اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ د. كمال علاونه

 اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا
وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

د. كمال علاونه
أستاذ العلوم السياسية
فلسطين العربية المسلمة

بسم الله الرحمن الرحيم
يقول الله جل جلاله : { اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (20) سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21) مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (24)}( القرآن الحكيم ، الحديد ) .

الحياة الدنيا ، هي حياة فانية زائلة لا محالة إن عاجلا أو آجلا ، فالإنسان يمر بهذه الحياة وكأنها لمح البصر ، إسالوا إن شئتم الكبار في السن من الذين بلغوا من الكبر عتيا واشتعلت رؤوسهم شيبا وردوا إلى ارذل العمر كم لبثوا ؟ فيقولون لبثنا ساعة أو يوما أو فترة قصيرة هذه هي الإجابات فاسال العادين . وأثناء مرور الإنسان بهذه الحياة الدنيا من دار الممر إلى دار المستقر ، يمر بالعديد من الامتحانات والابتلاءات الإلهية لمعرفة من يصبر ومن يجزع ويخاف من هول المصائب التي تقع على الإنسان . فكما للإنسان امتحانات تجريبية ونهائية في المدارس والجامعات هناك امتحانات ربانية في الحياة العملية العامة والخاصة ، وتتوزع هذه الامتحانات أو البلوى أو الإبتلاء سموه كما شئتم على خمس محاور اساسية في الحياة الدنيا وهذه المحاور هي :
أولا : الخوف : وهذا الخوف يتمثل من خوف الإنسان وتحسبه بصورة وقائية او نتجية تصرف معين ، فالإنسان يخاف من الأشرار ويخاف من الامتحانات ويخاف من الفشل ويخاف من الهبوط النفسي ويخاف من المرض أو الموت فالخوف ظاهرة من ظواهر الإنسان الملازمة له ، ولكن حدتها تخف وتحتد حسب الظروف وحسب الأوضاع السائدة النفسية والشخصية الفردية والجماعية والحزبية والشعبية والرسمية وما إلى ذلك .
ثانيا : الجوع : يتمثل هذا النوع من الابتلاء الرباني بقلة الرزق وصعوبة تحصيل متطلبات الحياة اليومية المتمثلة من مأكل ومشرب وهي حاجات ضرورية للإنسان أي إنسان . والجوع ملازم لحاجة الإنسان للغذاء والدواء والشراب المباح . ونقص الطعام يشكل جوعا طبيعيا ، والخلل السياسي يسبب جوعا سياسيا ، والتدهور الاقتصادي يسبب خللا اقتصاديا ، والنقص الثقافي يسبب جوعا ثقافيا وحضاريا .. وهكذا .
ثالثا : نقص من الأموال : تتمثل هذه الظاهرة في قلة ذات اليد والشح في الرزق ، وقد ينتج نقص الأموال عن فشل اقتصادي ذريع ، أو تلف للمال من الحرائق والسرقات وسوء التصرف ، وقد ينتج عن انتشار البطالة وقلة الأعمال هنا وهناك وتشمل الأموال المقصودة : الأموال المنقولة السائلة كالنقود والذهب والفضة والمركبات والأموال الثابتة كالعقارات والأراضي والمباني وغيرها . والنقص هنا سريع أو بطئ قد ينجم عن خسارة اقتصادية في التجارة أو تراجع المبيعات وسواها .
رابعا : نقص من الأنفس : ونقص الأنفس يتمثل في وفاة الأشخاص وفاة طبيعية أو استشهاد بعضهم في هذه البقعة أو تلك من أصقاع الكرة الأرضية . وقد يكون النقص في البشر فرديا أو جماعيا ، طبيعيا أو ناتج عن فعل فاعل كحوادث المرور والحروب والفتن والصراعات الباطنية والظاهرية .
خامسا : نقص من الثمرات : تتمثل في نقص المزروعات أو غلاء أسعارها فتصبح ناقصة غير متوفرة ، أو فشل موسم زراعي معين ، وقلة الانتاج من الخضروات والفواكه والحبوب والبقوليات وغيرها كالأشجار المثمرة وسواها ، والنقص قد يكون كاملا أو جزئيا وكلاهما يسمى نقص .
وفي حالة وجود تلف أو نقص أو وفاة أو فقدان لأحد العناصر الرئيسة السابقة ، يهتز كيان الإنسان ويصبح متوترا أو مستفزا أو لا يستوعب هذا الأمر وكأن الحياة خلقت لأجله كاملة مكتملة دون نقصان ، وهذا غير ممكن بل مستحيل أصلا ، فالحياة لها ثنائي ملازم لكينونتها : حياة وموت ، صحة ومرض ، فرح وحزن ، توفر وفقدان ، نجاح وفشل ، هدوء وتوتر ، نوم واستيقاظ .. ألخ . وغني عن القول ، إن الإنسان مهما حزن أو فرح فإن الأمور القدرية تسير كما هي مسيرة من الخالق سبحانه وتعالى ولا يمكن للإنسان أن يغير بها بأي حال من الأحوال بشكل كلي . وقد نبه لهذه الأمور الله العزيز الحكيم خالق الخلق أجمعين ، وباعثهم ليوم الحساب المبين وهو يوم الدين ، وينبغي على الإنسان أن يدرك هذه الأمور ، فإن تعرض لابتلاء أو بلوى محددة قصيرة الأجل او متوسطة أو طويلة ، فعليه أن يتحمل ، وأن يسعى نحو الحياة الفضلى ، لا أن ييأس ويقنط ويلجأ للسب والشتم للحياة ومن عليها مما يسبب له تعبا نفسيا وإرهاقا جسديا . وهناك فئة من الناس لا تؤمن بالقدر وتحاول تحقيق كل شيء بنجاح دون نقص أو شيء من الإخفاق ، فإذا فشل أحدهم أو إحداهن في تحقيق مآربه من جمع المال الوفير أو تحصل درجة علمية او مركز أجتماعي أو تجارة كاسدة أو فشل في الزواج أو فشل في حب عذري أو غيره يقنط ويحبط ويصاب بعاهة سريعة يقال لها جلطة وهي جزع وخوف وقنوط مع ما تسببه من تدهور عقلي وجسدي واعتلال في الصحة ويرافق ذلك القعود والجلوس مذموما مدحوار فيصبح عالة على نفسه وعلى الآخرين ، والسبب كما أشرنا إليه بسيط وتافه جدا ، نقص في مال أو خوف من شيء معين ، أو خسارة في الزراعة أو في الاقتصاد أو وفاة أحد الأحباء والأعزاء والأصدقاء ، أو تردي في المعاشات وزيادة التضخم أو خسارة فادحة في التجارة .
والسؤال الذي نطرحه : لماذ يجزع الإنسان بصورة كبيرة في مثل هذه الحالات ؟ الجزع ظاهرة صحية ولكن المبالغة فيها ظاهرة مرضية يجب إزالتها وتجنبها فالإنسان هو أحد أفراد الكرة الأرضية التي يشكل تعدادها نحو سبعة مليارات نسمة ، فأنظر أيها الإنسان من قيمتك في ظل هذا الوضع ؟ وما قيمتك ، وما دورك ، وما هي مشكلتك ؟ إنها بسيطة جدا ، بسطها بالتبسيط ولا تبالغ فيها وتحاول إقناع نفسك إن الحياة انتهت بالنسبة لك في حالة إصابتك بإحدى الابتلاءات الخمس السالفة الذكر . وأما إذا ضخمت المشكلة البسيطة وعملت من الحبة الصغيرة قبة كبيرة فهنا تكمن الخطورة وتنهار أعصاب الإنسان ويصاب بالحزن الشديد والكآبة والاكتئاب المتعدد الأشكال والأنواع وتبدأ المشكلة العويصة : إنهيار عقلي أو جسدي أو كليهما ، فيقعد الإنسان يلوم نفسه ويلوم من حوله . والحل الأمثل هو مراجعة الإنسان لنفسه وبنفسه من أجل نفسه ، والبكاء قليلا لتفريج الكربة والغمة وتفريغ الضغط النفسي والاستعانة بالآخرين وخاصة الأصدقاء والمقربين للتخفيف النفسي والصحي وعدم التفكير العميق في الأمر ومحاولة نسيان الفشل البسيط كي لا يقعد مع القاعدين ويعوق نفسه بنفسه من أجل تفاهات بسيطة زائلة ، فالكل سيموت ، ولن يأخذ معه شيئا سوى عمله الصالح ، وبقاء صدقته الجاريه وعلمه الذي ينتفع به من بعده . فقد جاء بصحيح مسلم – (ج 14 / ص 208) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ” يَقُولُ الْعَبْدُ مَالِي مَالِي ، إِنَّمَا لَهُ مِنْ مَالِهِ ثَلَاثٌ : مَا أَكَلَ فَأَفْنَى ، أَوْ لَبِسَ فَأَبْلَى ، أَوْ أَعْطَى فَاقْتَنَى ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ ذَاهِبٌ وَتَارِكُهُ لِلنَّاسِ ” . وهناك من الناس من يلجأ إلى اعتزال الناس أو اعتزال الحياة الدنيا لاعنا وكافرا أو مفكرا بالانتحار من أجل سخافات دنيوية هابطة مؤقتة غير دائمة ، ولهذا لا بد من التحمل والصبر والاسترجاع لله جل جلاله ليكون الإنسان من الهادين المهتدين والذين مدحهم الله سبحانه وتعالى وجعل عليهم صلوات ورحمة فهم المهتدون .
إلجأوا أيها الناس المبتلون ببلاءات دنيوية مهما كان نوعها وشكلها إلى الصبر على البلوى والاسترجاع والجَزَعُ أو الهلع أو الخوف هو نقيض الصَّبْر . والصبر هو مكابدة النفس وحبسها وحثها على الاحتمال لما يقع على الإنسان من هم أو غم أو أذى . والصَّبْرُ هو الإمساك عن التذمر والقبول بالأمر الحاصل الذي يؤثر سلبيا على نفسية الإنسان . وقيل الهَلَع هو الحرص والجزع ، وقلة الصبر ، وهو أسوا أنواع الجزع . فقلة الصبر تجعل فؤاد الإنسان خاليا . والصبر تجنب ترك الشكوى من البلاء الذي يقع على الإنسان وبالتالي هو احتمال الأسى والمصائب وفواجع الأمور ، لأن في الصبر مفتاح الفرج . وقيل الصبر يعني العَزْم والعَزِيمةُ . والتذمر والضجَرُ وقِلّة الصبْر على الأُمور تولد الندم والحسرة والخسران المبين . والصبور هو اسم من أسماء الله الحسنى . يقول الله الغفور الصبور : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [1]. وقال الله العزيز الحكيم في آيات قرآنية أخرى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ . وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ . وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ . الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ . أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ } [2] . وقال تعالى : { قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } [3] . جاء بصحيح البخاري – (ج 5 / ص 29) مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ فَقَالَ : ” اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي ! قَالَتْ إِلَيْكَ عَنِّي فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي ؟ وَلَمْ تَعْرِفْهُ ، فَقِيلَ لَهَا إِنَّهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَتْ بَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابِينَ ، فَقَالَتْ : لَمْ أَعْرِفْكَ ؟ فَقَالَ : إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى ” . [4] . وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : إِنَّ نَاسًا مِنْ الْأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطَاهُمْ ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ ، فَقَالَ : ” مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنْ الصَّبْرِ ” [5] . وعن أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَا مِنْ عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ :” { إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ } . اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا ، إِلَّا أَجَرَهُ اللَّهُ فِي مُصِيبَتِهِ وَأَخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا ” . قَالَتْ : فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ قُلْتُ مَنْ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ عَزَمَ اللَّهُ لِي فَقُلْتُهَا كَمَا أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَخْلَفَ اللَّهُ لِي خَيْرًا مِنْهُ ، قَالَتْ فَتَزَوَّجْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ” [6] .
فإذا ما أصيب الإنسان بعاهة أو نقص من العناصر الخمسة المذكورة عاليا ، الخوف والجوع والأموال والأنفس والثمرات ، يجب أن يقنع نفسه أن الأمر سهل جدا ولا داعي لتكبيره وتصوره وكأن الدنيا انتهت وذهبت أدراج الرياح وأن حياته أصبحت لا تطاق ، لأن الأرض في الدنيا قد ضاقت عليه بما رحبت لا بل لا بد من الصبر وخاصة عند الصدمة الأولى والاسترجاع . وقد خصص الله تعالى للصابرين أجرا عظيما كما وعدهم بالقرآن المجيد فيجب أن يثق الإنسان بربه وأن دار الخلود هي الحياة الآخرة وليست هذه الحياة الفانية .
وقد عين الإسلام مجموعة من الأدعية للتخفيف من النوازل الخفيفة أو العصيبة التي تصيب الإنسان وامتصاص الصدمات كالاسفنجة التي تلتهم كل شيء دون أن تتاثر . والاستغفار والاسترجاع وذكر الله كثيرا والبكاء الهادئ هي من العلاجات النفسية التي ينصح بها الإنسان المكلوم والمصاب بإحدى الإخفاقات الإنسانية . ونذكر بهذا الصدد أن الصبر ضروري ولا بد من الإكثار من ذكر الله جل جلاله وعدم تضخيم الحدث البسيط إلى حدث جلل ، يقول الله العزيز الحكيم : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (42) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (43)}( القرآن المجيد ، الأحزاب ) .
وأخيرا لا بد من القول ، إن الإنسان المبتلى في اي نوع من أنواع الابتلاء الخمسة السابقة له أجر عظيم عند الله العزيز الحميد ، فهذا المصاب هو تكفير عن الذنوب وزيادة في حسنات الإنسان المسلم ، وهو عذاب دنيوي للإنسان الفاجر والكافر والمنافق . جاء بمسند أحمد – (ج 38 / ص 397) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” عَجِبْتُ مِنْ أَمْرِ الْمُؤْمِنِ ، إِنَّ أَمْرَ الْمُؤْمِنِ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ ، كَانَ ذَلِكَ لَهُ خَيْرًا ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ فَصَبَرَ كَانَ ذَلِكَ لَهُ خَيْرًا ” . فانظر ايها الإنسان وأحكم على نفسك ، إذا كنت مؤمنا فيجب أن تصبر وتحتسب عند الله تبارك وتعالى ، وإذا كنت غير ذلك فاسرع وألجأ للإسلام العظيم الذي يحل كل مشاكلك الدنيوية والأخروية ، ولا تكن مغرورا مكابرا يائسا قانطا ناكرا نعم الله عليك ، نادبا لحظك المتعثر تتلوى كتلوي الحرباء البطئ لائما لنفسك وللآخرين فاللوم غير محمود العواقب والياس والقنوط يدمر حياة الإنسان وحياة من حوله . ويقول الله جل جلاله عن جزاء الصابرين : { قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (10) }( القرآن الحكيم ، الزمر ) .
وادع ربك بالأدعية الطيبة المباركة التي وردت عن المصطفى صلى الله عليه وسلم جاء بصحيح البخاري – (ج 19 / ص 461) كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ” اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ ” . وورد بسنن أبي داود – (ج 4 / ص 353) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ الْمَسْجِدَ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو أُمَامَةَ فَقَالَ يَا أَبَا أُمَامَةَ مَا لِي أَرَاكَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ قَالَ هُمُومٌ لَزِمَتْنِي وَدُيُونٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : أَفَلَا أُعَلِّمُكَ كَلَامًا إِذَا أَنْتَ قُلْتَهُ أَذْهَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَمَّكَ ، وَقَضَى عَنْكَ دَيْنَكَ ؟ قَالَ : قُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ قُلْ إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ الرِّجَالِ قَالَ فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَمِّي وَقَضَى عَنِّي دَيْنِي ” . وكما يقول الله الصبور غافر الذنب وقابل التوب : { وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128) }( القرآن الحكيم ، النحل ) .
ومن الدعاء المستجاب لذوي الحاجات الخاصة من المتقين الأخيار ، عباد الله في ارض الله الواسعة : ” اللهم يا ودود ، يا ذا العرش المجيد ، يا مبدئ يا معيد ، يا فعال لما يريد . أسالك بنور وجهك الذي ملأ أركان عرشك ، وبقدرتك التي قدرت بها على جميع خلقك ، وبرحمتك التي وسعت كل شيء . لا إله إلا أنت ، يا غياث المستغيثين أغثني ” .
وإلى هنا انتهى . سلام قولا من رب رحيم . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

[1] القرآن الكريم ، سورة آل عمران ، الآية 200 .
[2] القرآن الكريم ، سورة البقرة ، الآيات 153 – 157 .
[3] القرآن الكريم ، سورة الزمر ، الآية 10 .
[4] صحيح البخاري ، الجزء 5 ، ص 55 . وصحيح مسلم ، الجزء 4 ، ص 490 ، وسنن الترمذي ، الجزء 4 ، ص 99 .
[5] صحيح البخاري ، الجزء 5 ، ص 318 .
[6] صحيح مسلم ، الجزء 4 ، ص 476 .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s