبقيت السلطة الفلسطينية بجناحيها تجر أذيال العجز والحسرة والندامة على توقيع الاتفاق ، وبالتالي فلم يغني هذا الاتفاق الفلسطيني – الفلسطيني ، من الجوع السياسي والاجتماعي والنفسي والحزبي شيئا مما كان يخطط ويراد له على صعيد الحركتين من انتعاش الوضع الاقتصادي المتدهور .

2.    الهجوم المتكرر على المبادرة العربية للسلام التي طرحتها المملكة العربية السعودية وتبناها مؤتمر القمة العربية في بيروت أواخر آذار 2002 ، ووافقت عليها حركة فتح علنيا ، ووافقت عليها حركة حماس ضمنيا ، في الاتفاق الثنائي بمكة المكرمة ، لحل الصراع العربي – الإسرائيلي عامة ، والفلسطيني – الإسرائيلي خاصة .

3.   دخول إيران على الخط المناهض للوجود الأمريكي في فلسطين والتحالف مع حركة حماس في هذا المجال ، مما شجع على الفرقة في ظل التنكر الأمريكي للاتفاق عندما لم يلب الرغبات والطلبات الأمريكية – الصهيونية . بينما سير قيادة حركة فتح بالمسار العربي السياسي الموافق على مضض بالتدخل الأمريكي في المنطقة .

4.   دعوة الحركات والمنظمات الجهادية الإسلامية حركة حماس للتخلي عن الاتفاق ، ومهاجمتها بشكل كبير ومباشر كما حصل بتحريض من تنظيم القاعدة الإسلامي بقيادة الشيخ أسامة بن لادن ، ووصف الموقعين عليه بالتنازل عن الحقوق الإسلامية في فلسطين والاعتراف بالكيان الصهيوني الغاصب للأرض الإسلامية في فلسطين المباركة ، ارض الإسراء والمعراج ، وارض المسجد الأقصى وقبة الصخرة المشرفة ، وأولى القبلتين ، وثاني المسجدين وثالث الحرمين الشريفين . وبالتالي أدى ذلك إلى الشعور بالذنب والمبادرة للتخلص من تبعات هذا الاتفاق الذي يعترف بما يسمى بالشرعية الدولية إلى جانب الشرعية العربية والشرعية الفلسطينية ، واعتراف من حماس بمنظمة التحرير الفلسطينية التي اعترفت بدولة إسرائيل دون اعتراف الحكومة الإسرائيلية بدولة فلسطين .

 رابعا : الأسباب والعوامل الدولية : تقع في مقدمتها الأمور التالية :

1.   عدم الرضا الأمريكي الكلي عن الاتفاق بين حركتي فتح وحماس ، فالسياسة الاستعمارية تقوم على أساس ( فرق تسد ) ولا بد من مواجهتها بسياسة فلسطينية جادة تقوم على مبدأ ( جمع تنتصر ) . فكانت الولايات المتحدة ترغب في ابتزاز حركة حماس والحصول على اعتراف سياسي مباشر بدولة الاحتلال الإسرائيلي دون مقابل باستعمال الضغوط العربية – الإقليمية والدولية ، الأمر الذي أحرج حركة حماس وجعلها تتلكأ في التوقيع على بنود الاتفاق ثم التخلص من تبعاته المرة دون استفادة شيء منه ، وبالتالي فإن الضغط القوي الذي فرض على حماس لجعلها توقع على شيء مناقض لبرنامجها الانتخابي جعلها لا تتشجع للاستمرار في الشراكة السياسية مع حركة فتح في الوزارة الفلسطينية الوحدوية لتأسيس لنظام سياسي فلسطيني عصري يقوم على التوأم والثنائية الحزبية . وكان الموقف الأمريكي من اتفاق مكة المكرمة ” نبقى ملتزمين برؤية الرئيس بإقامة دولتين ديمقراطيتين، إسرائيل وفلسطين، تتعايشان  جنبا إلى جنب في سلام وأمن، وملتزمون بخارطة الطريق للتحرك قدما باتجاه هذه الغاية .” وهو غير مطروح في برنامج الحركة الكبرى المسيرة للحكومة الفلسطينية وهي حماس ، وبالتالي عملت الإدارة الأمريكية على إسقاط الاتفاق وتعيين الجنرال الأمريكي ( دايتون ) لتولي عملية الإشراف على الشؤون الفلسطينية العامة ، وتهيئة المناخ الدولي لذلك الاتجاه المعاكس لنهج الحكومة الفلسطينية الجديدة آنذاك .

2.   التدخل الأمريكي المباشر خاصة في المجالين المالي والعسكري والإدعاء بتقديم التدريب لآف  عناصر الأجهزة الأمنية الفلسطينية الموالية للرئاسة الفلسطينية ، واستخدام الحرب النفسية والدعائية ضد الحكومة خاصة والسلطة الوطنية الفلسطينية عامة لإحداث اختراق في الساحة الفلسطينية ، كالإدعاء بتقديم شاحنات من السلاح لأمن الرئاسة الفلسطينية ، ورصد 86 مليون دولار لدعم الأجهزة التابعة للرئاسة ، وتكالب ورفض بعض القيادات الفلسطينية على الاتفاق لأنه استبعدها من مآثر الحكومة الفلسطينية الضعيفة والهشة .

3.   سلبية دور اللجنة الرباعية ( الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الروسي والأمم المتحدة ) وعدم دعم الاتفاق بما هو كاف ، وتصاعد طلبات اللجنة الرباعية من الحكومة الفلسطينية دون تقديم ما يلزم الفلسطينيين .

      وبناء عليه ، لقد كان سيناريو الدخول والخروج لاتفاق مكة المكرمة لسنة 2007 بين حركتي فتح وحماس ورعاته السعوديين ، كسيناريو الدخول الخروج من محادثات الحوار الفلسطيني – الفلسطيني في القاهرة منذ عام 2003 وما تلاها ، ومشابهة لسيناريوهات وقف العنف وإطلاق النار بين عناصر الحركتين الفلسطينيتين ( فتح وحماس ) .

     وبهذا يمكننا القول ، إن كل الأسباب والعوامل السالفة الذكر ، لعبت دورا في إخفاق اتفاق مكة المكرمة للوفاق والتوافق الوطني الفلسطيني والشراكة السياسية كتوأم فلسطيني لا مناص منه ، بين حركتي فتح وحماس في شباط 2007 بعد 11 شهرا من تشكيل حركة حماس للحكومة الفلسطينية العاشرة وحدها دون شراكة سياسية من أي فصيل أو حركة أو حزب فلسطيني ، وطني أو إسلامي ، فأبقى حماس عرضة للنهش من هنا وهناك ، فبادرت إلى التوقيع على الاتفاق الثنائي مع حركة فتح وحدها مما ولد اشمئزازا لدى الحركات والأحزاب والفصائل الفلسطينية الوطنية والإسلامية الأخرى وجعلها تحس بأنها مستثناة من الاتفاق بصورة أو بأخرى .

      وهناك حلول وسيناريوهات متعددة تصلح  كبديل لإصلاح وترميم هذا الإخفاق والفشل الذريع لاتفاق مكة المكرمة بين الحركتين المتخاصمتين ، حركة فتح وحركة حماس ، تتمثل بالآتي :

أولا : إجراء المصالحة الفلسطينية الداخلية ، بجهود فلسطينية ، وعربية وإسلامية . وذلك لكي يأتي التمكين والاستخلاف الإلهي في الأرض وقهر الأعداء المعتدين الصهاينة وتبديل الخوف بالأمن الرباني الحقيق . يقول الله جل جلاله : { قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (54) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55) } ( القرآن الكريم ، سورة النور ) .

ثانيا : تفعيل اتفاق مكة المكرمة بضمانة عربية – إسلامية ، من الدول الشقيقة والصديقة للشعب الفلسطيني وممن تثق بهما الحركتين معا لتوجيه بوصلة التحرير نحو الحرية والاستقلال والانعتاق الوطني الفلسطيني الوجهة الصحيحة السليمة ، فلتتحد كل الجهود الفلسطينية وتنصهر في بوتقة واحدة لا مناص منها ، وفق وحدة وطنية فلسطينية شاملة جامعة لا تقتصر على الحركتين ، وترك شكل النظام السياسي الفلسطيني العام لما بعد التحرير ، ويكون ذلك بتطبيق بنود اتفاقات الحوارات الفلسطينية السابقة وطي صفحة الماضي ، وفتح صفحة جديدة ناصعة البياض تستند إلى التعددية السياسية والفكرية وعدم التسلط والهيمنة من هذا أو ذاك ، وليأخذ كل ذي حق حقه ، يقدم ما عليه ويأخذ ما له . ولا يكون ذلك إلا بالاعتصام بحبل الله المتين ، كما يقول الله جل جلاله : { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } ( القرآن الكريم ، آل عمران ) . ولا بد من تحريم الدم الفلسطيني وحظر اللجوء للقوة العسكرية لحل الخلاف بين المنافسين .

ثالثا : للخروج من المأزق الحالي الذي وصلت إليه الساحة الفلسطينية الداخلية وتثبيت مبدأ ( لا غالب ولا مغلوب ) من الضروري تنظيم انتخابات عامة رئاسية وبرلمانية في فلسطين مبكرة . وينبغي الابتعاد عن التشهير والتخوين والتكفير وتبادل الاتهامات ، وتحميل هذا الطرف أو ذاك أسباب وتبعات إفشال أو تفشيل اتفاق مكة المكرمة ، فالجميع يتحمل عملية الإخفاق التي غطت ساحة الوطن . ففي الانتخابات الرئاسة والنيابية المبكرة يتم الحسم التنافسي للأبد ، وإجراء انتخابات برلمانية لعضوية المجلس الوطني الفلسطيني تكون مقدمة للوحدة الوطنية الفلسطينية الشاملة داخل الوطن وخارجة تحت لواء منظمة التحرير الفلسطينية ، بميثاق وطني جديد ، يكرس الإسلام العظيم منهجا للحياة الفلسطينية العامة . والانتخابات العامة هي البديل الأفضل والأصلح والأنقى للتنظيم والشعب للتداول السلمي للسلطة بعيدا عن الفوضى والسلاح والفلتان والاقتتال ، فصناديق الاقتراع هي الحكم بين الجميع . ففي حالة الاختلاف كما هو بارز في الساحة المركزية الفلسطينية في الوطن لا بد من اللجوء للسواد الأعظم ، أي جملة الناس ومعظمهم ، فيا أيها الفلسطينيون : ” عَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ ” .  جاء بالمعجم الكبير للطبراني – (ج 7 / ص 164) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” ذَرُوا الْمِرَاءَ، فَإِنَّ بني إِسْرَائِيلَ افْتَرَقُوا عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً ، وَالنَّصَارَى عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهُمْ عَلَى الضَّلالَةِ إِلا السَّوَادَ الأَعْظَمَ”، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَنِ السَّوَادُ الأَعْظَمُ ؟ قَالَ : ” مَنْ كَانَ عَلَى مَا أَنَا عَلَيْهِ ، وَأَصْحَابِي مَنْ لَمْ يُمَارِ فِي دِينِ اللَّهِ ، وَمَنْ لَمْ يُكَفِّرْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ بِذَنْبٍ غُفِرَ لَهُ “.

وكذلك لا بد من تقديم الشكر والعرفان لم ضحى من الحركات الفلسطينية الوطنية والإسلامية في سبيل العزة الفلسطينية والكرامة الوطنية والإسلامية للدفاع عن حمى فلسطين . جاء بمسند أحمد – (ج 37 / ص 403) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” مَنْ لَمْ يَشْكُرْ الْقَلِيلَ لَمْ يَشْكُرْ الْكَثِيرَ ، وَمَنْ لَمْ يَشْكُرْ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرْ اللَّهَ . وَالتَّحَدُّثُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ شُكْرٌ ، وَتَرْكُهَا كُفْرٌ ، وَالْجَمَاعَةُ رَحْمَةٌ ، وَالْفُرْقَةُ عَذَابٌ ” . فلا بد من تقدير جهود الثورة الفلسطينية التي قدمت قوافل الشهداء على مذبح الحرية والاستقلال ، دون تشنجات أو استفزازات ، ولا بد من البدء بصفحة جديدة قائمة على التعددية السياسية والاحترام المتبادل بين الجميع ، والتنافس الشريف وتكريس كل الجهود لمقاومة الاحتلال بدلا من الالتهاء بمناصب وزارية أو مقاعد برلمانية ليس لها حول ولا قوة في مواجهة الاحتلال .

رابعا : من المأمول فيه ، العمل على خوض انتفاضة فلسطينية جديدة وإشعال الجهاد في فلسطين لطرد الغزاة المحتلين ، فتصدير الخلافات الداخلية ضد الاحتلال واجب حتمي للتوحيد على أرض المعركة ، وتحقيق الثوابت والحقوق الوطنية الفلسطينية المتمثلة بإقامة دولة فلسطين المستقلة وعاصمتها القدس الشريف ، وعودة اللاجئين الفلسطينيين لديارهم الأصلية ، وجلاء الاحتلال عن الأرض الفلسطينية ، وإزالة المستوطنات اليهودية وغيرها . ويكون ذلك وفق سياسة المراحل المتتابعة ( خذ وطالب ) وليس بأخذ كل فلسطين أو لا شيء ، فسياسة كل شيء أو لا شيء ، غير مجدية ، في ظل غياب التوازن العسكري بين شعب فلسطين والأعداء . ففي الانتفاضة تتوحد الجهود ويمكن تعزيز الصمود ونقل المعركة الداخلية لساحة الصراع الأساسية وهي الاحتلال الجاثم فوق أرض فلسطين . وهذا الأمر بحاجة لدعم عربي وإسلامي وعالمي مناسب على الأصعدة السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والنفسية العامة . ولا بد من توزيع الأدوار السياسية والعسكرية المقاومة للاحتلال دون انتقاص لمشاركة أي طرف كان . فالحقوق الفلسطينية لا تعطى من أحد وإنما يتم انتزاعها من الغاصبين المحتلين .

خامسا : تطهير الحركات الفلسطينية : الوطنية والإسلامية بما فيها حركتا فتح وحماس من المتشددين المنادين بالفتنة والحرب الداخلية أو ما يسمى بالحسم العسكري أو الانقلاب على الشرعية الفلسطينية الواحدة ، وكذلك لا بد من استبعاد المنافقين والمنتفعين والمتسببين بالفلتان الأمني والفوضى السياسية والعسكرية بين أبناء الشعب الفلسطيني الواحد . وكذلك لا بد من محاسبة الذين تسببوا بالأخطاء السابقة لأنها وصلت إلى درجة الخطايا الوطنية الكبرى تأسيسا للمستقبل المقبل في فلسطين الحرة العزيزة العصية على المعتدين اليهود الصهاينة .

سادسا : توزيع الأدوار بين أبناء الشعب ، والابتعاد عن سياسة الإقصاء ، ويكون ذلك بتوزيع الأدوار بين الحركات والفصائل والأحزاب السياسية ، سياسيا واقتصاديا وعسكريا ونفسيا ، والاستفادة من تجارب وأخطاء الماضي ، لخدمة الحاضر الفلسطيني ، واستشراف المستقبل الواعد ، وذلك بوضع برنامج سياسي وطني فلسطيني استراتيجي جامع وشامل ، ووضع الخطوات المرحلية للتنفيذ ، باتفاق كافة القوى الوطنية والإسلامية على الساحة الفلسطينية ، الداخلية والخارجية .

     فالإخفاق الحركي لأي تنظيم فلسطيني كبير أو متوسط الحجم ، يلقي بظلاله الكئيبة على فلسطين أرضا وشعبا ، فكيف إذا كان إخفاقا حكوميا يمثل رؤى فلسطين وخارطتها السياسية العامة على مستوى الساحات العربية والإقليمية والدولية . فلا بد من النجاح بعيدا عن الإخفاق البطئ أو السريع ، فالفشل يدمر الانجازات السابقة ، ويجب أن تبدأ أي حكومة جديدة من حيث بدأت الحكومات السابقة في برنامج التحرير العام بعيدا عن التنازلات المضرة بحق الشعب والوطن . فالثبات والصمود والمقاومة المتعددة الأشكال تسيران في خطين متوازيين لا يسبق أحدهما الآخر . ولا بد من استبعاد نهج الاكتساح العسكري لبعضنا البعض فنحن جميعا محاصرون في سجن كبير واحد ، جاء بصحيح البخاري – (ج 21 / ص 460)  قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا ” . وما هذه الحواجز العسكرية الصهيونية التي تفصل المدن والمحافظات الفلسطينية عن بعضها البعض إلا مثال حي على استمر الغي الصهيوني وحرمان شعب فلسطين الأصلي في هذه البلاد من حقوقه السياسية العامة إلا إثبات عملي على ما نقول . فلتتوقف الملاحقات الفلسطينية للفلسطينيين ويجب وضع حد للاعتقالات السياسية المتبادلة في قطاع غزة والضفة الغربية لأن الخاسر الوحيد هو شعب فلسطين ، وليعد للشعب هيبته ومجده ، لأنه في سجن كبير يحاصره الأعداء من الجهات الأربع ، ومن الضروري العمل سويا لفك الحصار المتعدد الوجوه المفروض على فلسطين .

سابعا : الإصلاح العام ، ووقف الحملات الدعائية والإعلامية بين الحركتين ، فتح وحماس ، لإصلاح الساحة الفلسطينية العامة في أرض فلسطين الكبرى . والاتجاه نحو الإعداد للفتح المبين بالحماس القوي الشديد باتجاه الأعداء وليس بمحاربة الأشقاء أو الأصدقاء ورفاق الدرب التحرري الواحد ، فالمصير واحد والاحتلال واحد ، فيجب توحيد الجميع في خندق واحد لا في فندق واحد فقط . ولا بد من تفعيل قول الله تبارك وتعالى ، للحد من الخصام وتغليب حالة الوئام والاحترام بين جميع أبناء الشعب العربي الفلسطيني المرابط فوق ثرى وطنه : { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10)}( القرآن الكريم ، الحجرات ) .

ثامنا : الصبر والظهور على الحق ، لتكونوا يا أبناء فلسطين من أبناء الطائفة الإسلامية المنصورة في هذه الأرض المقدسة التي تحدث عنها النبي المصطفى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء بصحيح مسلم – (ج 1 / ص 373) : ” لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . قَالَ : فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ : تَعَالَ صَلِّ لَنَا . فَيَقُولُ : لَا إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ تَكْرِمَةَ اللَّهِ هَذِهِ الْأُمَّةَ” . وفي مسند أحمد – (ج 45 / ص 281) أيضا ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لَعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إِلَّا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لَأْوَاءَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ . قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ : وَأَيْنَ هُمْ ؟ قَالَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ” .

انتهى بحمد الله وفضله .

 ====================

 

بريد الكتروني :

K_ALAWNEH@YAHOO.COM

KAMAL.SHEHADEH@YAHOO.COM

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s