لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ .. د. كمال إبراهيم علاونه

لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ

كتبهاد. كمال إبراهيم محمد شحادة ، في 25 شباط 2008 الساعة: 14:29 م

 لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ

د. كمال علاونه

فلسطين العربية المسلمة

الشكور هو اسم من اسماء الله الحسنى التسعة والتسعين ، التي تفرد بها الله إله العالمين جميعا ، من الأولين والآخرين ، سبحانه وتعالى الذي يستحق الشكر والحمد حتى يرضى ، وله الحمد والشكر إذا رضي ،  وله الحمد والشكر بعد الرضى . والشكر هو الحمد والاعتراف بفضل الأخر أو الآخرين على الإنسان ، وبالتالي لا بد من التعبير عن الشكر والنعيم بكلمات تقدم الاعتراف والامتنان لهذا الآخر . وأعظم الشكر هو شكر الإنسان لربه وخالقه جل وعلا لأنه هو الذي أعطى وتفضل بنعمه وهدى . ومن باب الدبلوماسية الاجتماعية تقديم الشكر للإنسان الذي قدم لك خدمة معينة سواء أكانت صغيرة أم كبيرة . والله جل وعلا يحب أن يعم الشكر بين الناس . ويتمثل الشكر لله سبحانه وتعالى بالسجود شكرا ، والتصدق والتحدث بنعمة الله على خلقه . والشُّكر: عرفان الإحسان ونشره وحمد موليه، وهو الشُّكُورُ أيضاً . والشكر: عرفان النعمة ، وإظهارها، والثناء بها . والشُكْرُ هو الثناء على المحسِن أو المحسنين للإنسان .  والتّجديفُ في بعض التفسير كُفرُ النِّعمةِ ، وهو التقصير في الشُّكر  [1] ، قال الله عز وجل: ” لا نريد منكم جزاء ولا شُكُوراً ”  . والشُّكْرُ : عِرْفانُ الإِحْسان ونَشْرُه ، أو لا يكونُ إلاَّ عن يَدٍ ، من اللهِ المُجازاةُ ، والثَّناءُ الجميلُ ، شَكَرَهُ ، له ، شُكْراً وشُكُوراً وشُكْراناً ، وشَكَرَ اللّهَ وللهِ وباللهِ و نِعمَةَ اللهِ ، بها ، وتَشَكَّرَ لهُ بَلاءَهُ ، كشَكَرَهُ . والشَّكُورُ : الكثيرُ الشُّكْرِ  [2] . والحمْدُ أَعمُّ من الشُّكر ،  ويقال لمن لا يشكر الناس يا ناكر الجميل . والكُفرُ أو الجحود هو نقيض الشكر  . ومن عبارات الشكر والإمتنان للإنسان (جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا ) ، وبارك الله فيك ، وبارك الله الرحمن الرحيم فيك وعليك . ويكون الشكر في السراء والضراء .

     قال الله الشكور : { وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ } [3] . وقال تبارك وتعالى : { فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ } [4] . وقال عز من قائل : { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ . وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآَخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ } [5] . وقال تعالى : {  لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آَيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ . فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ . ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ . وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آَمِنِينَ . فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ }[6] . وقال الله تعالى : { بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ } [7] . وعن كيفية شكر الإنسان لله عز وجل  ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ” مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ : اللَّهُمَّ مَا أَصْبَحَ بِي مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْكَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ فَلَكَ الْحَمْدُ وَلَكَ الشُّكْرُ ، فَقَدْ أَدَّى شُكْرَ يَوْمِهِ وَمَنْ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ حِينَ يُمْسِي فَقَدْ أَدَّى شُكْرَ لَيْلَتِهِ  ” [8] .

     وقد حض الإسلام الإنسان على شكر كل من يحسن إليه ويمد له يد العون المادي أو المعنوي أو كليهما ، ولو إحسان قليل . عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ” لَا يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ ” [9] . وفي رواية أخرى ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم : ” مَنْ لَمْ يَشْكُرْ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرْ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ” [10] . وخطب النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ فقال : ” مَنْ لَمْ يَشْكُرْ الْقَلِيلَ لَمْ يَشْكُرْ الْكَثِيرَ . وَمَنْ لَمْ يَشْكُرْ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرْ اللَّهَ . التَّحَدُّثُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ شُكْرٌ ، وَتَرْكُهَا كُفْرٌ ، وَالْجَمَاعَةُ رَحْمَةٌ ، وَالْفُرْقَةُ عَذَابٌ ” [11] . وكَانَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا جَاءَهُ أَمْرُ سُرُورٍ أَوْ بُشِّرَ بِهِ خَرَّ سَاجِدًا شَاكِرًا لِلَّهِ [12] . وكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ شاكرا وثانيا على الله عز وجل ، فقَالَ : ” رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ ، أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ ” [13] . وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَقَالَ لِفَاعِلِهِ جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ ” [14] .  وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : ” ابْتَاعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ رَجُلٍ مِنْ الْأَعْرَابِ جَزُورًا أَوْ جَزَائِرَ بِوَسْقٍ مِنْ تَمْرِ الذَّخِرَةِ وَتَمْرُ الذَّخِرَةِ الْعَجْوَةُ . فَرَجَعَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى بَيْتِهِ ، وَالْتَمَسَ لَهُ التَّمْرَ فَلَمْ يَجِدْهُ . فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ : يَا عَبْدَ اللَّهِ إِنَّا قَدْ ابْتَعْنَا مِنْكَ جَزُورًا أَوْ جَزَائِرَ بِوَسْقٍ مِنْ تَمْرِ الذَّخْرَةِ فَالْتَمَسْنَاهُ فَلَمْ نَجِدْهُ . قَالَ ، فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ : وَا غَدْرَاهُ ؟ قَالَتْ : فَنَهَمَهُ النَّاسُ . وَقَالُوا : قَاتَلَكَ اللَّهُ ! أَيَغْدِرُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَتْ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : دَعُوهُ ، فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا . ثُمَّ عَادَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : يَا عَبْدَ اللَّه إِنَّا ابْتَعْنَا مِنْكَ جَزَائِرَكَ وَنَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ عِنْدَنَا مَا سَمَّيْنَا لَكَ فَالْتَمَسْنَاهُ فَلَمْ نَجِدْهُ . فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ : وَا غَدْرَاهُ . فَنَهَمَهُ النَّاسُ ، وَقَالُوا : قَاتَلَكَ اللَّهُ ، أَيَغْدِرُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : دَعُوهُ ، فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا ، فَرَدَّدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا . فَلَمَّا رَآهُ لَا يَفْقَهُ عَنْهُ ، قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ : اذْهَبْ إِلَى خُوَيْلَةَ بِنْتِ حَكِيمِ بْنِ أُمَيَّةَ ، فَقُلْ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَكِ : إِنْ كَانَ عِنْدَكِ وَسْقٌ مِنْ تَمْرِ الذَّخِرَةِ فَأَسْلِفِينَاهُ ، حَتَّى نُؤَدِّيَهُ إِلَيْكِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ . فَذَهَبَ إِلَيْهَا الرَّجُلُ ، ثُمَّ رَجَعَ الرَّجُلُ ، فَقَالَ : قَالَتْ : نَعَمْ ، هُوَ عِنْدِي يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَابْعَثْ مَنْ يَقْبِضُهُ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلرَّجُلِ : اذْهَبْ بِهِ فَأَوْفِهِ الَّذِي لَهُ ، قَالَ فَذَهَبَ بِهِ ، فَأَوْفَاهُ الَّذِي لَهُ . قَالَتْ : فَمَرَّ الْأَعْرَابِيُّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ جَالِسٌ فِي أَصْحَابِهِ . فَقَالَ : جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا فَقَدْ أَوْفَيْتَ وَأَطْيَبْتَ . قَالَتْ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” أُولَئِكَ خِيَارُ عِبَادِ اللَّهِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُوفُونَ الْمُطِيبُونَ ” [15] . وعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلَادَةً ، فَهَلَكَتْ ، فَسَقَطَتْ مِنْ عُنُقِهَا، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِي طَلَبِهَا يَبْتَغُونَهَا، فَابْتَغَوْهَا. فَأَدْرَكَتْهُمْ الصَّلَاةُ فَصَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ ، فَلَمَّا أَتَوْا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، شَكَوْا ذَلِكَ إِلَيْهِ ، فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ . فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ : ” جَزَاكِ اللَّهُ خَيْرًا ، فَوَاللَّهِ مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ قَطُّ ، إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ لَكِ مِنْهُ مَخْرَجًا ، وَجَعَلَ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ بَرَكَةً ” [16] . وفي باب الثناء والشكر الحسن ، والثناء : المدح والوصف بالخير . عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدِّيلِيِّ قَالَ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَجَلَسْتُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَمَرُّوا بِجَنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا فَقَالَ عُمَرُ وَجَبَتْ فَقُلْتُ لِعُمَرَ وَمَا وَجَبَتْ قَالَ أَقُولُ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ” مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ لَهُ ثَلَاثَةٌ إِلَّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ ، قَالَ ، قُلْنَا : وَاثْنَانِ قَالَ : وَاثْنَانِ ” . قَالَ : وَلَمْ نَسْأَلْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْوَاحِدِ ” [17] . ومعنى وجبت : ثبتت وحُقَّت ولزمت . وفي رواية أخرى ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : ” مُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرًا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” وَجَبَتْ ” . وَمُرَّ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى ، فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرًّا . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” وَجَبَتْ ” . فَقَالَ عُمَرُ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي ، مُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرًا فَقُلْتَ : وَجَبَتْ ، وَمُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرًّا ، فَقُلْتَ : وَجَبَتْ . فَقَالَ : مَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ ، وَمَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا ، وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ ” [18] . ومعنى الثناء : المدح والوصف بالخير . وعن أنس ، قال : ” كنت قاعدا مع النبي صلى الله عليه وسلم فمر بجنازة ، فقال : ” ما هذه ؟ ” . قالوا : جنازة فلاني الفلان كان يحب الله ورسوله ، ويعمل بطاعة الله ، ويسعى فيها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” وجبت ، وجبت ، وجبت ” . ومر بجنازة أخرى ، قالوا : جنازة فلان الفلاني كان يبغض الله ورسوله ، ويعمل بمعصية الله ويسعى فيها ، فقال : ” وجبت ، وجبت ، وجبت ” . فقالوا : يا رسول الله قولك في الجنازة ، والثناء عليها أثني على الأول خير ، وعلى الآخر شر فقلت فيها وجبت ، وجبت ، وجبت ، فقال : ” نعم يا أبا بكر إن لله ملائكة تنطق على ألسنة بني آدم بما في المرء من الخير والشر ” [19] .  

     وعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : ” حَضَرْتُ أَبِي حِينَ أُصِيبَ فَأَثْنَوْا عَلَيْهِ وَقَالُوا : ” جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا ” فَقَالَ : رَاغِبٌ وَرَاهِبٌ قَالُوا اسْتَخْلِفْ فَقَالَ أَتَحَمَّلُ أَمْرَكُمْ حَيًّا وَمَيِّتًا لَوَدِدْتُ أَنَّ حَظِّي مِنْهَا الْكَفَافُ لَا عَلَيَّ وَلَا لِي فَإِنْ أَسْتَخْلِفْ فَقَدْ اسْتَخْلَفَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ ، وَإِنْ أَتْرُكْكُمْ فَقَدْ تَرَكَكُمْ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ حِينَ ذَكَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرُ مُسْتَخْلِفٍ ” [20] . وقَالَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ : ” خَرَجْنَا حُجَّاجًا فَلَمَّا كُنَّا بِالْعَرْجِ إِذَا نَحْنُ بِحَيَّةٍ تَضْطَرِبُ فَلَمْ تَلْبَثْ أَنْ مَاتَتْ فَأَخْرَجَ لَهَا رَجُلٌ خِرْقَةً مِنْ عَيْبَتِهِ فَلَفَّهَا فِيهَا وَدَفَنَهَا وَخَذَّ لَهَا فِي الْأَرْضِ . فَلَمَّا أَتَيْنَا مَكَّةَ ، فَإِنَّا لَبِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِذْ وَقَفَ عَلَيْنَا شَخْصٌ ، فَقَالَ : أَيُّكُمْ صَاحِبُ عَمْرِو بْنِ جَابِرٍ . قُلْنَا : مَا نَعْرِفُهُ ؟ قَالَ : أَيُّكُمْ صَاحِبُ الْجَانِّ . قَالُوا : هَذَا . قَالَ : أَمَا إِنَّهُ جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا ، أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَانَ مِنْ آخِرِ التِّسْعَةِ مَوْتًا الَّذِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ ” [21] . وقيل حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن زِيَادِ بن أَنْعُمٍ ، قَالَ : ” سَمِعْتُ أَبِي زِيَادَ بن أَنْعُمٍ ، يَقُولُ : ” إِنَّهُ جَمَعَهُمْ مَرْسَى لَهُمْ فِي الْبَحْرِ وَمَرْكَبَ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ ، قَالَ : كُلَّمَا حَضَرَ غِذَاؤُنَا أَرْسَلْنَا إِلَى أَبِي أَيُّوبَ وَإِلَى أَهْلِ مَرْكَبِهِ ، فَأَتَى أَبُو أَيُّوبَ ، فَقَالَ : دَعَوْتُمُونِي وَأَنَا صَائِمٌ ، فَكَانَ عَلَيَّ مِنَ الْحَقِّ أَنْ أُجِيبَكُمْ ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَقُولُ : لِلْمُسْلِمِ عَلَى أَخِيهِ الْمُسْلِمِ سِتُّ خِصَالٍ وَاجِبَةٍ فَمَنْ تَرَكَ خَصْلَةً مِنْهَا فَقَدْ تَرَكَ حَقًّا وَاجِبًا لأَخِيهِ : إِذَا دَعَاهُ أَنْ يُجِيبَهُ ، وَإِذَا لَقِيَهُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِ ، وَإِذَا عَطَسَ أَنْ يُشَمِّتَهُ ، وَإِذَا مَرِضَ أَنْ يَعُودَهُ ، وَإِذَا مَاتَ أَنْ يَتْبَعَ جِنَازَتَهُ ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَهُ أَنْ يَنْصَحَهُ ، قَالَ أَبِي : وَكَانَ فِينَا رَجُلٌ مَزَّاحٌ ، وَكَانَ عَلَى نَفَقَاتِنَا رَجُلٌ ، فَكَانَ الْمَزَّاحُ يَقُولُ لِلَّذِي يَلِي الطَّعَامَ : جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا وَبِرًّا ، فَلَمَّا أَكْثَرَ عَلَيْهِ جَعَلَ يَغْضَبُ يَشْتُمُهُ ، فَقَالَ الْمَزَّاحُ : يَا أَبَا أَيُّوبَ كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ إِذَا قُلْتُ لَهُ : جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا وَبِرًّا غَضِبَ وَشَتَمَنِي ؟ فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ : كُنَّا نَقُولُ : مَنْ لَمْ يُصْلِحْهُ الْخَيْرُ أَصْلَحَهُ الشَّرُّ ، فَأُقْلِبَ لَهُ ، فَلَمَّا جَاءَ الرَّجُلُ قَالَ لَهُ الْمَزَّاحُ : جَزَاكَ اللَّهُ شَرًّا وعُسْرًا فَضَحِكَ الرَّجُلُ وَرَضِيَ ، وَقَالَ : إِنَّكَ لا تَدَعُ بِطَالَتَكَ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، فَقَالَ الْمَزَّاحُ : جَزَى اللَّهُ أَبَا أَيُّوبَ خَيْرًا وَبِرًّا ، فَقَدْ قَالَ لِي ” [22] .

وبناء عليه ، يمكننا القول ، إن شكر الإنسان لأخيه الإنسان واجب ديني إسلامي أولا ، وواجب أخلاقي واجتماعي ودبلوماسي وقيمي في الآن ذاته . فالشكر نوع من التحميد والتمجيد ، لادخال البهجة والسرور لبني البشر على وجه التحديد ، والقول لا يدفع ثمنه الإنسان بل هو تقربة لله العلي الغني الحميد .  ولا بد من تقديم الشكر للذين يقدمون لنا العون المعنوي والمادي ، جزاء شكورا لمن أدلى بكلمه طيبة ، ولمن تبرع بقيمة مالية ، أو معنوية ، فلا يخسر الإنسان من تقديم الشكر والامتنان للآخرين بل على العكس من ذلك يكسب كثيرا ، يرتاح نفسيا ويضفي نوع من التقدير والاحترام لجهود الآخرين الذين لبوا نداء الواجب الإسلامي والواجب الإنساني والاجتماعي . فمن أصول اللياقة الدبلوماسية الإسلامية مساعدة الإنسان للإنسان ومن واجب الطرف الذي استفاد من المساعدة العامة أو الخاصة أو المعونة المعنوية والمادية أن ينال حظه من التقدير والعرفان لما بذله في إسعاد الآخرين . فالكلمة الطيبة تجلب الحظ السعيد وتعطي النصح الرشيد ، وتجازي الإنسان المجيد ، ولا تنسى من الفضل الكلام السديد . فالحق أحق أن يتبع ، وفي الشكر تتوطد العلاقات الأخوية بين ابناء المجتمع الإسلامي الحميد ، ويعطى الشكر أكله ، في كل حين ، بصورة فورية وبعد ذلك بحين من الدهر . والإنسان الشكور الذي يقدم الشكر والعرفان والامتنان للآخرين لما بذلوه من جهد وجد واجتهاد لإدخال الطمانينة والاستقرار لنفوس وقلوب وعقول الناس الذين هم بحاجة لمساعدة يشعر بالمتعة والسداد والرضى النفسي العام الكريم عند تبجيل وتكريم الآخرين .

على أي حال ، إن جزاء الإحسان هو الإحسان ، وإن الشكر هو ثواب وجزاء للمحسنين ، وإن إيماني بالشكر ، إيمان عميق وأحب ان أقدم شكري وامتناني لكل إنسان قدم لي مساعدة صغيرة أم كبيرة ، والشكر اليومي المتواصل لرب العزة والجبروت الذي أصلي له ركعتي شكر يوميا قبل صلاة الفجر المفروضة ( صلاة الشاكرين ) ، أقرأ بكل منهما فاتحة الكتاب كالصلاة المكتوبة العادية ، واقرأ سورة الزلزلة في الركعة الأولى وسورة التكاثر في الركعة الثانية . وأسجد شكرا لربي جل جلاله في مناسبات عديدة عندما أحصل على شيء يفرحني أو شيء يخيفني ، فالشكر لله على كل الأحوال . فمثلا ، سجدت مرارا بعد خروجي من سجون الاحتلال الصهيوني ، وسجدت أمام الجميع عندما نلت شهادة الماجستير في جامعة بير زيت في فلسطين بتخصص الدراسات العربية المعاصرة ، عام 1998 ، وسجدت شكرا وامتنانا لخالقي وخالق الخلق أجمعين ، في حزيران عام 2002 ، عندما أجتزت درجة الدكتوراه في جامعة النيلين بالخرطوم عاصمة السودان الشقيق قبل أن أسلم وأقبل وأتصور مع رئيس وأعضاء لجنة مناقشة الأطروحة ، وكان انتظار لي حتى أتممت السجود بخشوع تام ، وهو سجود الشكر والتعظيم والتبجيل والتكبير لله جل جلاله ، فالشكر لله أولا ، ثم الشكر للآخرين ثانيا . وقد دابت على وضع ورقة خاصة بكل بحث وكتاب تحتضن أسمى آيات شكري وعرفاني وامتناني لمن قدم أو ساهم في تقديم أية خدمة لي ، مهما كان نوعها . فالشكر أحق أن يتبع ، ولا داعي لكفران الجميل والأعمال المحمودة ، ففي الشكر  تكريم للآخرين وتنبيه للغافلين الشاردين عن شكر الله جل شأنه . وأخيرا ندعو بهذا الدعاء الجليل : ” اللَّهُمَّ مَا أَصْبَحَ وأمسى بِنا مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْكَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ فَلَكَ الْحَمْدُ وَلَكَ الشُّكْرُ” . وأنتم يا معشر القراء الكرام ، نشكر لكم متابعتم ، وجزاكم الله خيرا ، وثبت على طريق الحق خطانا وخطاكم . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

[1] قاموس العين ، الجزء 1 ، ص 426 ، 472 .

[2] القاموس المحيط ، الجزء 1 ، ص 438 .

[3] القرآن الكريم ، سورة إبراهيم ، الآية 7 .

[4] القرآن الكريم ، سورة البقرة ، 152 .

[5] القرآن الكريم ، سورة آل عمران ، الآيات 144 – 145 .

[6] القرآن الكريم ، سورة سبأ ، الآيات 15 – 19 .

[7] القرآن الكريم ، سورة الزمر ، الآية 66 .

[8] سننابي داود ، الجزء 13 ، ص 268 .

[9] سنن أبي داود ، الجزء 12 ، ص 436 . ومسند أحمد ، الجزء 16 ، ص 139 .

[10] مسند أحمد ، الجزء 15 ، ص 232 .

[11] مسند أحمد ، الجزء 37 ، ص 402 .

[12] سنن أبي داود ، الجزء 7 ، ص 425 .

[13] صحيح مسلم ، الجزء 3 ، ص 19 .

[14] سنن الترمذي ، الجزء 7 ، ص 343 . السنن الكبرى للنسائي ، الجزء 6 ، ص 53 .

[15] مسند أحمد ، الجزء 53 ، ص 266 .

[16] صحيح البخاري ، الجزء 12 ، ص 122 .

[17] سنن الترمذي ، الجزء 4 ، ص 218 .

[18] سنن النسائي ، الجزء 7 ، ص 6 .  

[19] المستدرك على الصحيحين للحاكم ، الجزء 3 ، 425 .

[20] صحيح مسلم ، الجزء 9 ، ص 340 .

[21] مسند أحمد ، الجزء 46 ، ص 153 . المستدرك على الصحيحين للحاكم ، الجزء 14 ، ص 292 .

[22] المعجم الكبير للطبراني ، الجزء 4 ، ص 245 – 246 .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s