رسائل إسلامية .. من سجون صهيونية 1- 2 – 3 – 4 .. د. كمال إبراهيم علاونه

رسائل إسلامية .. من سجون صهيونية

( 1 )
د. كمال علاونه
فلسطين العربية المسلمة

هذه رسائل إسلامية فلسطينية كتابية قصيرة من خلف قضبان سجون صهيونية : وهي رسائل كتابية صغيرة مقتضبة ، تؤدي المغزى المنشود منها ولا تخل بالجوهر والمضمون . وهذا مثال ، على رسالة أهلية خاصة قصيرة ، كتبها السجين المؤلف إبان انتفاضة فلسطين الكبرى الأولى ، وخرجت عن طريق الصليب الأحمر الدولي من سجون الاحتلال ويراجع الأهل مكتب الصليب الأحمر لاستلامها كل عائلة أسير في منطقته .
بسم الله الرحمن الرحيم
التاريخ : 21 تموز 1988
الأهل الأحبة حفظهم الله

الموضوع : رسالة الحج والعيد – من سجن النقب الصحراوي

قال الليالي جرعتني علقما … قلت ابتسم ، ولئن تجرعت العلقما
يصادف يوم السبت 23 تموز 1988 ، الموافق 9 ذي الحجة 1408 هـ ، الوقوف بعرفات ، حيث يتوجه المؤمنون إلى مكة المكرمة لتأدية أحد فروض الإسلام العظيم الخمسة ، حيث يقول الله عز وجل بالقرآن المجيد : { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا } . ويصادف يوم الأحد 10 ذي الحجة يوم العيد ، عيد الأضحى المبارك ، وهو العيد الثاني للمسلمين ، إنه عيد القرابين والكبش السمين بدلا من سيدنا إسماعيل وقصته مع أبينا إبراهيم . وفي هذه الأيام التي تسبق العيد يكون المسلمون قد توجهوا إلى الكعبة المشرفة ، لتأدية مناسك الحج ، ومن ثم يعود الحجيج إلى ديارهم وأوطانهم ، ونحن هنا في ارض سجن النقب حججنا إلى معسكر أنصار 3 ، ولكن مع تشابه بسيط وهو أن موسم الحج إلى هذا المعتقل قد جاء بالمئات بواسطة الحافلات والباصات بينما يتوجه الحجاج الدينيون المسلمون بوسائل النقل الثلاثة : الجوية والبرية والبحرية بالألوفات ، والحج هنا في سجن النقب اليهودي سياسي ، هناك ديني مقدس . وقد جاء موسم حجنا إلى النقب قبل عيد الفطر السعيد الذي لم يسعد هو ولم نسعد نحن في ديارنا لأمور لا تخفى على أحد . ويأتي عيد الأضحى ليضيف معاناة إلى معاناة ، وآمال إلى آمال ، ونظرات إلى تطلعات وانتظار إلى انتظارات ولكن : هيهات .. هيهات . سوف نحول المعاناة إلى فرحات ونحول الانتظارات إلى عودات بفعل الإرادة والعزائم القويات ، ولا بد للقافلة من الإياب والرجوع إلى الأطفال والطفلات ، إلى الإخوة والأخوات ، إلى الآباء والأمهات ، وإلى الزوجات . فهناك تشابه كبير إلى حد ما ، ما بين الحج المكي والحج النقبي . وهناك اختلاف في الوجهة والتوجهات .. وإن الفجر آت .. آت .. آت .
مر العيد الأول ، ويمر العيد الثاني ، ولكن مع أو بدون الآهات لتصل عنان السماوات ، بدون رسائل وبلا زيارات ، إن الأعياد أصبحت لا تعني لنا شيئا .. سوى التكرار في الأيام والأسابيع والأشهر والسنوات . وكما يقول الشاعر : عيد بأي حال عدت يا عيدُ .. بما مضى أم لأمر فيك تجديد . ومع ذلك فطوبى للحجاج من كل الاتجاهات . فحج مبرور وسعي مشكور وذنب مغفور ، إن شاء الله ، وتجارة لن تبور .
ومع هبات الرياح الشمالية ، مع خيوط الشمس الذهبية ، مع أجنحة الطيور البرية ، ومع انعكاسات القمر الليلية ، ومع أضواء النجوم المرئية ، ابعث لكم ألف سلام وتحية ، من أرض النقب الصحراوية ، إلى نابلس وأرض عزموط الشجرية الزيتونية ، لا شرقية ولا غربية ، لترسم لكم أحلى لوحة فنية في ظل غياب الزيارات العائلية .
أهلي الأعزاء ، أبعث لكم بأحر سلاماتي وأشواقي القلبية لتصل إلى الوالد العزيز والأم الحنونة ، وإلى جميع الأخوة : جميل وزوجته وأولاده ، وجمال وزوجته وأولاده وإلى محمود وكايد . وسلامي إلى الأخوات : فاطمة وسحر وسمر وسنيورة وسهام وأولادها . وسلاماتي إلى أنسبائي الأعزاء آل أبو غضيب الكرام فردا فردا . كما ابعث بسلامي إلى كافة الأعمام الأخوال وأبناءهم ، فألف تحية وسلام إلى كل إنسان يسأل عني ، وسلامي إلى الجميع بلا استثناء . وكل عام وأنتم بألف خير بمناسبة عيد الأضحى المبارك ، الذي سوف يهل علينا وعليكم وعلى المسلمين في كل مكان بلا جديد أو أخبار سارة سوى الدعاء لتحقيق الأماني والطموحات .
زوجتي الغالية أم هلال .. طفليََ العزيزين هلال وحازم العظيمين حفظهم الله ، وأطال في أعمارهم ( كل عام وأنتم بألف خير ) . ابعث لكم أحر أشواقي وسلاماتي وتحياتي التي تفوق حرارتها درجة الحرارة الصيفية في أقاصي أصقاع الكرة الأرضية ، فما أجمل سماء نابلس الفلسطينية ، وما أحلاه وما أروع عزموط ، وما أنقى هوائها وما أطيب جوها الدافئ المبتسم ، آملا أن يكون دائما مبتسما وضاحكا كما عهدته . غاليتي أم هلال ، ابعث لك ولأطفالنا الأحباء هلال وحازم ، هذه الكلمات الباسمة راجيا من الله العلي القدير أن تصلكم رسالتي هذه وأنتم في تمام الصحة والعافية . وأقول لكم ، إن قطار الزمن يسير بسرعة متناهية مجتازا كل الحواجز الطبيعية التي تفصل بيننا ، لأن هذا القطار من المستحيل إيقافه ، وإن عقارب الساعة لا يمكن أن ترجع إلى الوراء ، بأي حال من الأحوال ، وإن الإرادة القوية الصُلبة هي التي تجعل المستحيل ممكنا ، كما يفعل الماء اللين في الصخر الجلمود .
إن فلسفة الحياة تشمل السعادة والحزن ، الإبتسامة والدمعة ، اللقاء والوداع ، التحرك والسكون ، المشي والوقوف ، وكما يقول المثل : للسعادة أمران هما : فرج بعد ضيق ، ونجاح بعد فشل . وما أضيق الحياة لولا فسحة الأمل ، فطوبى للصابرين ، وللمنتظرين العودة والرجوع ، وطوبى للمبتسمين دائما رغم الملمات والهموم . وكما يقول الله تعالى : {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا } .
طفليَ العزيزين ، هلال وحازم ، ابعث لكما أحر قبلاتي الأبوية الصادقة عبر الهواء والأثير صباحا وظهرا ومساء . أعزائي الثلاثة ، كيف حالكم ؟ وكيف صحتكم ؟ عساكم بخير وبصحة جيدة ، آملا أن لا ينقص عليكم شيئا . إن إيماننا بالله عز وجل قوي ومتين ، لأنه هو الرازق الكريم ، وكما يقول الله في القرآن الكريم : { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا } ، وكذلك : { وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ } ، ورغم هذا وذاك ، فإنني قلق عليكم لأني لا أعرف عن أخباركم شيء منذ اعتقالي في الخامس من نيسان . وها قد أقبل الشهر الثامن شهر آب ، أو كاد ، ولم أعرف عنكم شيئا . فكم أنا عاتب عليكم لأنكم لا تراسلوني بإنتظام ، والمراسلة تكون عبر مكتب الصليب الأحمر بنابلس ، وعلى نماذج خاصة ، مثل هذا النموذج الذي بين أيديكم . فلقد بعثت لكم عدة رسائل ولكن بدون رد أو جواب ، فربما أعذركم عندما أعرف السبب وربما لا أعذركم ، وخاصة أنه لا توجد زيارات بيننا . وفي هذه الحالة فإن الرسائل تبقى هي الوسيلة الوحيدة للإتصال بيننا كما يقول الشاعر : فجودوا عليَ بوصل إنا مفرق .. وأكثر عمر العاشقين قصير . ولقد أعذرتكم عندما وصلتني رسالتكم المؤرخة في 4 تموز 1988 ، هذه الرسالة ، ذات المعاني والعبارات الرقيقة الشفافة ، ولطالما انتظرت وصول رسالة من الأحباب ، إنها الفرحة ، إنها جزء من الأمل والمحبة والإخلاص .
وبالنسبة لي ، فأنا بخير والحمد لله رب العالمين على كل حال ، فلا ينقصني سوى الحرية ومشاهدة أنواركم البهية ، حيث ما زلت في سجن معسكر أنصار 3 ، في جناح ب ، قسم 2 ، في خيمة رقم 12 ورقمي في السجن 2654 . إن منظر الخيم العسكرية التي نعتقل بها ، يشبه الأهرامات المصرية ولكن بشكل مصغر . في 7 تموز قدم لي المحامي عدنان أبو ليلى استئنافا على قرار اعتقالي الإداري ، ولم نعرف نتيجة الاستئناف لغاية كتابة هذه السطور . يزورنا الصليب الأحمر ، مرة كل عشرة أيام ، تصلنا صحف القدس والجروزالم بوست وهآرتس أسبوعيا . اقضي وقتي في الصلاة وقراءة القرآن الكريم ، والمطالعة ولعب الألعاب المسلية كالشطرنج والدومينو وغيرها . في بعض الأحيان نغسل ملابسنا . ونأكل كل اثنين مع بعض على صحن كبير له عدة عيون يسمى ( المغاش ) . لكل معتقل خمس سجاير دخان من نوع ( أسكت ) أوزع هذه السجائر على المعتقلين الآخرين . ونقضي وقتنا داخل الخيم بسبب ارتفاع درجات الحرارة وخاصة في هذا الشهر ، شهر تموز . وتصل لكل خيمة شفرة حلاقة واحدة ، ولهذا فإنني لم أحلق ذقني منذ اعتقالي ، وقد أصبحت لحيتي طويلة .
ملاحظة : بعثت لكم عدة رسائل على صندوقنا البريدي رقم 1355 ، فأنظروا إلى هذا الصندوق بانتظام .
وأخيرا ، أتمنى لكم دوام الصحة والعافية ، وسلام سليم ارق من النسيم ، ودمتم سالمين . وإلى اللقاء . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
من سجن النقب الصحراوي ( أنصار 3 ) ، في 21 تموز 1988 .
المخلص لكم دوما
كمال إبراهيم شحادة علاونه
أبو هلال
——————-
ملاحظة : هذه رسائل حقيقية ارسلت للأهل قبل حوالي 21 عاما عندما كنت أسيرا في سجون الاحتلال الصهيوني .

رسائل إسلامية .. من سجون صهيونية
( 2 )

د. كمال علاونه
فلسطين العربية المسلمة

هذه رسائل إسلامية فلسطينية كتابية قصيرة من خلف قضبان سجون صهيونية : وهي رسائل كتابية صغيرة مقتضبة ، تؤدي المغزى المنشود منها ولا تخل بالجوهر والمضمون . وهذا مثال ، على رسالة أهلية خاصة قصيرة ، كتبها السجين المؤلف إبان انتفاضة فلسطين الكبرى الأولى ، وخرجت عن طريق الصليب الأحمر الدولي من سجون الاحتلال ويراجع الأهل مكتب الصليب الأحمر لاستلامها كل عائلة أسير في منطقته .
رسالة أهلية خاصة قصيرة : المرسل : كمال إبراهيم محمد شحادة علاونه ، من سجن النقب الصحراوي ( كتسوت ) أنصار 3 ، قسم 3 ، جناح 1 ، خيمة رقم 15 ، رقم المعتقل 13966 . المرسل إليه : هلال كمال علاونه ، نابلس . ص . ب ( 1355 ) . ونصها :

بسم الله الرحمن الرحيم
التاريخ : 18 تموز 1989 .
الأهل الأحبة حفظهم وأدامهم الله
، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وبعد
الموضوع : ( رسالة الشمس )
من سجن أنصار 3 بالنقب
أكتب لكم هذه الرسالة من قلب الصحراء ، من سجن أنصار 3 في النقب ، بعد تأدية صلاة عشاء يوم الأثنين لتصل إليكم في ربوع قريتنا الحبيبة عزموط بفلسطين ، حاملة ألطف وأجمل الأشواق والسلامات الحارة حيث أبثها إلى الوالد العزيز وإلى الأم الحنونة ، وإلى الأخوة جميعا وعيال المتزوجين منهم . وسلاماتي الحارة إلى الأخوات العزيزات جميعهن ، وإلى الأقارب وإلى أنسبائي الكرام فردا فردا . وألف تحية وسلام إلى جميع الأصدقاء ، وإلى كل من يسأل عني .
زوجتي العزيزة أم هلال ، أبنائي الأعزاء ( هلال وحازم ) حفظهم الله
أكتب لك ولأطفالنا الأحباء هذه الرسالة وهذه السطور وكلي أمل من الله العزيز الحكيم ، أن تصل إلى ثلاثتكم وأنتم في تمام الصحة والعافية ، راجيا من الله العلي القدير أن يهدي ويصلح بالكم ويثبت أقدامكم ، وأن تكونوا على أتم الإيمان بقضاء الله وقدره . فهذه هي حال الدنيا ، وهذه هي سنة الحياة ، وسيجعل الله بعد عسر يسرا ، ومن يتوكل على الله فهو حسبه ، والله غالب على أمره . إن حياتنا وكما تعلمون هي رمز للصبر والتضحية والإباء والشموخ ، والشموع عادة تحترق لتضيء الدرب للجميع . ونحن شموع نورانية لتضيئ بشكل دائم ومستمر درب الحياة . إن الحياة حلوة خضرة يانعة كفصل الربيع ، وقد تأتي جافة كفصل الصيف في بعض الأحيان . وإن السفينة التي تمخر عباب البحر سوف ترسو على شاطئ الأمان في القريب بإذن الله العزيز الحميد ، إنه شاطئ الحب والحنان وتحقيق الذات الإنسانية والوطنية على اختلاف أشكالها وأنواعها . وحينها ستلتقي القلوب ويلتم الشمل ، شملنا جميعا ، وستكون ساعتها السماء صافية ذات هواء نقي ، فالله يجمع بيننا إن الله على كل شيء قدير . فطوبى للصابرين ، الحامدين الشاكرين لله في السراء والضراء . ولا يفوتني أن أذكركم أنه سينضم إلى أسرتنا الصغيرة قريبا بإذن الله طفلا ثالثا ، إما أحمد أو آية . فأهلا بالقادم الجديد ، والسلام عليه يوم يلد ويوم يموت ويوم يبعث حيا ، وقبلاتي الحارة إلى الأحباء هلال وحازم . وأنا أكتب لكم يتوقف القلم بعض اللحظات متأملا ومتخيلا وبعمق صوركم وملامحكم المباركة . أنا بصحة جيدة والحمد لله رب العالمين ، على كل حال . نعيش في الخيم ، نأكل ونشرب ، نصلي ونقرأ ، نلعب ونمشي في ساحة السجن وتبقى الخيم مفتوحة من السادسة صباحا وحتى العاشرة ليلا . وتمضي الأيام وتمر الأسابيع ، ونحن حامدون مسبحون لله عز وجل ، مؤمنين إيمانا كاملا بالله رب العرش العظيم ، وما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن . ونحن صابرون ونتمتع بمعنويات عالية قوية فالجبل لا يهتز أبدا ، وهكذا نحن وسنبقى بإذن الله شامخين شموخ الجبال في عنان السماء ، كجبل الجرمق في فلسطين بالمحبة والوفاء والأمل والصبر ، ولسان حالنا يقول ” يا هلال لا تخف إنك أنت الأعلى ” ، فرغم تكالب الأعداء سنبقى كالنسور فوق الصخرة الشماء . وليكن إيماننا بالله العزيز الجبار ثابت وقوي : {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } . إن الحياة ربما تكون صعبة في بعض الأحيان ، إلا أننا سنجتاز هذا الدرب حاملين أشعة الشمس الذهبية بأيدينا لتضيئ الآفاق للجميع . وحسبنا الله ونعم الوكيل ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ } .
ودمتم سالمين . وسلام لكم وعليكم . وإلى اللقاء القريب إن شاء الله تعالى .
المخلص لكم
كمال شحادة – أبو هلال

رسائل إسلامية .. من سجون صهيونية
( 3 )

د. كمال علاونه

فلسطين العربية المسلمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الأهل الأحبة حفظهم وأدامهم الله ،
السلام عليكم ورحمته الله وبركاته ، وبعد :

الموضوع : رسالة ( الكوخ والحديقة والشمس )
( صور مرسومة من رسام فلسطيني أسير )

ما ضل ذو أمل سعى يوما وحكمته الدليل

والدي العزيز ، والدتي الحنونة ، ابعث لكما أحر تحياتي وسلاماتي وأشواقي القلبية الصادقة من أعماق قلبي ، فألف قبلة لأياديكما الطاهرة ، فانتم ينبوع من العطاء لا ينضب . كما أبعث بأحر سلاماتي وتحياتي إلى الأخ جميل وعياله وجمال وعياله والأخوين محمود وكايد والى الأخوات فاطمة وسحر وسمر وسنيورة والأخت سهام وأولادها ، راجيا من الله العلي القدير العزيز الحكيم أن تكونوا جميعا بأحسن حال وبصحة جيدة . كما وابعث بتحياتي وسلاماتي إلى انسبائي الأعزاء آل أبو غضيب الكرام فردا فردا ، وسلام خاص إلى عمتي أم هاني وسلامي إلى الأعمام والأخوال وأبناءهم فردا فردا ، وسلامي وتحياتي إلى الأستاذ خالد ” أبو محمد ” والى أبو أيمن وعياله وألف تحية وسلام إلى كل من يسأل عني من الأصدقاء .

زوجتي الغالية أم هلال ، حفظها وأدامها الله : ابعث لك بأحر سلاماتي وأشواق المحبة والتقدير والاحترام والإخلاص والوفاء ، وابعث بأحر أشواقي وقبلاتي الحارة إلى طفلينا الأعزاء هلال وحازم حفظهم الله وشملهم في رعايته الإلهية راجيا من البارئ عز وجل أن تصلكم كلماتي وحروفي هذه وانتم في تمام الصحة والعافية . وعندما وصلني النموذج المخصص للرسائل وهو الذي بين أيديكم ، قمت بمراجعة الرسائل الثلاث التي وصلتني منكم والمؤرخة في حزيران و4 / 7 و9 / 7 عام 1988 مراجعة عميقة متفحصة لكل جملة وكلمة ، هذه الرسائل التي أصبحت وسيلة الاتصال بيني وبينكم تصلني بعد ثلاثة أسابيع من كتابتها ، وكما يقول المثل ” الرسالة نصف المشاهدة ” . وبين الفينة والأخرى استعيد قراءتها لأنها ذكرى عطرة كتبت بأحرف من نور كتبتها يد مباركة ، باركها الله عز وجل ، فتحت نوافذ التنفس والتعبير وخففت الغليان الداخلي ليتبدل القلق سكينة والفزع طمأنينة ، فعرفت جزءا من أخباركم وأحوالكم بشكل ملموس ومحسوس نوعا ما . على إن الفراق لا وجود له ، وما هو إلا عارض من عوارض الدنيا ، وما يدرينا لعلنا لم نفترق ! وان كان افتراق أجسامنا فان قلوبنا وتفكيرنا ، وصوركم دائما في مخيلتي وذهني . وكما يقول المثل :

لسان الفتى نصف ونصف فؤاده فلم يبق إلا صورة اللحم والدم

وفي ظل الذكرى تختفي الآماد والإبعاد وتساقطت علي الأفكار أثناء كتابة هذه الرسالة خفاقة كما يتساقط ندف الثلج من السماء . وقد قطع صوت أذان المغرب للصلاة من يوم الجمعة متابعتي للكتابة حيث صليت صلاة المغرب جماعة كما نصلي عادة داخل الخيمة ، وعدت لمتابعة الكتابة في هذه الرسالة . لقد استحالت البسمات على الشفاه هي الأخرى إلى كلمات مع مرور الأيام والأسابيع والشهور ، فالأيام هي ألد عدو لنا كما إنها اعز صديق لنا . إن الدنيا عبارة عن سوق .. وكل شئ فيها بثمن ، ومن ضمن ثمنها البعد عن الأحباء والغربة القسرية ، إلا أنه يوجد في الدنيا ضوء خير ، ويتسامى ضوئها إلى النور الأسمى . لقد وصلتني رسائلكم الكريمة رقيقة كالمطر على الأرض العطشى حاملة المودة والابتسامة باعثة الدفء كالشمس مشرقة دائما ، فرحل ذهني إلى موطني متذكرا ومتأملا . وكل يوم يمر ، كل أسبوع ، كل شهر يترك علامة مميزة واضحة وجلية فيها بريق من الأمل ، وأتى الأمس وذهب ، وأيام كثيرة بعده ، ويوما بعد يوم صبت الشمس القاسية لهيبها شاوية التربة بشدة ، إلا أن الأمس واليوم وغدا وكل يوم هي من حياتنا جميعا وحياة أطفالنا هلال وحازم اللذان سيكبران بسرعة بإذن الله . الشمس والهواء والريح المليئة بذرات الرمال كانت في يوم من الأيام رفيقة دربنا حيث منحتنا الحرية والأكسجين والمطر ، وستظل كذلك إن شاء الله ، فالحياة سماوية اللباس مسكينة الأنفاس ، وبستان أيامنا نامي الشجر على مدى البصر .

زوجتي العزيزة أم هلال : إن قلوبنا قلوب إنسانية حية ، فالإنسانية ومن ضمنها الحرية هي كل شئ في الحياة ، فليس بالخبز وحدة يحيا الإنسان ، فهناك جوع إلى الطعام ، كما إن هناك جوعا إلى الحرية وتوقا وشوقا إلى الأهل والأحبة وأنوار القلب متعددة منها الحب والعلم والإيمان .

وبالعقل والقلب واليد يستطيع الإنسان تحقيق أهدافه وغاياته ، ولنصبر على البلوى والابتلاء . وكما يقول جل جلاله في القرآن الكريم : ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) )( سورة البقرة ) . فنقول ونردد القول دائما وأبداً :{ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ } ” اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا ” . ويقول تبارك وتعالى أيضا : { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (31) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ (32) }( القرآن المجيد ، محمد ) .

إن حياة الإنسان تشبه حياة النحل ، ولنأخذ العبرة من النحل ، الذي يحوم حول الإزهار في البرية والحدائق يغني لها بالطنين ويخفق حولها في الجناحين يعلو ويهبط .. ويأخذ رشفة رحيقها ثم ينكب عليها . ومن ناحية أخرى ، إن مغناطيس الحب للجميع ، لكافة الأهل والأحبة والأصدقاء ومغناطيس الأبوة يجذبني إلى أطفالنا الأعزاء هلال وحازم حفظهم الله ، وان النار لا يمكن أن تشتعل في الماء ، ولهذا فان الحنين إلى الماضي والذكريات الحلوة كحلاوة العسل الطبيعي ، والأمل في المستقبل هي من صفات الإنسان ، أي إنسان ، لأنه من لحم ودم وأعصاب .

أهلي الأعزاء : أنا بصحة جيدة وبخير والحمد لله رب العالمين ، على كل حال ، فأرجو الاطمئنان وعدم الخوف أو القلق ، وآمل أن لا تتقاذفكم الهواجس وتفزعكم الوساوس ، إن حياتنا في المعتقل أصبحت روتين في روتين ، تبدأ بصلاة الفجر فالعدد الصباحي ، أكل وشرب ، صلاة وعبادة ، قراءة ومطالعة ، مزح ولعب ومشي في الساحة خارج الخيم ، ونوم في الليل وبعض ساعات النهار ، وخروج إلى المحاكم وعودة منها ، استقبالات لمعتقلين جدد ووداع لآخرين انهوا عدة شهور من اعتقالهم الإداري تتراوح ما بين الثلاثة والستة شهور . وكما تعلمون لقد اعتقلت في 5 / 4 / 1988 ، وقد استأنف لي المحامي عدنان أبو ليلى في 7 / 7 / 1988 ضد قرار اعتقالي الإداري ، وقامت المحكمة العسكرية الصهيونية بتثبيت الستة شهور ، وبهذا يكون تاريخ انتهاء الستة شهور في 5 / 10 / 1988 إلا أن تاريخ تبليغي بقرار الاعتقال الإداري جاء في 11 / 4 / 1988 ، وبهذا فان تاريخ انتهاء الستة شهور ربما يكون في العاشر من تشرين الأول ( 10 / 10 / 1988 ) مع العلم انه قد يتم الإفراج عن أي شخص قبل انتهاء الستة شهور حتى وان ثبتت له مدة الاعتقال الإداري بستة شهور . ومن ناحية أخرى ، يخضع طارق حفظي من قريتنا عزموط – نابلس ، لأمر الاعتقال الإداري في نفس الخيمة الموجود بها أنا حيث نقل من الفارعة إلى أنصار 3 بسجن النقب الصحراوي في 11 / 8 / 1988 . وأرجو إخبار أهله انه بخير وبصحة جيدة ، ويبعث بسلامه وتحياته لهم .

الأهل والأحبة ، إن حياتنا أصبح لها صفة الاستقرار والثبات نوعا ما ، حيث يبعثان على التأمل والخيال انطلاقا يمتد إلى آفاق جديدة بعيدة حية ومعنوية تمتد على مدى البصر ، إننا نمارس الحياة والحياة تمارسنا .

وأخيرا : أتمنى لكم دوام الصحة والعافية والتوفيق ، ودمت سالمين . والى اللقاء .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

سجن النقب الصحراوي ( أنصار 3 ) ، في 19 / 8 / 1988

المخلص لكم دوما

كمال شحادة

أبو هلال

رسائل إسلامية .. من سجون صهيونية
( 4 )

د. كمال علاونه
فلسطين العربية المسلمة

27 آب 1988

بسم الله الرحمن الرحيم

رسالة آب اللهاب 1988 ..
وفي سجن النقب الصحراوي الغياب

الأهل والأحبة حفظهم الله ،

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وبعد :

تحيات وأشواق قلبية وسلامات حارة ابعثها إلى جميع الأهل والأحبة والأصدقاء ، حيث أبعثها إلى الوالد العزيز أبو جميل والوالدة الحنونة ، والإخوة جميل وعياله ، وجمال وعياله والأخوين محمود وكايد ، والأخوات فاطمة وسحر وسمر وسنيورة والأخوال وأبناءهم والى الانسباء الكرام آل أبو غضيب فردا فردا وخاصة عمتي وحماتي أم هاني ، وألف تحية وسلام إلى كل من يسأل عني من الأحباب والأصدقاء ، راجيا أن تصلكم كلماتي هذه وأنتم في تمام الصحة والعافية من الله العلي العظيم .
زوجتي الغالية أم هلال ، أبنائي الأعزاء هلال وحازم :
ابعث لكم بأحر أشواقي وتحياتي الصادرة من أعماق قلبي ، فالق قبلة حارة لكل من أطفالنا الأعزاء هلال وحازم . وتحية الشوق والاشتياق والمحبة لكم يا أعزائي الثلاثة في الصباح والظهر والعصر والمساء ، في النهار والليل ، عند طلوع الشمس وغروبها ، وعند شروق القمر وغروبه ، وعند طلوع النجوم وأفولها . وهلال أهل علينا ما أسطع نوره وأجمل مرآه ، وحازم أشرق علينا كشروق الشمس في سماه . ولئن كانت الشمس تعلم ما ينمو الشوق إلى الضياء فان الليل هو الذي يسمو إلى مقام النجوم . فسلام لكم وعليكم يا أعزائي الثلاثة ، رقيقا كمياه الجداول ، عميقا كظلال الشجر المسترخية في الوديان ، متألقا كالزهور اليانعة ، راجيا من الله الواحد القهار أن تصلكم رسالتي وحروفي هذه وانتم في وافر وتمام الصحة والعافية . وان حياتنا الأسرية والعائلية ستكون بإذن الله حياة كريمة تغمرها المحبة والسعادة والخير والتعاون ، وستكون رمزا ومثالا يحتذى به للبذل والعطاء . كما يقول الله جل جلاله : ( مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (262))( القرآن المجيد ، البقرة ) . وان التربية والتنشئة الاجتماعية الإسلامية هي الوسيلة الوحيدة التي تجعل الإنسان إنسانا بكل ما في الكلمة من معنى ، وإن الأمومة معينا لا ينضب عن العطاء بكل ما تحويه من مشاعر نبيلة وأعمال رفيعة ، وصبر على الجهد المتواصل على مدار أل 24 ساعة في اليوم ، ولهذا فان ( الجنة تحت أقدام الأمهات ) . ومن ناحية أخرى ، أهدى لكم عبر الهواء والأثير مباشرة أغنية فيروزية من أصل فلسطيني مغردة مع نسمات الصباح الباكر ( حبيتك في الصيف ، حبيتك في الشتي ) .
اكتب لكم هذه الرسالة الرقيقة الحروف والكلمات والجمل الممتلئة بالأحاسيس والمشاعر القلبية الشفافة والنبيلة التي تجول في خاطري تجاهكم والتي نطق بها لساني وتعبر عنها نظراتي على مدار اليوم لتصل إلى أسماعكم وأبصاركم لتخترق الحواجز الطبيعية والصناعية في بلادنا فلسطين الأبية مختصرة المسافات الطويلة المطوية لتجعلها قريبة من القلوب والأسماع والأبصار والأفئدة وتجعلها قريبة الروية . وأقول لكم كما يقول الشاعر :
ولئن سجنت فإنما تتطهر الزنزانة السوداء في أفكاري
وان السجن لا يغلق أبوابه على أحد ما دام له مفاتيح وأقفال ، ففلسفة الأبواب تقول ” إفتح يا مفتاح ، وأغلق يا قفل ، ثم أغلق يا مفتاح ” وهكذا دواليك .. فلكل شئ بداية ونهاية ، فهذه سنة الله في الحياة . ورغم هذا وذاك وذاك ، إن الظلام سرعان ما ينقشع كما تنقشع سحابة الصيف ، بلا بلل لأنه لا يدوم وسرعان ما يأتي النور مضيئا أيام الحياة الإنسانية في كافة أرجاء المعمورة من حولنا هازما الظلم والظلام . فالقبس النوراني يشير إلى المستقبل الزاهر المشرق والذي يبشر بوصول الحياة الإنسانية الصحيحة إليه ، بالحرية والاستقلال والنظام ، وتنسم عبير الحرية والعدالة الأبدية الربانية ، في يوم من الأيام ، لكي يتمكن الإنسان من أن يعيش حياة كريمة ممتلئة بالعز والكرامة بعيدة عن الذل والإذلال والهوان ، فالأمل هو الإحساس الذي يجب أن يغلب على حياتنا . وكما يقول الشاعر :
أعلل نفسي بالآمال أرقبها ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل
فلندع الأيام تفعل ما تشاء ولنطب نفسا إذا حكم القضاء ، لان القضاء الإلهي سيحكم بالعدل والعدالة الفطرية الاجتماعية والإنسانية بين كافة المخلوقات من منطق إن الدهر يومان : يوم لك ويوم عليك ، فقطار الزمن سريع ومن المستحيل إيقافه ، فلننتظر : ” وان غدا لناظره قريب ” . وما على الإنسان إلا أن ينظر إلى المستقبل مع التفاته بسيطة إلى الوراء إلى الماضي ، تكون نظرة مراجعة مع الذات من أجل التقييم الصحيح والايجابي لان الالتفات والعودة خطوة إلى الوراء من اجل عشر خطوات إلى الأمام .
هذا من جهة ، ومن جهة ثانية ، هناك الحق والباطل ، الصواب والخطأ ، الصحة والمرض ، السراء والضراء ، وان فلسفة الحياة الإنسانية تقول : إن أفضل الأصدقاء هم الأوفياء الذين لا يتلونون كالحرباء حتى لو تلون الزمان ، ولا تعرف عمى الألوان ، فما تعرف المحبة إلا ساعة الفراق سواء قصرت ساعات وأيام الغربة والبعد أم طالت . وكما يقول المثل : ” إن الصديق وقت الضيق ” .
فالصبر الصبر يا أهلي وأحبتي ، ويا ابناء جلدتي ، فموعدنا النصر المبين إن شاء الله رب العالمين : { أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214)}( القرآن المجيد ، البقرة ) .
إن الخيال غالبا ما يحملنا إلى عوالم وهمية ، ولكن من دون الخيال لا يسعنا الذهاب إلى أي مكان في العالم قرب أم بعد . وفي الحق إن أبعد البعد هو الذي يفصل بين رؤى المنام ووعي اليقظة . ولا يملك الإنسان إلا إن يقول ( لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ) ، وخاصة عند انتقاله من حال إلى حال ومن مكان إلى مكان ومن وضع لوضع آخر .
الأهل الأعزاء : إننا نمارس الحياة والحياة تمارسنا ، والوقت عندنا مليء بالأعمال من صلاة وعبادة وتقرب إلى الله تعالى ، وقراءة ومطالعة ، ولهو ولعب ، أكل وشرب ، جلي وغسيل ، ونحت للحجارة حيث يمارس بعض الشبان المعتقلين هواية نحت الحجارة ، وأنا منهم كذلك ، فاخذوا يحولون الحجارة الخام إلى لوحات فنية رائعة ، فقد تطور فن النحت لدينا فحولت الحجارة إلى صور وأشكال مختلفة ومتنوعة وزخرفتها لامعة وجذابة كالمصاحف . واشتغل في هذه الأيام الأسيرة بنحت حجارة لتصبح حبات لوز جميلة تصلح هدايا وردية ورمزية لأغلى الأحبة في بلادنا المخملية .
سجن النقب الصحراوي / أنصار 3 ( كتسعوت ) في 27 / 8 / 1988 م .
المخلص لكم
كمال شحادة
أبو هلال

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s