معركة حطين الخالدة .. بين المسلمين والصليبيين – د. كمال إبراهيم علاونه

بسم الله الرحمن الرحيم ( قل هو الله أحد . الله الصمد . لم يلد ولم يولد . ولم يكن له كفوا أحد ) … سبحان الله العظيم وبحمده . الحمد لله رب العالمين . الله أكبر كبيرا . لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه . لا إله إلا الله – محمد رسول الله : عدد خلقه ورضاء نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته … د. كمال علاونه … فلسطين العربية المسلمة … السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. أهلا وسهلا بكم
معركة حطين الخالدة .. بين المسلمين والصليبيين ( 1 – 4 )

كتبهاد. كمال إبراهيم محمد شحادة ، في 27 شباط 2008 الساعة: 09:44 ص

 معركة حطين الخالدة .. بين المسلمين والصليبيين

583 هـ – 1187 م

 ( 1 – 4 )

د. كمال علاونه

فلسطين العربية المسلمة

هذه الدراسة جزء من كتاب فلسطين العربية المسلمة ، لمؤلفه د. كمال علاونه ، الذي يدرس بجامعة فلسطين التقنية / طولكرم ، كمساق إجباري ( قضية فلسطينية ) لجميع طلبة الجامعة من درجة البكالوريوس في جميع التخصصات العلمية والإنسانية .

     في يومي 24 و 25 ربيع الآخر هـ ( تخليدا لعام 583 هـ )  يتذكر المسلمون ذكرى معركة حطين الباسلة ، ذكرى عزيزة خالدة محفورة في ذاكرة التاريخ الإسلامي ، ذكرى المجدد للإسلام صلاح الدين الأيوبي ، ذكرى الانتصار والبطولة والغلبة على جموع احتلالية إفرنجية غربية صليبية تتذرع بحمل الصليب جاءت من أوروبا لاستعمار المشرق العربي واستمرت في غيها واضطهادها نحو ( 90 عاما هجريا )، قلة قليلة مسلمة تتغلب بعون الله على كثرة كثيرة مستعمرة . وفي ذات الوقت ، في يومي 3 و 4 تموز عام 1187 م ، يتذكر على الجانب الآخر الفرنجة ما جرى لهم من ذل وخيبة وطرد على أيدي جحافل المسلمين في ارض كنعانية – فلسطينية – إسلامية ، في قرية حطين ، قرب طبرية ، البحيرة والمدينة ، بعد ثمانية وثمانين عاما شمسيا، من الاستغلال والاحتلال لمقدرات امة أخرى ، كانت ” خير أمة أخرجت للناس ”  فهل يا ترى استفاد الجانبان الإسلامي والغربي وأحفادهم وأحفاد أحفادهم  العبر والعظات ؟ نصر وغلبة لأصحاب الحق ، وقتل وولولة للمحتلين الطارئين ؟            

     والكثير من الباحثين والدارسين القدماء والحاليين ما زالوا يطرقون ويسبرون غور سر النصر والهزيمة على حد سواء ، فهذه المعركة الفاصلة لها من الأسرار الخفية التي ما فتئت تناقش وتبحث وتستخرج منها العظات والعبر من بطون الكتب ، ومن بطن التاريخ ، على كافة المستويات الأكاديمية والسياسية والعسكرية والفكرية ، وترصد لهذه الأبحاث الميزانيات الاستثنائية والطارئة أو المحددة أحيانا . ونحن هنا في فلسطين ، ارض الإسراء والمعراج ، الأرض المقدسة ، ارض حطين النصر يجب أن لا ننسى هذه الذكرى الخالدة التي انتصر فيها الحق على الباطل ” قل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ” ولنا العبر والعظات المتجددة عبر التاريخ الزمني وعبر الذاكرة الذهنية الإنسانية  لنعرف سر النصر والنجاح ، من الإعداد والاستعداد الروحي والإيماني والنفسي والفكري والعسكري ، من تنشئة وإعداد الفرد والجماعة على الجهاد في سبيل الله ، والوحدة والتوحد تحت لواء إسلامي واحد ، وكيفية إدارة المفاوضات السلمية السياسية والجنوح للسلم إذا جنحوا لذلك ، لقطف ثمار النصر العسكري بجميع الاتجاهات والمسارات وغيرها .

     وحطين .. هذه القرية العربية الفلسطينية على بعد 9 كم غرب طبرية ، أين هي الآن ؟ لقد دمرها الاحتلال الإسرائيلي في حرب عام 1948 كغيرها من القرى والمدن الإسلامية ، وأخرج أهلها الذين كان عددهم نحو ألف مواطن [1]  في محاولة لطمس التاريخ الإسلامي المشرف .. ألا ساء ما يفعلون .

     سنحاول تسليط الضوء على ذكريات هذه المعركة الفاصلة بين الحق والباطل ، ذكرى معركة حطين ، معركة اليومين الخالدين ، لعلنا ، نحن أحفاد صلاح الدين الأيوبي ، نسترجع ذكريات النصر والعز والكرامة وتدمير الظلم والظلام بكل ما أوتي الإنسان المسلم من عزيمة وقوة لا تلين ، وإرادة لنيل مرضاة الله سبحانه وتعالى ، واسترجاع المقدسات الإسلامية ، وخاصة المسجد الأقصى المبارك وبيت المقدس ، وسنسعى إلى أن تكون هذه الدراسة الجديدة دراسة مستفيضة بكافة المناحي والصعد الإيمانية والروحية والعسكرية والسياسية والتجديدية ما أمكن ، ونحن  في القرن الخامس عشر الهجري ، لهجرة المصطفى محمد نبي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، وفي بدايات القرن الحادي والعشرين الميلادي . وسنعمل على استذكار آيات قرآنية مجيدة لشحن النفوس بكهرباء النصر .

 1. حياة صلاح الدين الأيوبي

                  هو يوسف بن أيوب بن شاذي بن مروان الكردي ، ولد لأبوين كرديين ،  عام 532 هـ / 1137 م  ، في بلدة تكريت في العراق . تبوأ والده يوسف الملقب بنجم الدين منصب حاكم قلعة تكريت العراقية ومحافظا على بعلبك اللبنانية . وقد نشأ صلاح الدين ( يوسف ) في مدينة بعلبك إذ عمل والده زمن نور الدين بدمشق وتربى على الفروسية والنزال والحرب والجهاد وكان حافظا للقرآن الكريم [2] . وصفه القاضي بهاء الدين  ، بأنه كان تقيا بعيدا عن المعاصي يخشى الله سبحانه وتعالى ، وقال عنه : ” كان رحمه الله خاشع القلب غزير الدمعة إذا سمع القرآن خشع قلبه ودمعت عيناه ، وكان رحمه الله كثير التعظيم لشعائر الدين ” . وقال عنه القاضي ابن شداد : ” كان إذا سمع العدو قد داهم المسلمين خر إلى الأرض ساجداً داعيا الله سبحانه وتعالى : ” إلهي قد انقطعت أسبابي الأرضية في نصرة دينك ولم يبق إلا الإخلاد إليك ، والإعتصام بحبلك ، والإعتماد على فضلك ، أنت حسبي ونعم الوكيل ” .

     انتقل صلاح الدين إلى  مصر في الحملة الأولى على هذه البلاد  برفقة عمه أسد الدين شيركوه عام 559 هـ ، وعين وزيرا في سنة 564 هـ / 1169 م وكان عمره 32 سنة ، وأطلق عليه الخليفة الفاطمي العاضد آخر الخلفاء الفاطميين ( 1160 – 1171 م )  لقب الملك ( ملك مصر ) ثم أصبح يحمل لقب الملك السلطان الناصر صلاح الدين . وبعد عامين من توليه الوزارة عمل على إحلال السنة محل الشيعة في مصر ، وتوحيد العرب والمسلمين من العراق إلى بلاد الشام واليمن ومصر وليبيا وسواها ، تحت إمرة الخليفة العباسي المستضئ وأقام الخطبة للخليفة والغى الخطبة للفاطميين والسلاجقة .  وفي إعقاب وفاة نور الدين زنكي رئيس صلاح الدين الأيوبي أعلن صلاح الدين استقلال مصر وضم سوريا  له .

     وفي عام 1175 م أصدر الخليفة العباسي قرارا بإسناد السلطة لصلاح الدين على مصر والمغرب وغربي الجزيرة العربية وفلسطين وسوريا ، وكانت بلاد الحرمين الشريفين ( الحجاز ) قد ألحقت بمصر . أما اليمن فقد تولى حكمها توران شاة اخو صلاح الدين الأكبر ، وبعد نحو عشر سنوات الحق صلاح الدين الموصل والعراق له . وقد تعرض صلاح الدين لمحاولة اغتيال فاشلة من قبل الحشاشين . على أي حال ، بذل صلاح الدين الأيوبي كافة الجهود المخلصة لتوحيد كلمة العرب المسلمين على أسس إسلامية راسخة المعالم والبنيان ، وعمل على إعلاء كلمة الحق والدين الإسلامي فعمد إلى إحياء الجسم الإسلامي الواحد الذي يشد بعضه بعضا كالبنيان المرصوص  وتألم لعذاب المسلمين أينما كانوا وحيثما حلوا ، وقضى على الفتن والانقسامات الداخلية من الحشاشين والإسماعيلية في صفوف العرب المسلمين واهتم بالإعداد البشري والمادي لمقارعة المعتدين على الديار الإسلامية في قارتي آسيا وأفريقيا . ومن ضمن اهتماماته العمل على تحرير فلسطين وبيت المقدس والمسجد الأقصى المبارك مهما كلف الثمن بالقضاء على الحملة الصليبية الأولى التي شنها الإفرنج متخذين شعارا براقا وهو الصليب على الصدور  والاستيلاء على ” أقاليم الكتاب المقدس ” وخاصة فلسطين . وفي 22 شعبان 588 هـ / 12 أيلول 1192 م ابرم صلح الرملة بين السلطان الناصر صلاح الدين والملك ريتشارد قلب الأسد ملك إنكلترا ، وحددت مدة الصلح بثلاث سنوات وثلاثة اشهر . وبذلك انتهت الحروب بين الجانبين الإسلامي والصليبي .

     وتوفي رمز البطولة والفروسية الإسلامية في عصره ، السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي بمرض الحمى في سنة 589 هـ / آذار 1193 م ، وعمره  ( 55 ) سنه ، ودفن في دمشق . وقبره لغاية الآن في العاصمة السورية دمشق .

2. مرحلة الإعداد الإسلامي العام

      سار صلاح الدين الأيوبي على خطى ثابتة واضحة المعالم استعدادا ليوم اللقاء والمواجهة يوم الفصل  العظيم عندما يحين الحين واضعا نصب عينية  : { إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا } [3]  . فلم يهن في ابتغاء القوم بل عمل على إعداد العدة بكل ما أوتي من قوة فكان ممن شملتهم بذلك الآية القرآنية : { الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ . الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ . فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ } [4] . وقد واصل صلاح الدين الأيوبي عملية الاستعدادات الشاملة في كافة المجالات والميادين ، ولم يغره تقلب الذين كفروا في البلاد  ، على النحو التالي :

أولا : الإعداد النفسي والفكري الإسلامي :

     القرآن الكريم ، هو الدستور وهو الأساس الذي اعتبره صلاح الدين الأيوبي الحافز لإعلاء كلمة الله في الأرض ، ونشر العدل والمساواة وإحقاق الحق بكافة أشكاله وصوره ، فكان القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي حافظا للقرآن الكريم وداعيا إلى إتباع أوامره واجتناب نواهيه في بوتقة إسلامية شاملة ومتكاملة ، حاثا على الاعتصام بحبل الله المتين ، كما قال البارئ عز وجل : { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ . وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [5]  . وكان ممتثلا للأحاديث النبوية الشريفة والاستفادة منها في تنظيم شؤون الرعية في كافة المجالات والميادين . وقيل إن صلاح الدين الأيوبي كان يختار أيام الجمع لمقاتلة الأعداء ، بعد صلاة الجمعة الجامعة ، وكان يختار الجنود ممن يصلون ويلتزمون بصلاة الفجر جماعة في المساجد ويقرأون القرآن الكريم  ، ويعتبر أنهم من المؤمنين حقا ولديهم الاستعداد النفسي والروحي للجهاد في سبيل الله وهم اقدر على تحمل المهام الجسام . وعندما كان يتفقد خيم جنود الجيش يحثهم على قراءة القرآن ويقول لهم : ” من هنا يأتي النصر ” ، وعندما كان يدخل خيمة ولا يجدهم  يقرأون القرآن الكريم يقول لهم : ” من هنا تأتي الهزائم ” .

ثانيا : بث روح الجهاد في سبيل الله :

     والجهاد في سبيل الله ، ذروة سنام الإسلام ،  كان هاجس القائد المسلم  صلاح الدين الأيوبي لنشر الإسلام والقضاء على البدع والفرقة والانقسام ، وتخليص الإسلام والمسلمين من أطماع الطامعين الغربيين . قال ابن شداد عن صلاح الدين ، ” كان الرجل إذا أراد التقرب إليه يحثه على الجهاد أو يذكر شيئا من أخبار الجهاد ، وقد ألف له كتب عدة في الجهاد ، وأنا ممن جمع له فيه كتابا … وكان كثيرا ما يطالعه ”  [6] .  فعمل على ترسيخ مفهوم الجهاد في سبيل الله بالقول والفعل بصورة متكاملة ، والجهاد له ترغيب وترهيب ، ترغيب في إتباع مبادئ الإسلام الحنيف وترهيب من التصدي أو الاعتداء على حمى المسلمين أينما كانوا وحيثما حلوا . والجهاد في سبيل الله يشمل ، مجاهدة النفس وحثها على إتباع الإسلام ومجاهدة الشر والطغيان ، والكفار والمحتلين : باليد واللسان والقلب . امتثالا لقول الله تعالى : { وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ . وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ } [7]  . وكان المسلمون يقولون :   نحن الذين بايعوا محمدا   على الجهاد ما بقينا أبدا

 ثالثا : الإعداد العسكري البري والبحري :

     اتخذ صلاح الدين من شعار النسر شارة حربية للفارس الإسلامي . واهتم بالإصلاحات والتطويرات العسكرية البرية والبحرية على حد سواء ، فأنشأ ديوانا خاصا للجيش الإسلامي ، بجناحيه : البري والبحري ، هذا الديوان الذي  يعنى بعدد الجند والعتاد الحربي وصناعة السلاح  وتركيب المنجانيق ( جمع منجنيق ) وهو الآلة الحربية المعروفة آنذاك لقذف الحجارة الكبيرة بإتجاه الحصون والقلاع ، واعتنى كذلك بالأسطول البحري الحربي ببناء السفن تحت إمرة ( أمير البحر ) وهو قائد الأسطول أو القوات البحرية . فكان الإعداد النفسي والفكري على أساس العقيدة الإسلامية المجاهدة متلازما مع التجهيز والإعداد المادي جنبا إلى جنب . وإهتم أيضا صلاح الدين بالحمام الزاجل للمراسلات بين البلاد  .

 رابعا : تنظيم الأوضاع الداخلية وتوحيد صفوف المسلمين :

     لجأ صلاح الدين الأيوبي إلى إعادة تنظيم الشؤون الإدارية العامة للمسلمين ، وإعادة الارتباط بالخلافة العباسية للخليفة المستضيء عبر خطبة الجمعة من على المنابر في بيوت الله . وتعيين الولاة والقضاة والعلماء ، مثل القاضي الفاضل ، وعماد الدين الكاتب الاصفهاني ، والعالم العراقي عبد اللطيف البغدادي ، وكان بهاء الدين ابن شداد كاتما لأسرار صلاح الدين  . وقرب إليه مظفر الدين كوكبري صاحب حران والرها واسند إليه مهام قيادية مهمة  [8] .

خامسا : تشجيع العلم والأبنية العمرانية والقلاع :

   إهتم صلاح الدين الأيوبي في عهده ، ببناء المساجد والمدارس وبناء السدود وحفر الاقنية .

سادسا : تجديد الهدنة مع بعض الصليبيين :

     عقد صلاح الدين الأيوبي هدنة جديدة مع ( بوهمند ) حاكم إنطاكية وطلب المسلمون من ريموند ( القمص ) حاكم طرابلس وطبرية الصليبي أن تمر قوة إسلامية صغيرة بأراضي الجليل التي يسيطر عليها ، فوافق على مرور المسلمين من هذه الأراضي بعد طلوع شمس اليوم التالي وان يعودوا قبل حلول الليل وعدم إلحاق أي أذى بالقرى والمدن التي يمرون منها [9] ، وقد ساهمت هذه الحادثة في رفع معنويات الجيش الإسلامي وأدت إلى زعزعة ثقة الصليبيين ببعضهم البعض إلا أن ( القمص ) ما لبث أن تراجع عن تأييده للجيش الإسلامي [10] .

3 . إنطلاقٌ من الشام

      هاجر صلاح الدين الأيوبي من مصر إلى الشام ، وأخذ يعمل على إعداد العدة من الرجال والعتاد من بلاد الشام ، فهو المسلم المهاجر من تكريت العراقية إلى مصر وإلى بلاد الشام ، وذلك لمجاهدة المحتلين الفرنجة ، الذين عاثوا في الأرض الإسلامية ( بلاد الشام ) فسادا وتخريبا فلم يسلم منهم الإنسان المسلم أو المقدسات الإسلامية . لقد تحققت نبوءة طيبة قديمة في تلك الفترة من نبؤآت رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال : ” رأيت كأن عمود الكتاب انتزع من تحت وسادتي فاتبعه بصري ، فإذا هو نور ساطع عمد به إلى الشام ، ألا وان الأيمان إذا وقعت الفتن بالشام ”  [11]  . وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى النَّاسِ يَرْفَعُ اللَّهُ قُلُوبَ أَقْوَامٍ فَيُقَاتِلُونَهُمْ وَيَرْزُقُهُمْ اللَّهُ مِنْهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَلَا إِنَّ عُقْرَ دَارِ الْمُؤْمِنِينَ الشَّامُ وَالْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ” [12] . وأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ” لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا هُمْ يَا أَهْلَ الشَّامِ ” [13] . وفي رواية  أخرى ، أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : ” رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنَّهُمْ أَخَذُوا عَمُودَ الْكِتَابِ فَعَمَدُوا بِهِ إِلَى الشَّامِ ، فَإِذَا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ فَالأَمْنُ بِالشَّامِ ” [14] . وقال صلى الله عليه وسلم في حديث آخر : ” أَهْلُ الشَّامِ سَوْطُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ ، يَنْتَقِمُ بِهِمْ مِمَّنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ، وَحَرَامٌ عَلَى مُنَافِقِيهِمْ أَنْ يَظْهَرُوا عَلَى مُؤْمِنِيهِمْ ، وَلا يَمُوتُوا إِلا غَمًّا وَهَمًّا  ” [15] .  فها هو صلاح الدين الأيوبي القائد المسلم يحقق هذه النبوءة المحمدية الشريفة ، فجاء الأمن للمسلمين في أعقاب واقعة حطين الخالدة أبد الدهر والسنين ، وهاهم أهل بلاد الشام بقيادة مظفرة على رأسها الناصر لدين الله صلاح الدين ، سوط الله في أرضه ، انتقم بهم من الفرنجة الصليبيين الحاقدين ، كيف لا وهو احد تلامذة المصطفى صلى الله عليه وسلم الغر المحجلين . فها هي بلاد الشام صفوة البلاد عند الله العزيز الحكيم تجاهد في سبيل الله ضد الغاصبين  ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” الشَّامُ صَفْوَةُ اللَّهِ مِنْ بِلادِهِ ، يَجْتَبِي صَفْوَتَهُ مِنْ عِبَادِهِ ، فَمَنْ خَرَجَ مِنَ الشَّامِ إِلَى غَيْرِهَا ، فَبِسَخْطَةٍ، وَمَنْ دَخَلَهَا فَبِرَحْمَةٍ ” [16]  .

4. حيثيات معركة حطين

      عمد القائد صلاح الدين الأيوبي إلى توحيد أجنحة البلاد العربية من نهر دجلة في العراق  شرقا إلى نهر النيل في قارة أفريقيا غربا وجعلها تحت سيطرته للدفاع عن المسلمين والتصدي للقوات الصليبية المحتلة للأرض العربية الإسلامية ، بالدفاع تارة والهجوم تارة أخرى ، وذلك بعد أن فرض هيبته وقوته على الإمبراطورية البيزنطية وعقد الصلح أو الهدنة معها . وعلى الجانب الآخر ، تعرضت المملكة اللاتينية الإفرنجية( أورشليم ) في بيت المقدس لنكسة اثر وفاة الملك بلدوين الرابع ، فتسلم الملك بلدوين الخامس مقاليد الحكم بعده ، ثم توفي فخلفه ” غي دي لوزنيان ( لوسينيان )” فأصبح الفرنجة المحتلون يتخبطون في همومهم الداخلية .

     وكان تعرض قافلة تجارية مسلمة آتية من القاهرة إلى دمشق وأسر أفرادها وتعذيبهم وسبي نساء القافلة ، وسلب ونهب ممتلكاتها ، من قبل رينالد شاتيون ( أرناط ) ، صاحب بارونية الكرك عام 582 هـ / 1187 م ناقضا معاهدة كانت أبرمت بين السلطان  صلاح الدين وملك المملكة اللاتينية في بيت المقدس [17] ، كان السبب المباشر والفتيل الذي أشعل شرارة الحرب الأولى بين المسلمين والصليبيين الإفرنج ، فطلب صلاح الدين الأيوبي من ملك المملكة اللاتينية ” غي دي لوزنيان  ” إعادة ما نهبه أرناط فرفض أرناط  ذلك ” فنذر السلطان دمه ” [18] ،  ليس ذلك فحسب بل إن أرناط جهز جيشا وارهب شواطئ الحجاز على البحر الأحمر ونهب قوافل الحجاج المسلمين ، وأعلن أرناط أنه سينبش قبر الرسول محمد صلى الله عليه وسلم . حينئذ ، بعد التنكر للمعاهدة المبرمة بين الجانبين : المسلمين واللاتينيين في بيت المقدس أعلن السلطان صلاح الدين الأيوبي  ” الجهاد في سبيل الله ” من دمشق وبعث إلى قادة وأمراء المسلمين للإعداد للحرب والدفاع عن المسلمين من تعديات الصليبيين الفرنجة الكفرة وخاصة ارناط ، الذي تطاول على شخصية نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم بقوله : ” إن كنتم تعتقدون في محمد فادعوه لأن يفك أسركم ويخلصكم من شر ما وقعتم فيه ” ، عند تعرضه وأسره القافلة الإسلامية المذكورة .

     وقد تمكن صلاح الدين الأيوبي من منع ارناط من التصدي لقافلة حجاج مسلمين أخرى متوجهة إلى مصر ومن ثم إلى مكة المكرمة في محرم 582 هـ الموافق نيسان 1187 م لأداء فريضة الحج الإسلامية ، وحاصرت قوات صلاح الدين الأيوبي الكرك وشددت الحصار عليها إلا أنه لم يستطع فتحها كونها كانت حصينة ، فرفع الحصار عنها ورجع إلى رأس الماء في حوران ملتقيا بقوات إسلامية أخرى يقودها ابنه الأفضل ، وأصبح عدد قوات المسلمين نحو 12 ألف جندي [19] ، وهو يردد في نفسه قول الله ، ناصر عباده المؤمنين في محكم التنزيل  : { سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ . وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ }  [20]  . ثم توجه صلاح الدين الأيوبي إلى الأردن في 17 ربيع الثاني 583 هـ / 1187 م ، وطلب من قومه دخول الأرض المقدسة ، ومحاربة الصليبيين المحتلين ، وكأن لسان حاله يقول كما جاء في الآية العزيزة في القرآن المجيد : { يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ } [21] ، وكان لسان حال الجند المسلمين معه ، يقول كما جاء في الآية القرآنية الكريمة  أيضا: { قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا } [22]  .

ملاحظة هامة : يتبع … ( معركة حطين الخالدة .. بين المسلمين والصليبيين ( 2 – 3 ) .

[1] مصطفى الدباغ ، بلادنا فلسطين ، قرية حطين .

[2] عبد الله علوان ، الإسلام والقضية الفلسطينية ، ص 48 ، أعاد نشره عماد أبو لبده ، ” هكذا كان النصر في حطين ” ، مجلة الإسراء ، فلسطين ، العدد 21 ، ربيع الأول – ربيع الثاني 1418 هـ ، ص 39 .

[3] القرآن الكريم ،  سورة النبأ ، الآية 17 .

[4] القرآن الكريم ، سورة آل عمران الآيات 172 – 174 .

[5] القرآن الكريم ، سورة آل عمران ، الآيات 103 – 104 .

[6] ابن شداد ، النوادر السلطانية ، ص 21 .

[7]  القرآن الكريم ، سورة البقرة ، الآيات ،  190 –  191 .

[8] العماد الأصفهاني ، الفتح القدسي ، ص 61 ، ابن الأثير ، ج 11 ، ص 530 .

[9] ستيفن رانسمان ، الحروب الصليبية ، الجزء 2 ، ص 750 .

[10] ابن الأثير ، الكامل في التاريخ ، ج 11 ، ص 532 .

[11] المستدرك على الصحيحين للحاكم ، الجزء 19 ، ص 454 .

[12] مسند أحمد ، الجزء 34 ، ص 318 .

[13] مسند أحمد ، الجزء 39 ، ص 287 .   

[14] المعجم الكبير للطبراني ، الجزء 20 ، ص 102 .

[15] المعجم الكبير للطبراني ، الجزء 4 ، ص 282 .    

[16] المعجم الكبير للطبراني ، الجزء 7 ، ص 188 . والمستدرك على الصحيحين للحاكم ، الجزء 19 ، ص 455 .

[17] ابن الأثير ، الكامل في التاريخ ، ج 11 ، ص 527 .

[18] أبو شامة ، تاريخ الروضتين ، ج 2 ، ص 75 .

[19] ابن شداد ، النوادر السلطانية ، ص 75 .

[20] القرآن الكريم ، سورة القلم ،  الآيات 44 – 45 .

[21] القرآن الكريم ، سورة المائدة  ،  الآية 21 .

[22]  القرآن الكريم ، سورة النساء ، الآية 46 .

معركة حطين الخالدة .. بين المسلمين والصليبيين ( 2 – 4 )

كتبهاد. كمال إبراهيم محمد شحادة ، في 27 شباط 2008 الساعة: 10:52 ص

 معركة حطين الخالدة .. بين المسلمين والصليبيين

583 هـ / 1187 م

( 2 – 4 )

د. كمال علاونه

فلسطين العربية المسلمة

ملاحظة هامة :يرجى قراءة الجزء الأول أولا ( معركة حطين الخالدة .. بين المسلمين والصليبيين ) ( 1 – 4 ) .

هذه الدراسة جزء من  

كتاب فلسطين العربية المسلمة ، لمؤلفه د. كمال علاونه ، الذي يدرس بجامعة فلسطين التقنية / طولكرم ، كمساق إجباري ( قضية فلسطينية ) لجميع طلبة الجامعة من درجة البكالوريوس في جميع التخصصات العلمية والإنسانية .

     واستولى على طبرية بعد حصار دام ستة أيام ،  وعسكر بثغر ( الأقحوان أو الأقحوانة ) لمدة خمسة أيام يتفقد مواقع القتال ويسمع آراء أمراء الجيش الإسلامي ، وقد أحاط الجيش في هذه الفترة ببحيرة طبرية [1] ، واستولى عليها وبقيت قلعة طبرية تحت سيطرة الصليبيين فاستنجدت ايشيفا الصليبية زوجة ريمون حاكم طرابلس بالفرنجة فأشار زوجها ريمون على الصليبيين بأنه لا يؤيد توجه الجيوش الصليبية إلى طبرية ولا يرضى بتدمير هذه الجيوش وقال إذا سيطر المسلمون على القلعة فماذا عساه أن يفعل  وأوضح أن المسلمين إذا سيطروا على القلعة فلن يستمروا فترة طويلة في منطقة طبرية بعد عملية حرقها وتخريبها . وأصدر القائد صلاح الدين أوامره إلى بعض الأجنحة البرية العسكرية الإسلامية بالعمل على فتح جبهة أخرى ضد بارونية الكرك والشوبك لتشتيت جهود الصليبيين في عدة معارك جانبية [2] . وطلب من ابنه الأفضل مهاجمة عكا فدعا ابنه الأفضل القائد المسلم مظفر الدين كوكبري وحثه على التصدي لبعض الفرق الصليبية فالتقى بهم عند منطقة صفورية وأبلى فيها جند الإسلام بلاء حسنا وقتلوا قائد الإسبتارية .

5. الجيش الصليبي الإفرنجي  .. ويوم الخروج

      على الجانب الآخر ، خرج الصليبون في يوم الخروج المحدد لهم ، كما قال الله تعالى : { هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ } [3]  . فتجمعت القوات الصليبية من الفرنجة عند صفورية وأوقدوا نار الحرب ، وتشاور القادة الصليبيون الغزاة وقرروا الهجوم على الجيش الإسلامي وتسيير قواتهم نحو طبرية حيث ترابط القوات الإسلامية ، وقد حشد الفرنجة الصليبيون جنودا يقدر عددهم بخمسين ألف جندي من المقاتلين والفرسان [4] ، فأعجبتهم كثرتهم فلم تغن عنهم هذه الكثرة من الله شيئا ، ونصب الفرنجة الصليبيون هيئة أركان لجيوشهم ضمت غي لوزنيان ملك المملكة اللاتينية في بيت المقدس وريموند الثالث ( القمص ) حاكم طرابلس وطبرية ( وكانت طبرية من أملاك زوجة القمص الكونتيسية ايشيفا ) وأسقف عكا ، واحضروا صليب الصلبوت ( وهو خشبة الصليب المقدس ) وكانت النية الاستعمارية الصليبية هي العمل الحثيث للقضاء على الجيش الإسلامي وصلاح الدين الأيوبي بصورة نهائية . ورغم معارضة ريمون القمص لتوجه الجيش الصليبي الإفرنجي إلى طبرية بعد إتهامه بأنه لا يريد الحرب مع المسلمين ( والخيانة )، أقنع جيرالد  مقدم الداوية الملك ( غاي ) بضرورة توجه الجيش نحو طبرية ، وجيرالد هو صاحب الفضل في تنصيبه ملكا على المملكة اللاتينية ، فنادى المنادون بضرورة توجه الجيش فجرا للقاء الجيش الإسلامي  عن طريق الشمال . وتشكلت قيادة الجيش الصليبي كما يلي : مقدمة الجيش يقودها ريمون كونت طرابلس ، كونه حاكم طبرية ، وقلب الجيش يقوده الملك غاي ، ومؤخرة الجيش يقودها رينالد شاتيون ( أرناط ) وفرسانه [5] .

 6. يوم الحشر للصليبيين الفرنجة

      زحفت جموع الفرنجة بإشارة من جيرالد ( جيرار ) قائد فرسان الداوية أو ما يطلق عليهم ( فرسان الهيكل ) : { كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ } [6]  ، زحفوا  باتجاه الجيش الإسلامي في طبرية ، في اليوم الموعود ، وبهذا فان القوات المستعمرة جاءت لحتفها . وأوقدوا نار الحرب ليلا ، فأطفأها الله ، قال تعالى : { كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ } [7]  ، فساء ما كان يعملون . فدعا داعيهم إلى شيء نكر : { فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ } [8]  ، إذ دعا لمقاتلة المسلمين الموحدين بعبارة لا إله إلا الله   محمد رسول الله ، هذه الثلة التي تسعى لنشر الدعوة الإسلامية وعبادة الله في الأرض ، فأحال الله على الصليبيين الكفار ذلك اليوم وجعله يوما عسرا . وتخيلوا أنهم سينتصرون على المسلمين : { أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ . سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ . بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ . إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ . يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ . إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ . وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ . وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ } [9]  .

7. يوم الخروج الإسلامي

      لقد نقلت عيون صلاح الدين له عملية تحرك الجيش الصليبي بإتجاه طبرية ففرح كثيرا لأن منطقة طبرية شديدة الحرارة ، { فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ } [10]  . فاستشار صلاح الدين مساعديه ، وفق مبدأ الإسلام : { وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ . إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ } [11] .  وتم الاتفاق على الخروج الإسلامي وملاقاة الفرنجة الصليبيين في 17 ربيع الآخر 583 هـ بعد صلاة الجمعة ، وعقب القائد صلاح الدين الأيوبي ، على ذلك قائلا : ” جاءنا ما نريد ونحن أولو بأس شديد وإذا صحت كسرتهم ، فطبرية وجميع الساحل ما دونه مانع ولا عن فتحه وازع ” [12] ،  فحاصر طبرية ستة أيام وأطبق عليها . ووضع صلاح الدين  خطة عسكرية ، حكيمة بالغة ، تقضي بتوجه معظم القوات الإسلامية إلى المرتفعات في  قرية حطين على بعد خمسة أميال غربي بحيرة طبرية فأغلقت الطريق الموصلة إلى طبرية ، وبقيت قوة صغيرة  في منطقة طبرية .

     نظم صلاح الدين الأيوبي الجيش الإسلامي البالغ عدده 12 ألف جندي ، بما فيهم  رماة السهام النشاب ( الجاليشية ) وعددهم أربعمائة رام للسهم [13] ، كما يلي : ميمنة الجيش : بقيادة تقي الدين عمر ، ميسرة الجيش بقيادة مظفر كوكبري صاحب حران ، قلب الجيش الإسلامي بقيادة صلاح الدين نفسه برفقة بدر الدين دلدرم ( على عسكر حلب ) وصارم قايماز النجمي على عسكر دمشق [14] . وقال لهم :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ . وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ } [15]  . وتمركزوا في قرية حطين وهي قرية عربية فلسطينية غزيرة المياه وغنية بالمراعي ، فالماء ضروري للحياة للجند والخيول والعشب ضروري للخيول والماشية المرافقة للجيش الإسلامي ، وحرمان الصليبيين من المياه أمر ضروري لإنهاك قواهم في شهر تموزي حار ملتهب من  فصل الصيف .

 8. يوم حطين المشهود .. يوم الواقعة

      عند بزوغ فجر يوم الجمعة  24 ربيع الثاني 583 هـ / 3 تموز 1187 م ، حان موعد الاستعداد للنزال والجدال والفروسية ، فتدفقت الجموع الصليبية المشتركة ووصلت بعد ظهر يوم الجمعة إلى سطح جبل طبرية خلف لوبيه ، عند ” قرني حطين ” ، والقرنان كل منهما على ارتفاع حوالي 30 مترا ، وكانت القوات الصليبية الإفرنجية عطشى خائرة القوى ، بسبب المسيرة الطويلة وارتفاع درجات حرارة الطقس ، إذ أن الوقت كان شهر تموز من فصل الصيف الحار والوقت ظهرا ، ولجأت القوات الصليبية للنوم فوق الهضبة بعيدا عن مرابطة قوات المسلمين ، بأعداد كبيرة { لقد أحصاهم وعدهم عدا } [16]  ، متساقطة كتساقط أوراق الشجر في فصل الخريف ، فتحول الصيف خريفا للأجساد الإفرنجية في غير أوانه ، وأثناء ذلك ، صلى المسلمون صلاة الجمعة ، وانتشروا في مواقعهم استجابة لقول الله العزيز : { فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [17]  .  فواصل المسلمون قراءة وتلاوة القرآن الكريم سرا وجهرا بأصوات مرتفعة بخشوع وتدبر كبيرين ، سجودا وقياما وقعودا وعلى جنوبهم  ، ورددوا عبارات التكبير الخالدة وكأنهم في صلاة دائمة متواصلة ليلا ونهارا .. الله اكبر .. الله اكبر ، فبدت بشائر النصر تلوح في الأفق ، وأوجس الفرنجة خيفة كبرى من المسلمين . وعند ظهور الخيط الأسود من الليل ، وفي ظلام تلك الليلة المشهودة ، ليلة السبت ، أصدر القائد صلاح الدين الأيوبي التعليمات والإرشادات العسكرية إلى الجند المسلمين .. على بركة الله ،  داعين الله أن يهب لهم النصر وان يهزم الكفار قائلين : { رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ . رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } [18] .

 التقاء الفئتين للقتال .. يوم الجمع

      { قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ . قَدْ كَانَ لَكُمْ آَيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ } [19]  . وفي يوم السبت 25 ربيع الآخر 583 هـ / 4 تموز 1187 م حاصر الجيش الإسلامي القوات الصليبية وعندما برزوا لقتالهم : { قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ . فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ } [20] . وهاجموا القوات الصليبية ، ودنا بعضهم من بعض ، وسلوا سيوف الله المسلولة ، واحرقوا الأعشاب والأشواك البارزة فوق هضبة طبرية ، فسلقوهم وانتشرت النار في الهشيم ، هشيم الأعشاب وهشيم القوات الصليبية .. لا فرق .. كله هشيم في هشيم ، وتعالت سحب الدخان في سماء المنطقة فأصبحت كالجحيم على جيوش الصليبيين المحتلين . فحاولت الجموع الصليبية أن تفل وتهرب من جحيم المعركة ، فقال لهم المسلمون : { قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } [21]  .

     واستطاعت القوات الإسلامية المسلحة بالصبر والإيمان والجهاد في سبيل الله أن تفتك بجموع الصليبيين الغزاة في يوم الجمع : { يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ } [22]  ، فقتل نحو عشرين ألف مقاتل صليبي إفرنجي أو ما يقارب من نصف ذلك الجيش المحشود لمحاربة المسلمين : { فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ . فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ } [23]  .  فانقلب السحر على الساحر ” ولا يفلح الساحر حيث أتى ”  وانقلبت الحرب على الذين ينقضون المواثيق والمعاهدات ، فأصبحوا هم الخاسرين ، فاستسلم قادة الصليبيين الفرنجة ومن ضمنهم : ملك المملكة اللاتينية في بيت المقدس غي دي لوزنيان وأرناط وعدد كبير من البارونات ومن فرسان الإسبتارية والداوية وفر حاكم طرابلس ريموند الثالث إلى صور اللبنانية مع بعض رجاله عند اندلاع وطيس المعركة [24] ، وهذا نوع من أنواع العذاب الدنيوي لهذه الفئة الظالمة عبر التاريخ الإنساني : { كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ }  [25]  .

طوبى ل ” حطين “

      { إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ . لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ . خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ . إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا }  [26] . كما رأينا ، التقت الجموع المؤمنة بالجموع الإفرنجية الكافرة في حطين فلسطين من البلاد الشامية ، فوقعت واقعة حامية الوطيس ، أعلت الإسلام وخفضت من قيمة الطامحين  المحتلين ، انتصر الحق على الباطل ، بفضل رحمة الله العزيز الحكيم ، فعن ذلك تنبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ” طوبى للشام ، إن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليه ” [27]  . فكانت الجحافل الإسلامية من السابقين السابقين ، نحو رفع راية الحق ودين اليقين . ورد الله الجموع الصليبية من الفرنجة على أعقابهم خائبين { فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً } [28] .  ولعنهم يوم السبت وردت الجموع الصليبية على أدبارها ، { فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا } [29] . فكانت معركة فاصلة بين الحق والباطل { الَّذِينَ آَمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا } [30]  .  ولم يهن المسلمون في ابتغاء القوم ، ممتثلين لقول الله جل وعلا : { وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا } [31]  .  وانطبق قول الله تعالى على  المسلمين : { أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ . مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ } [32]  .

ونال الشهادة في سبيل الله جزء من الجيش الإسلامي من أبطال المجاهدين المسلمين : { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا . لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا . وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا . وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا . وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا } [33] . ولسان حال الشهداء ينادي ويدعو رب العزة ، رب السماوات والأرض قائلا : { رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ } [34]  . فالحرب بين الجانبين قد انتهت في هذه المعركة ، فكانت ملحمة بطولية أبلى فيه المسلمون بلاء حسنا ، وتشتت الظالمون المحتلون بين قتيل وجريح وأسير وفار ، واخذوا يولولون ، وكما قال الشاعر ( أبو الطيب ) :                          لكل شيء إذا ما تم نقصان        فلا يغر لطيب العيش إنسان

هي الأمور كما شاهدتها دول     من سره زمن ساءته أزمان

وهذه الدار لا تبقي على أحد       ولا يدوم على حال لها شأن

     وبعد أن وضعت الحرب أوزارها ، وانتصر العرب المسلمون أيما انتصار ، وسجلوا بأحرف من نور لامع براق ، ودم احمر قانٍ ، صفحات خالدة في تاريخ العرب والمسلمين على حد سواء ومكنهم الله في الأرض العربية الفلسطينية ، بعد حطين فلسطين الأبية العزيزة ،  وهزم الجمع الصليبي وولوا الدبر ، كما قال الله سبحانه وتعالى وما زال قوله خالدا عزيزا { سيهزم الجمع ويولون الدبر } . صلى القائد صلاح الدين الأيوبي صلاة الشاكرين لأنعم الله عز وجل الذي من على المسلمين بالنصر المبين رغم قلة عددهم إذ لم يبلغ عدد أفراد الجيش الإسلامي آنذاك 12 ألف جندي في حين بلغ عدد قوات الصليبيين الفرنجة نحو 50 ألف جندي كما تعددت الروايات في هذا المجال .  وكما قال الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم : ” لن يغلب اثني عشر ألف  من قلة ” [35]  .
ملاحظة هامة : يتبع … ( معركة حطين الخالدة بين المسلمين والصليبيين ) ( 3 – 4) .

[1] ابن شداد ، النوادر السلطانية ، ص 75 – 76 .

[2] أبو شامة ، تاريخ الروضتين ، ج2 ، ص 75 .

[3] القرآن الكريم ، سورة الحشر ، الآية 2 .

[4] المقريزي ، السلوك لمعرفة دول الملوك ، ج 2 ، ص 92 .

[5] ستيفن رانسمان ، الحروب الصليبية ، ج 2 ، ص 737 .

[6] القرآن الكريم ، سورة القمر  ، الآية 7 .

[7] القرآن الكريم ، سورة المائدة ، الآية 64 .

[8] القرآن الكريم ، سورة القمر  ، الآية 6 .

[9] القرآن الكريم ، سورة القمر  ،  الآيات 44 – 51 .

[10] القرآن الكريم ، سورة القمر ، الآية 10 .

[11] القرآن الكريم ، سورة آل عمران ، الآيات 159 – 160 .

[12] أبو شامة ، ج 2 ، ص 76 .

[13] أبو شامة ، ج 2 ، ص 77 .

[14] أبو شامة ، ج 2 ، ص 82 .

[15] القرآن الكريم ، سورة البقرة ، الآيات 153 – 154 .

[16] القرآن الكريم ، سورة مريم ، الآية 94 .

[17] القرآن الكريم ، سورة الجمعة ، الآية 10 .

[18] القرآن الكريم ، سورة الممتحنة ، الآيات 4 – 5 .

[19] القرآن الكريم ، سورة آل عمران ، الآيات 12 – 13 .

[20] القرآن الكريم ، سورة البقرة ، الآيات 249 – 250 .

[21] القرآن الكريم ، سورة الجمعة ، الآية 8 .

[22] القرآن الكريم ، سورة التغابن ، الآية 9 .

[23] القرآن الكريم ، سورة الحاقة ، الآيات 6 – 7  .

[24] ابن واصل ، مفرج الكروب ، ج 2 ، نظر عبلة المهتدي ، صلاح الدين الأيوبي وتحرير القدس ، 1994 ، ص 122 .

[25] القرآن الكريم ، سورة القلم ، الآية 33 .

[26] القرآن الكريم ، سورة الواقعة ، الآيات 1 – 4 .

[27] رواه الترمذي .

[28] القرآن الكريم ، سورة الحاقة ، الآية 10 .

[29] القرآن الكريم ، سورة النساء ، الآية 47 .

[30] القرآن الكريم ، سورة النساء ، الآية 76 .

[31] القرآن الكريم ، سورة النساء ، الآية 104 .

[32] القرآن الكريم ، سورة القلم ، الآيات 35 – 36 .

[33] القرآن الكريم ، سورة الأحزاب ، الآيات 23  – 27 .

[34] القرآن الكريم ، سورة التحريم ، الآية 11 .

[35] رواه أحمد .

معركة حطين الخالدة .. بين المسلمين والصليبيين ( 3 – 4 )

كتبهاد. كمال إبراهيم محمد شحادة ، في 27 شباط 2008 الساعة: 11:23 ص

   معركة حطين الخالدة .. بين المسلمين والصليبيين

583 هـ / 1187 م

( 3 – 4 )

د. كمال علاونه

فلسطين العربية المسلمة

هذه الدراسة جزء من  

كتاب فلسطين العربية المسلمة ، لمؤلفه د. كمال علاونه ، الذي يدرس بجامعة فلسطين التقنية / طولكرم ، كمساق إجباري ( قضية فلسطينية ) لجميع طلبة الجامعة من درجة البكالوريوس في جميع التخصصات العلمية والإنسانية .

ملاحظة : يرجى قراءة الجزء الثاني من ( معركة حطين .. بين المسلمين والصليبيين ) ( 2 – 4 ) .

 9. تخطيط المسلمين في حطين

      يرجع لتخطيط المسلمين من تكتيك واستراتيجية عسكرية وإيمانية النصر المبين . فلقد زلزل الجيش الإسلامي يومي الجمعة والسبت  24 و25 ربيع الآخر 583 هـ /  3 و 4 تموز 1187 م ، رغم قلة عدده ، زلزل أقدام المحتلين الصليبيين ، وجعل السماء تموج بالدخان عن أيمانهم وشمائلهم ومن إمامهم وخلفهم .. من كل ناحية ، فكانت كما قال الله عز وجل في محكم كتابه العزيز : { إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا . وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا . وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا . يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا } [1]  .  

     نعم لقد حدثت الأرض أخبار معركة حطين بأحرف من نار ونور ، بأحرف من نار على قلوب ونفوس الطامعين الحاقدين الغادرين ، وبأحرف من نور يتلألأ فوق جباه المجاهدين والشهداء المسلمين في كل زمان ومكان ، فكانت هذه المعركة مضربا للأمثال في العزة والنخوة والتضحية والفداء من اجل إنقاذ المسلمين المظلومين .. الذين استغاثوا .. واإسلاماه .. واإسلاماه .. من أرناط رأس الشر والمفسدين ، إنقاذهم من براثن الغدر والخيانة الحاقدة من أناس دنسوا المقدسات وعاثوا في الأرض العربية فسادا وإفسادا في كل ناحية ومن كل حدب وصوب وتعرضوا لقوافل الحجاج المسلمين المتوجهين لمكة المكرمة لأداء فريضة وركن أساسي من أركان الإسلام الخمسة ، فدارت عليهم دائرة السوء ، ” وعلى نفسها جنت براقش ” . وقد استخدم المسلمون في هذه المعركة غير متكافئة العدد والعدة ، عدة أساليب جعلتهم ظاهرين ولعدوهم قاهرين ، فدق المسلمون طبول الحرب وكبروا وهللوا ، مستلهمين قول الله تعالى : { فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ . فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ . عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ } [2]  ،   ومن أبرز هذه الطرق :

أولا : التخطط الحربي الشامل : مناوشات وهجوم ليلي ، سيوف ونبال ورماح ورجم بالحجارة  وغيرها من الأسلحة المتاحة  وتوزيع ميادين المعركة في الساحل الفلسطيني وقرب طبرية وجنوب البلاد .

ثانيا : السيطرة على المياه : حال المسلمون  دون وصول الصليبيين إلى مياه بحيرة طبرية ، { قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ } [3]  .  وما أشبه ذلك اليوم ،  يوم حطين ، بيوم بدر ، حيث سيطر المسلمون على ينابيع المياه وحرموا منها الأعداء وقالوا للمشركين وللصليبيين : قل موتوا بغيظكم أيها المحتلون الصليبيون يا من أتيم من أوروبا لاستعمار بلاد العرب والمسلمين . فحاول الكفار المحتلين الاستيلاء على المياه للشرب منها ونادوا المسلمين أنهم ظمأى ويريدون الشرب فرفض المسلمون ذلك الطلب   ،  ولسان   حال الجانبين يقول : { وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ  } [4]  .

ثالثا : القتال بعد صلاة الجماعة : لتحريض وحث المؤمنين على القتال وتحبيذ الشهادة في سبيل الله ، دفاعا عن الإسلام ودفاعا عن النفس والأهل والأمة .

رابعا :وجود القيادة وسط المعركة :فوجود القائد وسط الجند المجاهدين يثير فيهم النخوة والشجاعة والهمة لملاقاة الأعداء فهو وسطهم ويمكن أن يتعرض للاستشهاد مثله مثل أي جندي من جند الإسلام .

خامسا : طاعة أولي الأمر : بالامتثال لتعليمات القيادة السياسية والعسكرية ، فهذه المسالة من الأمور المهمة لاستجلاب النصر على الأعداء ، فالقائد يجب أن يطاع ، وواجب القائد في المعركة استشارة أهل الخبرة والدراية للوصول إلى معطيات النصر .

سادسا : إشعال النيران الكثيفة : حيث تم إشعال النيران ذات الألسن الملتهبة في الحشائش والأعشاب والأشواك ، تحت أقدام الصليبيين الفرنجة ، وأمام خيولهم التي هلكت وهلكوا معها ، فكانت النار { كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ . كَغَلْيِ الْحَمِيمِ } [5]  .  وقد هبت رياح شديدة تجاه الفرنجة المحتلين فكانت كأنها ريحا صرصرا عاتية ، فلفحت النار وجوههم  فكانت { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ . عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ . تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً } [6]  .  وكان لهذا الدخان الناجم عن هذه النار الموقدة والذي لم يرتقبوه في الأرض عذابا فوق عذاب ، فقطع عنهم الأوكسجين الضروري للحياة فأعمى عيونهم وأرهقهم صعودا ، وغشيهم عذاب أليم ، وبطش فيهم المسلمون البطشة الكبرى { إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ . إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ . وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ . ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ . فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ } [7] ، وانزلوا أصحاب المشئمة  في أسفل سافلين ، وتم إعلاء كلمة الحق والدين الإسلامي العظيم ، فكانت هذه النار لظى نزاعة للشوى على الكافرين ، كما جاء في القرآن المجيد : { نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ . الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ . إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ . فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ }  [8]  .

     على العموم ، كانت النار التي أشعلها المسلمون في حطين فلسطين ، نارا ذات وقود ، الصليبيون عليها قعود جزاء  بما غدروا وافسدوا في الأيام الخالية ، ومنعوا المسلمين في المسجد الأقصى المبارك وقبة الصخرة  من العبادة والسجود لله الواحد الأحد المعبود . فكان ، { لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ } [9]  .  وعلى الجانب الآخر ، كانت النار بردا وسلاما على المسلمين إذ أن حركة الريح وجهتها باتجاه الظالمين الفرنجة  ، فكما قال الرسول الكريم إمام وخاتم الأنبياء والمرسلين ، في الحديث النبوي الشريف : ” عينان لا تمسهما النار : عين بكت من خشية الله ، وعين باتت تحرس في سبيل الله “[10]. وقد حارب المسلمون محاربة الأبطال ، المجاهدين في سبيل الله وقاتلوا أولياء الطاغوت الإفرنجي الغربي ، مستندين إلى نصر الله لهم : { إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ . ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } [11]  . وكانت نفسيات الصليبيين مشتتة ، والخلافات مستعرة لأنهم خاضوا هذه المعركة مع المسلمين ، فهم لا يواجهون المسلمين وجها لوجه ، فحاولوا الهرب والإدبار، كما قال الله العزيز الجبار : { لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ } [12]  .

     وبعد اخذ ورد ، فر وكر ، وهجوم وتراجع ، أنهكت قوى الصليبيين المحتلين ، فتراجعوا القهقرى ، ولات حين مناص ، ساروا على طريق الهرب من ساحة الوغى فكان هذا اليوم مثل : { يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ . وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ . وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ . لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ } [13]  . فحاولوا نصب خيامهم في مناطق بعيدة عن ساحة الوغى ، فلم يستطيعوا حيث كان لهم المسلمون المجاهدون في سبيل الله بالمرصاد ، وقالوا لهم ،  فأين تذهبون ؟ ونصبت الخيمة الحمراء لملك الفرنجة غاي ، فسيطر عليها المسلمون والقوها أرضا ، واستولوا على خشبة الصليب المقدس ، وانهارت معنويات الصليبيين في لحظة حسم المعركة الأخير ، فجثوا على الأرض مغشيا عليهم من التعب والإنهاك وشدة الظمأ ، فكان ظمأ للماء وظمأ للاستسلام ، والمسلمون يتابعونهم .. إنها الحرب الضروس .. إما قاتل أو مقتول .. استسلم قادة الصليبيين وفر بعضهم ..استسلم الملك غاي ورفيقه رينالد ( أرناط ) ومقدم الداوية ( فرسان الهيكل ) وصاحب جبيل ، وهمفري صاحب تبنين وغيرهم [14] . وكما قال الله تعالى : { وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا } . ووضعت الحرب أوزارها :  آه ، آه ، لقد سقطت مملكة الفرنجة وجردت من سطوتها وظلمها .. وهم على قرني طبرية الأجردين ، بعد انهيار الخيمة الحمراء الملكية . وأورث الله النصر المبين ، في حطين فلسطين ، لعباده الأتقياء الصالحين بعد أن كان يحتلها الفرنجة المحتلين ، فاستبدلهم الله بالقوم المؤمنين  ، قال  الله سبحانه وتعالى : { كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آَخَرِينَ . فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ } [15]  . وبعد المعركة ، معركة حطين ، التي فُرق فيها كل أمر عسكري وسياسي حكيم ، جلس المجاهدون المسلمون للراحة والتقاط الأنفاس ودفن جثامين الشهداء الطاهرين في الألحاد المنبعثة منها رائحة طيبة هي رائحة المسك ، وموارة جثث القتلى من الصليبيين في الحفر التي استحالت إلى واقع جديد كأنها خشب مسندة ، لتحاشي العفن والتعفن وانبعاث الرائحة الكريهة ، قعدوا في تلك البقعة من الأرض الإسلامية . وتناولوا الطعام والشراب ، وقرأ عليهم قائدهم نص الآية القرآنية : { قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ . كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ } [16] . فجزاهم الله بما صبروا نصرا وظهورا . وكانت فاكهة الصيف وظلت الخيم والجلوس تحت الشجر المثمر : { وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا } [17]  .

     وجلس صلاح الدين الأيوبي ، فارس وقائد المعركة التي زلزل فيها عرش المملكة اللاتينية الإفرنجية في بيت المقدس الإسلامية ، جلس في خيمته ، وأعطى القائد الصليبي غي دي لوزنيان إناء فيه ماء باردا مثلجا ممزوجا بالكافور وأسقاه بيده ، وهي كناية عن عدم الرغبة في قتله ، وبعد أن شرب لوزنيان .. خطف ارناط قربة الماء من أخيه الملك الأسير غي دي لوزنيان ليشرب فشرب  وظن أنه ” كأسا دهاقا ”  فتحولت عليه غما ومقتلا  لم يحسب لهما حساب { إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا . لِلطَّاغِينَ مَآَبًا . لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا . لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا . إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا . جَزَاءً وِفَاقًا . إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا . وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كِذَّابًا . وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا . فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا } [18]  . وعند ذلك قال له الناصر المنتصر صلاح الدين إني لم أسقك الماء بل أنت الذي شربت بنفسك ، وأخذ يحاسبه ويلومه ويؤنبه على أفعاله القبيحة واستيلائه على قافلة المسلمين واعتراض طريقهم كقاطع طريق للحيلولة دون أداء المسلمين فريضة الحج في مكة المكرمة وملاحقة بعض قوافل المسلمين على سواحل البحر الأحمر والنوبة وتهديده بنبش قبر النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، وعمل بقوله تعالى : { سَأُصْلِيهِ سَقَرَ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ . لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ . لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ . عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ } [19]  ،  ثم قتله بضربة سيف بيده موفيا بنذره الذي قطعه على نفسه ولسان حال صلاح الدين يقول لأرناط وزبانيته ، { ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ . إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ } [20]  .  فكان أن أوفى بعهده الذي قطعه على نفسه : { ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ } [21] . وأمر صلاح الدين كذلك بضرب أعناق فرسان الداوية والاسبتارية الذي سفكوا دماء المسلمين غير مرة بغير حق أو جريرة ارتكبوها ، فكانوا ، { كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ }  [22] .  وكما قال الله عز من قائل : { فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ . وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ . إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ } [23]  . أما القادة الفرنجة الباقين فطمأنهم صلاح الدين ونقلهم أسرى حرب إلى مدينة دمشق وسط حراسة مشددة . وانطبقت عليهم الآية القرآنية الكريمة : { فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ } [24]  . وقال لهم صلاح الدين إننا نعامل الأسرى بالحسنى فوصفنا الله ذو الجلال والإكرام  : { وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا . إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا. إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا } [25] . ومكثوا في الأسر عدة شهور ويقال إن الملك غي لوزنيان سجن في مدينة نابلس ، ثم أخذ صلاح الدين الأيوبي العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين فخلى سبيلهم وأطلق  سراحهم ، وقال لهم : { وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا } [26]  . وأكد عليهم بقوله : { لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ } [27] . وفي أعقاب هذين اليومين الفاصلين ، اقصد يومي جمعة وسبت حطين فلسطين ، عادت معظم المدن والبلدات والقرى الفلسطينية إلى عرين الإسلام بعد نحو تسعين عاما من الظلم والاضطهاد والظلام ، ففرح المسلمون بنصر الله العزيز الحميد ، واستمروا يقاومون الاحتلال والمحتلين كلما سنحت لهم الفرصة ، وأمام أعين ناظرهم طريقين : النصر أو الشهادة .. وكلاهما نصر  .. ولكن بطعم ومذاق مختلفين ، فالنصر دنيوي والشهادة جليلة عظيمة عند رب العالمين في الحياة الأخرى الباقية ، فالشهداء أحياء عند ربهم يرزقون ، كما قال الله سبحانه وتعالى في القرآن المجيد : { وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ . فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } [28] .  وقال تعالى في سورة الدخان يصف المتقين والشهداء : { إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ . فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ . كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ . يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آَمِنِينَ . لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ . فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ . فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ . فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ } [29]  .

 يوم الجلاء  المبين

     دم الشهداء في سبيل الله في يومي حطين ، الجمعة والسبت ، ما زالت  لم تجف بعد .. انهارت قلاع الفرنجة وسطوتهم في طبرية ، وعاصمتهم بيت المقدس ( التي أطلقوا عليها أورشليم ) والجليل العربي كله ، وعكا الحصينة المحصنة ، والعفولة ، ونابلس ، العصية … معليا ، شقيف ، ارنون ، بيروت ، جبيل  ، غزة ، يافا ، الرملة ، الداروم ، بيت لحم ، بيت جبرين ، الخليل ، النطرون … وسواها [30] . فكان نصرا مؤزرا لصاحب الجَمعة في يوم الجُمعة ، لصلاح الدين الأيوبي وجيشه المظفر بإسناد من المتطوعين المجاهدين في كل بقعة من بقاع فلسطين العربية الأبية .. انتصر الإسلام .. وهزم كيد الشر والشيطان هزيمة نكراء  تحدثت وما زالت وستبقى تتحدث عنها هذه الأجيال والأجيال اللاحقة ، إن كيد الشيطان كان ضعيفا .

ملاحظة هامة : يرجى قراءة الجزء الرابع من ( معركة حطين .. بين المسلمين والصليبيين ) ( 4 – 4 ) .

[1] القرآن الكريم ،  سورة الزلزلة ، الآيات 1- 3 .

[2] القرآن الكريم ، سورة المدثر  ،  الآيات 8 – 10 .

[3] القرآن الكريم ، سورة الأعراف ، الآية 160 .

[4] القرآن الكريم ، سورة الأعراف ، الآية 50 .

[5] القرآن الكريم ، سورة  الدخان ، الآيات 45 – 46 .

[6] القرآن الكريم ، سورة الغاشية ، الآيات 2 – 4 .

[7] القرآن الكريم ، سورة البروج ، الآيات 12 – 16 .

[8] القرآن الكريم ، سورة الهمزة ، الآيات 6 – 9 .

[9] القرآن الكريم ، سورة الأعراف ، الآية 41 .

[10] رواه الترمذي .

[11] القرآن الكريم ، سورة الأنفال ، الآيات 12 – 13 .

[12] القرآن الكريم ، سورة الحشر ، الآية 14 .

[13] القرآن الكريم ، سورة عبس ، الآيات 34  – 37 .

[14] ابن شداد ، النوادر السلطانية ، ص 63 .

[15] القرآن الكريم ، سورة الدخان ، الآيات 27 – 28 .

[16] القرآن الكريم ، سورة الحاقة ، الآيات 23 – 24 .

[17] القرآن الكريم ، سورة الإنسان ، الآية 14 .

[18] القرآن الكريم ، سورة النبأ ، الآيات 21 – 30 .

[19] القرآن الكريم ، سورة المدثر ، الآيات 26 – 30 .

[20] القرآن الكريم ، سورة الدخان ، الآيات 49 – 50 .

[21] القرآن الكريم ،  سورة عبس ، الآية 21 .

[22] القرآن الكريم ، سورة الأنفال ، الآية 6 .

[23] القرآن الكريم ، سورة الواقعة ، الآيات 93 – 95 .

[24] القرآن الكريم ، سورة الأحزاب ، الآية 19 .

[25] القرآن الكريم ،  سورة الإنسان ، الآيات 8 – 10 .

[26] القرآن الكريم ، سورة الأعراف ، الآية 56 .

[27] القرآن الكريم ، سورة الأعراف ، الآية 79 .

[28] القرآن الكريم ، سورة آل عمران ، الآيات 169 – 170 .

[29] القرآن الكريم ،  سورة الدخان ، الآيات 51 – 59 .

[30] شاكر مصطفى ، ” الذين دخلوا ا القدس وصلوا في المسجد الأقصى ” ، مجلة العربي ، الكويت ، العدد 232 ، ربيع الأول 1398 هـ ، آذار 1978 ، ص 32 .

معركة حطين الخالدة .. بين المسلمين والصليبيين ( 4 – 4 )

كتبهاد. كمال إبراهيم محمد شحادة ، في 27 شباط 2008 الساعة: 11:49 ص

 معركة حطين الخالدة .. بين المسلمين والصليبيين

583 هـ / 1187 م

( 4 – 4 )

د. كمال علاونه

فلسطين العربية المسلمة  

هذه الدراسة جزء من  

كتاب فلسطين العربية المسلمة ، لمؤلفه د. كمال علاونه ، الذي يدرس بجامعة فلسطين التقنية / طولكرم ، كمساق إجباري ( قضية فلسطينية ) لجميع طلبة الجامعة من درجة البكالوريوس في جميع التخصصات العلمية والإنسانية .

 10. فاتحو بيت المقدس

      بيت المقدس عامة والمسجد الأقصى المبارك خاصة لهما مكانة وأهمية خاصة في الإسلام ، فالمسجد الأقصى كان القبلة الأولى للمسلمين ، وهو ثاني المسجدين وثالث الحرمين الشريفين ، وارض إسراء ومعراج الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم إلى السماوات العلى ، والوصول برفقة الملك جبريل عليه السلام إلى السماء السابعة عند سدرة المنتهى ، وفرض الله الصلوات الخمس على أمة الإسلام ، أمة الهدى . والصلاة في المسجد الأقصى المبارك لها ثواب مضاعف وجزيل كما أخبرنا المصطفى محمد  رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال : ” صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ بِصَلَاةٍ وَصَلَاتُهُ فِي مَسْجِدِ الْقَبَائِلِ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ صَلَاةً وَصَلَاتُهُ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي يُجَمَّعُ فِيهِ بِخَمْسِ مِائَةِ صَلَاةٍ وَصَلَاتُهُ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى بِخَمْسِينَ أَلْفِ صَلَاةٍ وَصَلَاتُهُ فِي مَسْجِدِي بِخَمْسِينَ أَلْفِ صَلَاةٍ وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِمِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ ” [1] . وأهل بيت المقدس ، في جهاد ورباط في سبيل الله إلى يوم القيامة ، وسيبقون على الحق ظاهرين لعدوهم قاهرين . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لَعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إِلَّا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لَأْوَاءَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ ؟ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَيْنَ هُمْ ؟ قَالَ : بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ”  [2]  . فتح المسلمون بيت المقدس، أو القدس الشريف كما تسمى فلسطينيا وعربيا الآن ، مرتين : المرة الأولى : زمن الخليفة الراشدي الفاروق عمر بن الخطاب ، عام 15 هـ / 636 م ، ومنح أهل إيلياء الأمن والأمان الإسلامي فيما سمي ب ” العهدة العمرية ” .  والمرة الثانية زمن السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي ، حيث دخلت الجيوش الإسلامية بيت المقدس ، المدينة الإسلامية التي اتخذها الفرنجة عاصمة لمملكتهم ، بعد حصار استمر خمسة أيام ، بصلح أيضا واستسلام من قبل أعداء الأمة ، دخلت الأقصى المبارك وعلى رأسها القائد الفذ الموحد للأمة الإسلامية  تحت راية ( لا إله إلا الله     محمد رسول الله ) ، في يوم الجمعة في 27 رجب 583 هـ ذكرى الإسراء والمعراج الإسلامية الخالدة عبر التاريخ الموافق 2 تشرين الأول 1187 م ، مؤكدا التسامح الإسلامي قائلا للفرنجة المحتلين الذين استسلموا : ” لكم الأمان على أموالكم وأنفسكم ، تخرجون من أبواب المدينة تحت سيفي فقد أقسمت أن افتح المدينة عنوة بالسيف ، وعلى كل خارج منها أن يفتدي نفسه بعشرة دنانير ” . وعن هذا النصر يقول ابن الأثير : فأزيح شعار الحملة الصليبية الاستعمارية من على رأس قبة الصخرة المشرفة الإسلامية ( صليب مذهب )، ودوى الأذان الإسلامي في سماء المسجد الأقصى المبارك وبيت المقدس من جديد ، وكبر المسلمون تكبيرة مجلجلة وبصوت واحد ” الله اكبر  ، الله اكبر  ” ودخل الفاتح  صلاح الدين الأيوبي بطل معركة حطين ، المسجد الأقصى في 9 تشرين الأول 1187 م بعد أن نظف المسلمون الأرض وباحات الأقصى ورشوه بماء الورد [3] ،  فرحا وابتهاجا لإزاحة كابوس احتلالي جاء من أوروبا لاستغلال الأرض العربية واضطهاد أمة عربية سامية خالدة  ونهب مقدراتها وطمس حضارتها المجيدة .. فأعيد الحق إلى نصابه ، بعد جهد جهيد ، بالحسنيين معا : شهادة ونصر ، نصر وشهادة ،  مدوية في الآفاق فوق ثرى أرض الإسلام في وسط الأرض المقدسة في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس . فرق كبير بين يوم احتلال بيت المقدس من قبل الفرنجة عام 1099 م ويوم تحريرها من قبل صلاح الدين الأيوبي عام 1187 م ،  في يوم الاحتلال الصليبي عمل الجند المحتلين تقتيلا في المسلمين في المسجد الأقصى المبارك حيث قتلوا ما يربو عن سبعين ألف مسلم خلال أسبوع . ويوم الفتح الإسلامي الثاني لبيت المقدس زمن صلاح الدين ، لم ترق فيها نقطة دم واحدة بعد عهد الأمن والأمان الصلاحي ،  إنه الفرق بين سماحة الإسلام ،  وغدر الكفر والطغاة .

 11. صلاح الدين في المسجد الأقصى

جَمعة وجُمعة المسجد الأقصى المبارك

      وفي 4 شعبان 583 هـ / 9 تشرين الأول 1187 م صلى صلاح الدين صلاة الجمعة في المسجد الأقصى وطلب من القاضي محي الدين محمد بن زكي الدين القرشي أن يخطب في الجمعة . وكان طلب صلاح الدين الأيوبي من الفرنجة الصليبيين مقابل الأمن والأمان لهم كشرط من شروط الصلح أن يفتدي كل منهم نفسه بعشرة دنانير ، وكان عدد المقاتلين الفرنجة في المدينة نحو ستين ألف شخص . فعجز ثلاثة آلاف منهم عن الدفع ، فطلب منه شقيقه العادل أن يخلى سبيل ألف شخص ، فاستجاب له وتدخل البطريرك هرقل بطريرك اللاتين لفئة أخرى فعفا عن سبعمائة شخص آخر وباليان الغادر ( قائد المدينة الإفرنجي  ) منحه صلاح الدين خمسمائة آخرين  ثم أطلق سراح الباقين غير المقتدرين من الأرامل واليتامى والعجائز والكبار في السن ، وجاءت نساء بعض الأسرى يستوهبن ازواجهن فوافق كرما لدموعهن ، وقال : أنا شفيع هؤلاء ،  اذهبوا فأنتم الطلقاء ، طلقاء ولكن من نوع جديد ،  وزمن آخر ،  ودفع عنهم الفدية من خزائنه  [4] . على أي حال ، أعاد صلاح الدين الأيوبي بناء ما دمر من سور مدينة القدس عند فتحها عام 1187 م ، ثم رممه الملك العادل . إلا أن البناء الحالي لسور القدس يرجع للسلطان العثماني سليمان القانوني حيث استمرت عملية البناء خمسة أعوام انتهت عام 943 هـ – 947 هـ / 1531 م – 1536 م . وتذكر كتب التاريخ أن أقدم بناء لسور يبوس هو الذي بناه الملك العربي اليبوسي – الكنعاني ( ملكي صادق ) قبل قيام مملكة داود عليه السلام بعشرين قرنا من الزمن [5] .

     وبعد تحرير بيت المقدس ، لم يبق للصليبيين إلا إنطاكية وطرابلس وصور وبعض المدن والقلاع الصغيرة وقبرص في البحر الأبيض المتوسط ، فكانت معركة حطين فاتحة فتح وخير على العرب والمسلمين جميعا .  الأمر الذي حدا بملوك أوروبا الثلاثة ، فردريك بربروسا إمبراطور ألمانيا ، ورتشارد قلب الأسد ملك إنكلترا وفيليب أغسطس ملك فرنسا ، بتجريد الحملة الصليبية الثالثة ( 1189 – 1192 م ) لمحاربة صلاح الدين . وقد وقع صلح الرملة بين صلاح الدين الأيوبي وريكاردوس عام 588 هـ / 1192 م بموجه تم :

1.      جعل القدس بيد المسلمين مع السماح للنصارى بالحج إليها دون دفع ضرائب .

2.      احتفاظ الصليبيين الفرنجة بالجزء الساحلي بين عكا ويافا .

3.      يبقى الساحل من عسقلان حتى الجنوب بيد المسلمين .، وبقيت عسقلان خرابا .

4.       جعلت اللد والرملة مناصفة بين المسلمين والصليبيين .

ثم توجه صلاح الدين الأيوبي من فلسطين إلى دمشق حيث توفي في السنة التالية ودفن جثمانه قرب الجامع الأموي بدمشق عام 589 هـ / 1193 م .

      والعبرة المستفادة من هذين الحدثين الجليلين ، فتح بيت المقدس ، بالإسلام وذروة سنامه ، الجهاد في سبيل الله ، ونؤكد على كلمة الإسلام ، والإسلام وحدة ، ولا نظام أو دعوة سواه ، فالإسلام الحنيف هو القادر على تجميع أبناء الأمة ، تحت راية الإخوة الإيمانية والتعاون والوحدة والعدل والمساواة والإيثار ، فالإسلام يقود من نصر إلى نصر لهذه الأمة من عرب ومسلمين ، لا فرق بين عربي وأعجمي ، و ” إن أكرمكم عند الله اتقاكم ”  ، وما عدا ذلك ” لا يسمن ولا يغني من جوع ” في كافة المجالات الفكرية والسياسية والدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية ، العاجلة والآجلة ، ما جاء منها وما بقي منها في عالم الملك والملكوت الإلهي والغيب ، عند الله سبحانه وتعالى ، عالم الغيب والشهادة ، ولا يطلع على غيبه أحدا . على العموم ، أخرج الصليبيون من مدينة القدس إثر معركة حطين عام 1187 م ثم عاد الصليبيون الفرنجة للمدينة المقدسة عام 1229 م بعد تسليمها لهم من الملك الكامل بن أيوب بسبب اختلال موازين القوى بين المسلمين والفرنجة الأوروبيين لصالح الفرنجة ، إلى أن حررها مرة ثانية من الصليبيين الفرنجة الملك الناصر عام 1239 م . ثم أعاد هذا الملك تسليمها للصليبيين عام 1243 ثم حررها نهائيا عام 1244 م الملك الأيوبي نجم الدين أيوب . وقد شهدت مدينة القدس تطورا وازدهارا زمن المماليك حيث مكثوا يهتمون بها حتى تبعت للدولة العثمانية الإسلامية عام 1517 في أعقاب معركة مرج دابق ، ثم سقطت بيد الاحتلال البريطاني عام 1917 م إبان الحرب العالمية الأولى الذين مهدوا لإقامة ما يسمى بوطن قومي يهودي في فلسطين وحرمان أهل البلاد الأصليين من حقوقهم السياسية في البلاد .

    كما رأينا ، لقد فتحت مدينة بيت المقدس مرتين : الأولى في عهد الخليفة الراشدي الثاني  عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، والثانية في عهد السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي ، ترى من سيكون الفاتح الثالث لبيت المقدس ؟ وهل سيأخذ هذا الفاتح بالأسباب والمسببات ؟ بالإعداد والاستعداد اللازم وفق استراتيجية فكرية وعسكرية وسياسية واقتصادية واجتماعية قائمة على أركان الإسلام ، وذروة سنامه ، بالوحدة والتكافل والتعاون ، مع ما يسبق ذلك من تكتيكات مرنة متحركة تصول وتجول في الأذهان وفي النفوس بين الحين والآخر ، تدور كدوران الأرض حول الشمس وثابتة متلألئة  كثبات وتلألؤ النجوم في كبد السماء ” وكل في فلك يسبحون ”  دونما انتقاص أو نقص في العدة والعتاد ” واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ” ، خاصة ونحن في عصر التقنية العسكرية المتطورة أرضا وبحرا وجوا وطيران يهيل من فوق الرؤوس كل ما يؤدي إلى الكابوس .. في عصر الذرة والقنابل الهيدروجينية وعصر الإلكترون .. إن الإرادة الإسلامية هي الأساس ، وهي المتراس الحامي والمدافع عن كيان المقدسات الإسلامية ، وإلى متى الاستجداء من هنا وهناك لاستعادة الحقوق المسلوبة بقوة القوة لا بقوة الحق والمنطق  والإرث الحقيقي  ، { فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا . إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا . وَنَرَاهُ قَرِيبًا } [6]  وإنا لصادقون .

     لقد جعلت القدس عدة مرات في التاريخ كعاصمة للمحتلين منذ عهود غابرة ، وما أشبه اليوم بالبارحة ، إلا أن ذلك هو من علامات اكتمال الظلم والطغيان وبالتالي النقص والهزيمة والهوان ، ولقد استوجبت عملية استرجاع بيت المقدس والمسجد الأقصى كما يقول الله سبحانه وتعالى واعدا المسلمين المظلومين الذين أخرجوا من ديارهم بالنصر المبين : { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ . الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ . الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ } [7] . وكما يقول المثل ” إشتدي أزمة تنفرجي ” بإذن الله ، والقدس كما ورد في الحديث النبوي الشريف ، عندما دعا على الجراد أن يتوجه لبيت المقدس فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بما معناه أن تلك البلاد لا يظهر فيها الظلم إلا أنهاه الله سبحانه وتعالى إن عاجلا أو آجلا ، وإرادة الله فورية وحالية هي إنما إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، قال الله تعالى  : { إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون } [8]  .

 12. معركة حطين ..  عبر وعظات متجددة

      لا بد من استخلاص العبر من معركة حطين وفتح بيت المقدس ، ومن أبرز هذه العبر ما يلي :

أولا : إن عملية التحرير لا تتم إلا من خلال الوحدة الإسلامية في ظل القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ، واجتناب الكبائر والموبقات ، وإتباع مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والبغي والظلم .

ثانيا : إن عملية التحرير تتم بعد الإعداد والاستعداد المادي الملائم من العتاد والأسلحة وكافة وسائل القوة المادية والجهاد في سبيل الله .

ثالثا : إن عملية التحرير في المرتين ، كانت تحت إمرة قائد مسلم عادل ، يتخذ من الجهاد في سبيل الله طريقا منيرا ، كضوء الشمس ، الأول هو الفاروق عمر بن الخطاب من مكة المكرمة ومن عاصمة الدولة الإسلامية من المدينة المنورة ، والقائد الثاني صلاح الدين الأيوبي من تكريت العراقية ، بعد استلامه زمام مصر والشام معا ، فالانطلاق والتحرير ومقاومة ومناهضة الطغيان تحتاج إلى تعاون أهل البلاد الأصليين أيضا ليكونوا رأس الحربة الجهادية في سبيل الله ، لأن قوة التحرير الحقيقي الكبرى تأتي من خارج الأرض المحتلة ، والظلم لا يمحوه إلا العدل والإحسان . وبهذا نستطيع القول ، إن عملية التحرير الثالثة القادمة لبيت المقدس لن تكتمل إلا بالإسلام دعوة ودينا ودولة وبالجهاد في سبيل الله طريقا ، ولا بد من وجود القائد الرمزي المسلم الموحد لكافة الجهود الفكرية والعملية جنبا إلى جنب دونما إبطاء ، فالقائد الفذ هو المنقذ وهو المجمع للجهود المبعثرة هنا وهناك ، فالأمة تمتلك كافة مقومات الحرية والتحرير من بر وجو وبحر ، ومن مقومات عقائدية وبشرية واقتصادية وغيرها إلا أننا بحاجة ماسة إلى وجود الإرادة القوية الصادقة والأمينة الحريصة على النصر وإعادة أمجاد الأمة العربية الإسلامية ، الأمجاد التليدة .

رابعا : لا بد لنا وأن نقول عن يوم حطين ، يوم النصر للمسلمين ، وفي الوقت ذاته يوم هزيمة وخيبة للفرنجة والمحتلين هو يوم بشرى عبر الأجيال السابقة واللاحقة ، للاستفادة من دروس الماضي وعبره ورفض الذل المستطير ، واستشراف المستقبل ،  كما قال الله جل جلاله : { وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ . لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ } [9]  .  وقال الله تعالى مؤكدا على ذلك في آية أخرى  : { وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [10]  .

     وختاما ، يجب أن يقتدي المسلمون في هذا العصر بأبطال معركة حطين الخالدة أبد الدهر والأزمان كدليل ساطع على مقدرة الإسلام والمسلمين على هزيمة الظلم والظالمين حيث خرجوا وسيخرجون مذمومين مدحورين إن شاء الله ، لأن الله كتب الجلاء على الطغاة ، مهما طال الزمن وتغيرت موازين القوى واختلفت أنواع الأسلحة ، { فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ } [11] ، { وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى }  [12] . ونحن كعرب ومسلمين ، يجب أن لا نيأس من روح الله ، لان من يعد العدة للنصر يقطف ثماره ، وكما قال الله سبحانه وتعالى : { لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ } [13] . وسلام إلى صلاح الدين وعلى صلاح الدين ، يوم ولد ويوم مات ويوم يبعث حيا ، وسلاح الإيمان هو الأكثر مضاء وفعالية ، أكثر من السيوف والرماح والنشاب والمنجنيقات ومن الطائرات والدبابات والقوة النووية والذرية ، في كل عصر وكل حين من الدهر ، مهما اختلفت الصور والأشكال ، على مر الزمن والأجيال ، فالحق هو الحق ، والباطل هو الباطل ، والنصر من عند الله الواحد القهار ، ولتكن هذه الثلة المجاهدة في سبيل الله قدوة لنا ، كما كان الرسول الكريم قدوة لهم ولنا عبر مسيرة الإسلام  الحنيف ، قال تعالى : { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ } [14]  .

     وبالجهاد وحده تتحرر البلاد كما قال الله سبحانه وتعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ . وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ } [15] .

انتهى .

[1] سنن ابن ماجه ، الجزء 4 ، ص 333 .

[2]  مسند أحمد ، الجزء 45 ، ص 281 .

[3] ابن الأثير ، ج 11 ، ص 551 .

[4] ستيفن رانسمان ، تاريخ الصليبيات ( بالإنجليزية ) ، ج 2 ، أعاد نشرها شاكر مصطفى ” الذين دخلوا القدس وصلوا في المسجد الأقصى ” ، مجلة العربي ، العدد 323 ، آذار 1978 ، ص 34 .

[5] رفيق شاكر النتشة ، القدس الإسلامية ( الرياض : دار ثقيف للنشر والتأليف ، 1996 ) ، ص 75 .

[6] القرآن الكريم ، سورة المعارج ، الآيات 5 – 6 .

[7] القرآن الكريم ، سورة الحج ، الآيات 38 – 41 .

[8] القرآن الكريم ، سورة يس ، الآية 82 .

[9] القرآن الكريم ، سورة آل عمران ، الآيات 126 – 127 .

[10] القرآن الكريم ، سورة الأنفال ، الآية 10 .

[11] القرآن الكريم ، سورة الأعراف ، الآية 103 .

[12] القرآن الكريم ، سورة الأعراف ، الآية 137 .

[13] القرآن الكريم ، سورة الحديد ، الآية 23 .

[14] القرآن الكريم ،  سورة الممتحنة ، الآية 6 .  

[15] القرآن الكريم ، سورة الصف ، الآيات 10 – 13 .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s