تجربتي بإذاعة صوت فلسطين 1994 – 2001 – د. كمال علاونه

تجربتي بإذاعة صوت فلسطين
( 1 )
د. كمال علاونه
أستاذ العلوم السياسية
فلسطين العربية المسلمة

يقول الله العزيز الحكيم جل جلاله : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71) إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (73)}( القرآن المجيد ، الأحزاب ) . وجاء بصحيح مسلم – (ج 1 / ص 167) كان رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ ) .

أولا : الإعلان عن دورة تدريبية بالصحافة الإذاعية
كان يوما صيفيا ربيعيا دافئا رائعا ، إنه في 11 نيسان 1994 ، قرأت إعلانا صحفيا في صحيفة القدس المقدسية ، عن قرب إنشاء إذاعة فلسطينية في ارض الوطن الفلسطيني ، وقبل ذلك يجب على الصحفي الذي يود الدخول في هذه الهيئة أن يتلقى دورة تدريبية تمتد ما بين 3 – 6 شهور . طلب من كل صحفي يريد الانخراط في الصحافة الإذاعية أن يقدم أوراقه الثبوتية ، لدى أحد المكاتب الصحفية في نابلس أو غيرها من المدن الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة . قرأت الإعلان وترددت أن أقدم أوراقي ، رغم أنني خريج بكالوريوس علوم سياسية وصحافة كتخصص رئيسي ولغة إنجليزية كتخصص فرعي من جامعة النجاح الوطنية في نابلس في نيسان 1986 . بعد تردد نفسي وصحفي وعدم إيمان بالإعلانات الصحفية ، كوني صحفي سابق وأعلم كيف يتم تدوير الإعلانات والتعيينات والتوظيفات لمثل هذه المهن الحساسة الحرة في المجتمع الفلسطيني أو العربي أو غيره من المجتمعات . قررت أن أبعث طلبا بأوراقي الثبوتية ، فأعددت الأوراق المطلوبة من الشهادة الجامعية والخبرة الصحفية ، وانتظرت الرد بغض النظر ايجابيا أو سلبيا ، وما هي إلا أيام قليلة حتى جاء الرد الايجابي ، لمن يكن لدي هاتف جوال ولا حتى هاتف بيتي لأن الاحتلال الصهيوني كان يمانع في المنطقة التي أقطن بها لهذه الخدمات الاتصالية كون الاحتلال الصهيوني يدير شؤون شركات الاتصالات اليهودية في فلسطين برمتها ومنها منطقتي التي أسكن فيها أبا عن جد .
رن هاتف صهري في مكان عمله بالمكتبة الجامعية في نابلس ، وطلب المهاتف الحديث مع الصحفي كمال علاونه ، كان صوتا مألوفا لدي ، قلت السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، فرد وعليكم السلام هل أنت كمال علاونه ، قلت نعم أنا هو العبد الفقير لله تعالى كمال علاونه . ضحك المتحدث قليلا وقال أنا باسم أبو سمية أتحدث معك وأبلغك أنه تقرر قبولك للمشاركة في الامتحان العملي والنظري في رام الله في مكان كذا وزمان كذا . قلت له كيف الامتحان ؟؟ قال امتحان عادي وتعارف على الصحفيين الذين تم قبولهم لعقد المقابلة وعددهم 55 صحفيا ومهندسا من أصل نحو 2000 طلب تقدموا للمشاركة في هذا المجال . سررت لدعوتي للمشاركة في الاختبارين العملي والنظري فقلت في نفسي لدي الخبرة المهنية الصحفية والشهادة الجامعية المطلوبة والشخصية القيادية واللغة الانجليزية التي سيتم التدريب فيها للمشاركة في النواة الأولى للعاملين في هيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية . وكان العدد المطلوب للتدريب 15 شخصا من صحفيين ومهندسين تم انتقائهم على مرحلتين : المرحلة الأولى انتقاء 55 شخصا ، والمرحلة الثانية انتقاء 15 شخصا فقط .
ثانيا : المقابلات والاختبارات النظرية والعملية لاختيار المناسبين
كانت لجنة المقابلات لاختيار المتدربين من المهندسين والصحفيين الفلسطينيين الجدد المنتظرين لإذاعة صوت فلسطين التي تتخذ من عمارة البكري وسط مدينة رام الله مقرا مؤقتا لها ، في أواسط نيسان 1994 ، مؤلفة من 7 أشخاص منهم ثلاثة شخصيات فلسطينية هي : باسم أبو سمية ، عبد الرحمن نبهان خريشة وعمر الجلاد ، بالإضافة إلى أربع ألمان من مؤسسة بوندشتفت الألمانية . كانت ترتيبي في الأعداد الأخيرة للمقابلات الصحفية للمتدربين الجدد ، كانت ثقتي بنفسي كبيرة ، وقلت في نفسي إذا لم يكن هناك واسطات ومحسوبيات فسأكون ضمن الفوج الأول للصحفيين . أجريت المقابلات لنحو 55 صحفيا ومهندسا الكترونيا باللغتين العربية والانجليزية ، مرت ساعات وساعات ونحن ننتظر ، مللت وفكرت بعدم الدخول في المقابلة لأن ساعة الانتظار صعبة للغاية . وأنا غارق بالتفكير في تلك اللحظات جاء دوري للمقابلة فتعالى الصوت الأستاذ كمال علاونه ، تسارعت خطواتي ، وخفق قلبي ، فأنا لم أتعود الفشل في المقابلات العملية والنظرية على السواء ، ليس خوفا بل همة وشجاعة قرأت بعض آيات القرآن المجيد في نفسي ، ودخلت للمقابلة وألقيت السلام وصافحت جميع أعضاء لجنة المقابلة بشقيها الفلسطيني والأجنبي الألماني ، باللغتين العربية والإنجليزية وردوا السلام وصافحوني وجلست على كرسي المقابلة والجميع ينظر إلي ، كان ذلك من قوة الشخصية وأسس العلاقات العامة الناجحة التي أتقنها فعليا . بدأت الأسئلة باللغة العربية بداية من الصحفي باسم أبو سمية ، تحدث عن نفسك ؟ تحدثت عن نفسي باللغة العربية باختصار عن سيرتي الذاتية والمهنية واعتقالي في سجون الاحتلال الصهيوني ، ثم سال عمر الجلاد : كيف أنت والخطابة والإعلام فأجبته بصورة مطولة إلى حد ما ، وكنت أنظر في عيون المقابلين بالرضى التام ، وهناك أسئلة أخرى ، تم توجيهها لي أجبت عليه بقدرة واقتدار فهي من صلب عملي ودراستي العلمية وخبرتي المهنية عندما كنت أعمل في صحيفة الفجر المقدسية لمدة عامين . وجاءني سؤال آخر : ماذا تعمل الآن ؟ فقلت أعمل مراسلا لصحيفة كل العرب في الناصرة منذ شهرين . وجاء سؤال آخر ، وجه بحذق كبير ، أنت متزوج ولك أسرة كما قلت ( زوجة وثلاثة أبناء ) وفي حال قبولك في دورة التدريب الصحافية الإذاعية لمدة ثلاثة أو ستة شهور من سينفق على الأسرة ؟ قلت لهم هذه مشكلة محلولة ولا غبار عليها والحمد لله رب العالمين لدي بعض المال للإنفاق على الأسرة فالله هو الرزاق ذو القوة المتين ، وزوجتي تعمل في مركز شؤون المرأة والأسرة في نابلس ، اقتنع الجميع ، وهز الجميع رؤوسهم قبولا بما قلت وتحدثت . ثم جاء دور الأسئلة الألمانية باللغة الانجليزية : عرف على نفسك ؟؟ تكلمت عن نفسي باللغة الانجليزية بطلاقة لمدة خمس دقائق ، نظر الجميع لبعضهم البعض ، أن هذا الصحفي ممتاز للتدريب والعمل الإذاعي . ثم انتهى دور الأسئلة النظرية وانتقلنا للأسئلة العملية ، حيث طلب مني إعداد تقرير إذاعي ، خلال فترة لا تتجاوز ربع ساعة ( 15 دقيقة ) أعددت الموضوع بقدرة وسرعة فائقة باللغتين العربية والانجليزية . ثم انتهت المقابلات وقالوا لنا سنتصل بمن يقع عليه الاختيار لاحقا ، وغادرت مدينة رام الله بسيارتي مسرعا ومتجها شمالا لمدينتي نابلس جبال النار ومن ثم لقريتي عزموط . وتوالت الأسئلة علي في البيت من شريكة حياتي عطاف أم هلال : كيف عملت في المقابلة ؟ وما هي انطباعاتك عنها ؟ ومن قابلك ؟ وهل ستلتحق بدورة الصحافة الإذاعية في حال قبولك ؟ وكيف سننفق على الحياة المعيشية ؟ وما إليها من أسئلة ، وفي حقيقة الأمر لم أكن أعتمد في الإنفاق على الأسرة خلال فترة تدريبي إلا على ربي الذي يجعل لكل هم فرجا ولكل ضيق مخرجا ويرزق المرء من حيث لا يحتسب ، وإنما كانت إجاباتي لإقناع اللجنة بتوفر مصدر دخل مالي إضافي للأسرة زيادة في طمأنتهم لا أكثر !! طمأنتهم وطمأنت زوجتي كذلك .
ثالثا : البدء في التدريب في مدينتي رام الله والقدس الشريف ( نيسان – أول تموز 1994 )
بعد يومين جاء الرد على هاتف صهري في نابلس ، أنا باسم أبو سمية أن تعال وشارك في الدورة التدريبية الصحافية الإذاعية في مدينة رام الله . سررت بالنبأ الجديد وسر من كان حولي ، وعلمت أنني قد حصلت على إجماع جميع أعضاء اللجنة الفلسطينيين والألمان في المقابلة المهنية النظرية والعملية ، ولكن المشكلة الجديدة تمثلت في الذهاب والإياب اليومي لمكان التدريب في مدينة رام الله التي تبعد عن نابلس 55 كم ، وبالتالي كان علينا أن نذهب يوميا وقطع مسافة 110 كم لتلقي التدريب الإعلامي على الصحافة الإذاعية باللغة الانجليزية لنذيع لاحقا باللغة العربية .
بدأت عملية التدريب بالتعارف ، وتلقي المعلومات باللغتين الانجليزية والعربية مع تركيز على التدريب باللغة الانجليزية من قبل المدربين الألمان . وبعد أسبوع من التدريب في رام الله انتقلنا لشقة تدريب جديدة في القدس الشريف بالقرب من المسجد الأقصى المبارك حيث كنت أصلي كثيرا صلاة الظهر في المسجد الأقصى المبارك واستمرت عملية التدريب بالقدس حتى 1 تموز 1994 . وأول لقاء إذاعي أجريته مع مدير المسجد الأقصى وهو الآن مفتي القدس والديار الفلسطينية ( فلسطين ) . وتبعد القدس عن نابلس 81 كم بواقع 162 كم ذهابا وإيابا وكنا نتلقى الدورة المهنية الإعلامية يوميا وأعود لبيتي في عزموط وهي مرحلة شاقة علينا . وأثناء فترة التدريب انهالت علينا محطات التلفزة والمطبوعات الأجنبية والعربية لإجراء مقابلات معنا كفوج أول لصوت فلسطين المنتظر ، وكنت أحد المتحدثين الدائمين لها .
رابعا : نقل المعدات والآلات الالكترونية الإذاعية من القدس الشريف إلى أريحا
تسارعت الأحداث في فلسطين بعيد توقيع اتفاقية أوسلو في 13 أيلول عام 1993 ، وتوقيع اتفاقية القاهرة في 4 أيار 1994 ، فعلمنا أن الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ( رئيس دولة فلسطين ) عاد من المنفى إلى غزة في 1 تموز 1994 ، وكان يوم سبت ، وأعلنت حكومة الاحتلال الصهيوني – اليهودي جميع فلسطين منطقة عسكرية وأمنية مغلقة ، وليس من السهل الدخول والخروج من محافظة فلسطينية لأخرى . لقد دخلنا القدس من نابلس بصعوبة بالغة وشديدة ولولا أنني كنت متمكنا من مداخل ومخارج القدس ولدينا التصاريح اللازمة التي استخرجها لنا الألمان من سلطات الاحتلال اليهودي لدخول القدس ولم نكن نلجأ لها بتاتا بل كنت ممن يلف خلف الحواجز ويخترق المناطق المغلقة عن الجبال للوصول إلى المكان الذي أريد وهو شقة التدريب في وادي الجوز بمدينة القدس الشريف . وصلت لمكان التدريب الإذاعي بشق الأنفس ، وكذلك غيري من الإخوة والأخوات المتدربين والإداريين من خارج القدس . طلب منا أن نعد أنفسنا على عجل سريع ، وان نصطحب المعدات والآلات الالكترونية ، وكنت مع المهندس الألماني الذي سيخرجها ، اتجهنا باتجاه الشمال الشرقي لمدينة القدس باتجاه أريحا فوجدنا جميع المداخل موصدة ممنوع الدخول والخروج ، فاضطر المهندس الألماني أن يخرجها بنفسه وهي في سيارته الخصوصية ، فأخرجها بطريقة ما رغم توقيفه من الحواجز العسكرية الصهيونية . لقد أوصلها قبلنا إلى مدينة أريحا ، وهي مدينة القمر ، أقدم مدينة تاريخية فلسطينية ، ثم وصلنا في ساعات متأخرة من العصر ، منهكين خائري القوى بسبب اللف والدوران ونشفت أرياقنا قبل أن نغادر مدينة القدس الفلسطينية المحتلة . كان يوما مشهودا ، متعبا ومنغصا ، ورغم ذلك كان لا بد لنا من مواصلة المسيرة الإذاعية ، وإعداد مبنى الإذاعة على عجل فجميع فلسطين تنتظرنا بفارغ الصبر في تجربة هي الأولى من نوعها .
خامسا : إعداد مبنى إذاعة صوت فلسطين في أريحا
بعد وصولنا لمبنى إذاعة صوت فلسطين الذي تم استئجاره بأكثر من 10 آلاف دولار سنويا ، وهو عبارة عن شقة صغيرة تتألف من طابقين مساحتهما 100 م 2 ، كل واحد منها مساحته 50 م2 ، وهي مساحة صغيرة جدا لا تتسع إلا لغرفة بث واحدة وأستوديو بث إذاعي صغير واحد ، الا أنه جرى تدبر الأمر ونصبت خيمة في ساحة المبنى للإستراحة ، وتدقيق المواد الإعلامية للبرامج .
سادسا : إنطلاقة البث الإذاعي الفلسطيني من أريحا
شارك معظمنا من الصحفيين والمهندسين الذين كنا نتدرب في رام الله والقدس الشريف ، في عملية العزل ، ووضع الصوف الصخري لعزل الكلام وتحاشي انطلاق الصدى من الغرف التي كانت معدة للسكن سلفا ، وبقدرة قادر تحولت لإستوديوهات الإذاعة الفلسطينية في أريحا ( إذاعة صوت فلسطين ) انتهينا مؤقتا بصورة بسيطة من إعداد الأستوديو في 1 تموز 1994 ، ويفترض البدء بالبث التجريبي ، الذي استمر ثلاثة شهور متواصلة . وفي منتصف ليلة 1 و2 تموز 1994 إنطلقت أولى كلمات البث الإذاعي التجريبي الفلسطيني من أرض الوطن الفلسطيني ( هنا صوت فلسطين ) هادرة باسم فلسطين وأهل فلسطين وشعب فلسطين الأصليين الذي يتوقون للحرية والاستقلال الوطني والتخلص من الاحتلال الأجنبي الصهيوني – اليهودي .
المخاض والولادة ل ( صوت فلسطين )
وبالنسبة للمخاض والولادة ، في البداية ، كان هناك طرحان أو رأيان لتسمية إذاعة فلسطين في ارض الوطن ، الرأي الأول اقترح أن تسمى صوت فلسطين وكنت منهم ، والرأي الآخر اقترح أن تسمى الإذاعة الفلسطينية ، ولكن حسم الأمر بالتشاور مع الزملاء وتقرر أن يكون اسم الإذاعة الفلسطينية الجديدة التي تنطلق من ارض الوطن الفلسطيني بشخصية فلسطينية هي صوت فلسطين وقد جرت محاولات للبث من استوديوهات التدريب الإذاعي التي كان يشرف عليها المدربون الإذاعيون الألمان وخاصة مؤسسة بوندشفت في منطقة وادي الجوز في قلب مدينة القدس ، إلا أن الجانب الإسرائيلي رفض ذلك ، وقال : إن الأراضي التي سيتم إعادتها للشعب الفلسطيني في بداية الأمر وفق اتفاق أوسلو ( أ ) هي مناطق غزة وأريحا ، وبما إن أريحا هي المنطقة الأقرب إلى القدس التي ينادي بها الشعب الفلسطيني عاصمة لدولته فانه استقر الأمر أن يكون عمل خلية البث الإذاعي الأولى ل صوت فلسطين في قلب فلسطين من مدينة أريحا ، أقدم مدينة في العالم واخفض بقعة تحت سطح البحر . وقد استأجرت هيئة الإذاعة والتلفزيون مبنى مكون من طابقين كل طابق لا يتجاوز 50 م للانطلاق الإذاعي عبر الأثير في سماء فلسطين والمناطق . وفي 1 تموز 1994 ، وفور نبأ تردد في الأوساط الرسمية والشعبية الفلسطينية عن قرب عودة السيد الرئيس ياسر عرفات رئيس دولة فلسطين إلى أرض الوطن ، قررت هيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية البدء في البث فورا من مبنى الإذاعة في أريحا الذي جرى الترتيب له على عجل ، وقد كلف طاقم المدربين الألمان ( ثلاثة مدربين ) والمتدربين الفلسطينيين المكون من الفوج الإذاعي الأول الذي ضم 15 متدربا وثلاثة إداريين ، بنقل المعدات والأجهزة الفنية الإذاعية من استوديوهات التدريب من القدس إلى أريحا .
وضم الطاقم الإذاعي الأول لإذاعة صوت فلسطين ، مجموعتين : الأولى إدارية وشملت : رضوان أبو عياش رئيس هيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية ، باسم أبو سمية مدير عام الإذاعة ، مصطفى الكرد مسئول دائرة الموسيقى ( انسحب بعد حوالي سنة ) . إما المجموعة الثانية : مجموعة المتدربين الأوائل في استوديوهات القدس ( وادي الجوز ) ، وتألفت من الصحفيين : كمال إبراهيم علاونة من قرية عزموط قضاء نابلس ، احمد رفيق عوض من بلدة يعبد قضاء جنين ، محمد السعدي من مدينة جنين ، شيرين أبو عاقلة من بيت حنينا من القدس ، وفاء البحر من القدس ، رزان أبو زنط من نابلس ولميس عنبتاوي من نابلس ( انسحبت فيما بعد ) ، باسمة عدوين من القدس ( انسحبت فيما بعد ) . ومن الفنيين : هادية مسعود ، ورنا حمامي وكلاهما من نابلس ، جلال حسن علي من قلنديا قرب القدس ، إسماعيل البرغوثي من قرية عابود قضاء رام الله ، وكان تم انتقاء أو اختيار هؤلاء الصحفيين والفنيين من بين حوالي ألفي طلب تقدموا للالتحاق بالدورة التدريبية الإذاعية الأولى ، إذ تم فرز نحو 55 صحفيا وفنيا في خطوة أولى ثم أجريت لهم مقابلات شخصية في مدينة رام الله شارك فيها مجموعة الألمان من مؤسسة بوندشتفت وباسم أبو سمية ( مدير عام الإذاعة فيما بعد ) وعمر الجلاد ونبهان خريشة . يقول باسم أبو سمية ، مدير عام إذاعة صوت فلسطين عن كيفية فرز الفوج الأول للعمل على انطلاقة البث الإذاعي لأول مرة من قلب الوطن الفلسطيني : قمنا بمسح شامل للكفاءات ذات العلاقة بمجال الإذاعة ، وهذا الجرد شمل الإعلاميين والفنيين في الداخل والخارج والتي أبدت استعدادها للمساهمة في بناء وتكوين نواة الإذاعة … ومن ثم تم الإعداد لدورات تدريبية وتأهيلية في الخارج ، اخترنا المشاركين في هذه الدورات ( دورتين ) من بين ألفي طلب قدمت لهيئة الإذاعة والتلفزيون من قبل متخصصين في المجال ،معظمهم من الفنيين ومن خلال هذه المجموعات المتدربة استطعنا أن نبدأ بالخطوة الأولى للإذاعة . ثم انضم إلى الكادر الإذاعي من الصحفيين : عبد الطيف سليمان ، وفضل سليمان ، وإبراهيم ملحم ، يوسف المحمود وجمال ميعاري ، ومن المدققين اللغويين : نصير فالح وعبد السلام العابد . ثم توالى انضمام الصحفيين الفلسطينيين العائدين من الخارج منهم : يوسف القزاز ، فتحي البرقاوي زعل أبو رقطي وعارف سليم وغيرهم .
ولا بد من الإشارة إلى أن الطاقم الإذاعي الأول الذي تولى عملية نقل المعدات والأجهزة الإذاعية إلى أريحا استمر منذ ساعات الصباح الباكر وحتى ساعات ما بعد العصر من يوم 1 تموز 1994 وهو يبحث عن مخرج من مدينة القدس جراء فرض سلطات الاحتلال الإسرائيلي طوقا عسكريا محكما على المدينة المقدسة ومنع المواطنين من الدخول والخروج لخارج القدس الشريف حيث نصبت الحواجز العسكرية اليهودية الثابتة والطيارة المتنقلة بشكل كثيف جدا ، فيما بدا للحيلولة دون اندلاع المظاهرات والمسيرات المؤيدة لعودة القادة الفلسطينيين وفي مقدمتهم الرئيس ياسر عرفات إلى الوطن الفلسطيني ، وطن الآباء والأجداد ، ولولا جهود الطاقم الألماني وتدخله لاستمرت عملية الدوران في الحلقة المفرغة أكثر من ذلك ، رغم انه كان بحوزتهم تصاريح تنقل سارية المفعول بترتيب من السفارة الألمانية .
. وفي عصر 1 تموز وصلت المعدات والأجهزة الإذاعية إلى مدينة أريحا بعد جهد جهيد ، وكانت أجهزة الأمن الفلسطينية في حراسة مبنى الإذاعة المنتظر ، وجرى تركيبها بمشاركة الصحفيين والفنيين والإداريين الفلسطينيين وطاقم التدريب الألماني ، فكانت هذه العملية سباقا مع الزمن من اجل انطلاقة البث الإذاعي الفلسطيني من فوق ثرى الوطن لأول مرة التاريخ الإذاعي الفلسطيني ، فالبعض عمل على تركيب الأجهزة والمعدات الالكترونية والبعض الآخر ساهم في تركيب الطاولات أو في تركيب الصوف الصخري على الجدران الداخلية للاستوديوهات أو في تمديد فرش الإذاعة الأرضي وغيرها فكان انهماكا متواصلا استمر بضعة ساعات حتى ساعات ما بعد منتصف الليل ، وكانت الفرحة والبهجة تغمر الجميع أثناء الانهماك في العمل وما بعده .
وعن ربط المعدات والأجهزة الإذاعية في مبنى الإذاعة في أريحا في 1 تموز 1994 ، يقول رضوان أبو عياش رئيس هيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية سابقا : عندما واجهنا التحدي ، كان علينا أن ننطلق من أقدم مدينة في التاريخ ، وان ننطلق من تحت سطح البحر ، وكان علينا أن ننطلق في ظروف لا يمكن أن يصدقها أحد فيما بعد ، هذه التحديات هي المحرك الوحيد التي كانت سببا في الانطلاقة القوية لهذا الصوت ، إنا نذكر عندما منعنا عمال شركة بيزك الإسرائيلية من المهندسين ( لان شبكة الاتصالات والهواتف بأيديهم ) منعناهم من الخروج من أريحا قبل ربط الأستوديو بالمرسلات الهوائية قبل الساعة الواحدة إلا ربعا من صبيحة وصول القيادة الفلسطينية وعلى رأسها ( أبو عمار ) وجماهير شعبنا الفلسطيني في الشتات ، تأكدنا انه تم الربط ، وكانت خمس دقائق على إغلاق المرسلات في رام الله ، وفي الغرفة المعزولة بدائيا والتي لا يوجد بها اثر للهواء بسبب عدم وجود مكيف ، وفي مدينة أريحا في عز الصيف وفي الثاني من تموز 1994 ، مجموعة من المهندسين في غرفة أطلق عليها غرفة التحكم ، وخلف الزجاج العريضة التي بنيت بسرعة تفوق سرعة الصوت ، انطلق صوت فلسطين وكانت آذاننا على المذياع إلى أن وصلت الإشارة ، وعندما انطلق انهمرت من عيون جميع المهندسين والعاملين بالدموع ، لا يمكن أن تصدق كم كانت لذة الانتصار ومذاقها ، لأنه عندها فقط أكدنا أيضا أن لا مستحيل إن كانت هناك إرادة وان كانت هذه الإرادة مغلفة بالإيمان ، الزملاء المغروسون في رمال غزة وأريحا هم المشاعل التي سنبني بها مؤسسة الهيئة الفلسطينية . وبعد تركيب الأجهزة آليا واتوماتيكيا ، وفي منتصف الليل وحوالي الواحدة ليلا جرى تجريب البث الإذاعي للشروع به في اليوم التالي معلنا عن ولادة إذاعة فلسطين من مدينة أريحا التي أعيدت للسيادة الوطنية الفلسطينية قبل فترة وجيزة .
هنا صوت فلسطين
وفي 2 تموز 1994 ، انطلق البث الإذاعي الفلسطيني الوطني التجريبي من قلب الوطن على الموجة المتوسطة وطولها 427 مترا بتردد قدره 702 كيلو هيرتز ، صادحا هنا صوت فلسطين ، هنا صوت الشعب الفلسطيني ، صوت الحق والحرية ، صوت الشعب المكافح من اجل الحرية والاستقلال الوطني ، وما إلى ذلك من العبارات والمصطلحات التي تؤكد على الهوية والشخصية الوطنية الفلسطينية . حيث استهل المذيع بهذه العبارات عملية افتتاح البث الإذاعي الفلسطيني بعد عزف النشيد الوطني الفلسطيني ، بلادي … بلادي . وكانت فترة البث التجريبي الأولى قسمت على نوبتين أو فترتين مدتهما خمسة ساعات ونصف : الفترة الصباحية ، وتبدأ من الساعة السابعة صباحا وحتى العاشرة والنصف عند الضحى ، والفترة الثانية المسائية من الساعة الثالثة عصرا وحتى الخامسة مساء . وقد تبين أن هذه الموجة المتوسطة 427 مترا بتردد مقداره 702 كيلو هيرتز كانت تبث عليها إذاعة القدس التابعة للجبهة الشعبية – القيادة العامة بزعامة احمد جبريل الموالية لدمشق ، التي تبث برامجها من سوريا ، مما شوش البث الإذاعي في كثير من الأحيان على المحطتين ، وتظهر هنا السياسة الإسرائيلية التي تحاول التملص من اتفاقياتها المبرمة مع منظمة التحرير الفلسطينية . واستمر البث التجريبي الإذاعي من محطة الإذاعة في أريحا على تلك الموجة المشوشة حتى 12 / 7 / 1994 ، أي لمدة عشرة أيام ، ثم جرى التفاوض مع الجانب الإسرائيلي والاتفاق معه على أن تخصص الموجة المتوسطة وطولها 440 مترا بذبذبة قدرها 675 كيلو هيرتز ل صوت فلسطين وسجلت تحت اسم هيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية ، وهي الموجة التي بقي البث يتم من خلالها حتى تدمير مبنى الإذاعة والتلفزيون الفلسطيني وإرساليات البث في نهاية 2001 وانتقل البث منذ ذلك الحين حتى الآن للبث على الموجة الطويلة .
وتم العمل على زيادة ساعات البث التجريبي بشكل متسلسل ومتصاعد إلى أن تم الإعلان عن البث الإذاعي الرسمي في 1 تشرين الأول عام 1994 ، أي أن البث التجريبي استمر مدة ثلاثة أشهر ، اكتسبت خلالها الكوادر الإذاعية الجديدة مهارات وخبرات عن طريق التدريب المتواصل وعن طريق التجربة والخطأ ، في شتى الميادين الإذاعية الإخبارية والبرنامجية والموسيقية وغيرها . وفي الذكرى السادسة لإعلان وثيقة الاستقلال الفلسطيني ( 15 تشرين الثاني عام 1994 ) تم تمديد فترة البث الإذاعي من إذاعة صوت فلسطين لتصبح من الساعة السادسة والنصف صباحا وحتى الثالثة عصرا ومن الساعة الخامسة مساء حتى العاشرة ليلا ، أي لمدة عشر ساعات ونصف يوميا ، وفي أواخر شهر كانون الثاني عام 1995 ، أي بعد شهرين ونصف مدد البث الإذاعي ليكون من الساعة السادسة والنصف صباحا وحتى الثانية عشرة منتصف الليل .ثم مدة أخرى فيما بعد في 1 حزيران 1996 ليبدأ من الساعة السادسة صباحا ولغاية الواحدة بعد منتصف الليل ، ولا زال البث مستمرا لغاية كتابة هذه السطور كذلك أي لمدة ( 19 ساعة ) من ساعات اليوم الأربع والعشرين ، ثم جرى التخطيط والتنفيذ لاستمرار البث الإذاعي الفلسطيني طيلة ساعات اليوم والليلة .
على أي حال ، إن البث الإذاعي الأول من صوت فلسطين تم بوساطة قدرات ومهارات وكوادر فلسطينية 100 % ، وبظروف قاسية جدا ، فكان العمل الإذاعي اليومي شاق للمذيعين ومعدي ومقدمي البرامج والفنيين واصلوا خلاله العمل الليل بالنهار رغم ظروف الجو الشديدة الحرارة وخاصة في مدينة كأريحا معروف عن شدة حرها في فصل الصيف من كل عام وفي ظل عدم توفر المكيفات لتبريد حرارة الشمس الملتهبة ، وحتى عدم توفر المقاعد المناسبة من الكراسي أو الطاولات للجلوس عليها في صالة التحرير أو البرامج لعدة أيام ، ونستطيع القول إن هيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية بدأت من الصفر من الناحية العملية ، وبالرغم من ذلك كان التحدي والإرادة والتصميم هما الملازمان لكافة العاملين لمواصلة مسيرة البناء الوطني الإذاعي ، فمع أن حرارة الشمس كانت تسيل العرق من على أجسام العاملين إلا أن طعم الحرية وانبلاج شمس الحرية كان له مذاق خاص ونكهة فريدة من نوعها زادت من قبول تحدي البناء الصعب . وبما أن العاملين من إذاعيين وإداريين وفنيين كانوا من خارج مدينة أريحا فان الغالبية العظمى منهم كانت تضطر إلى المبيت في مبنى الإذاعة أو حتى في استوديوهات الإذاعة أو فوق السطح ، وفيما بعد تم ترتيب المنامة للعاملين في فندق قصر هشام القريب من الإذاعة في أريحا . وإما بالنسبة إلى أوضاع العاملين في الإذاعة فلم يكونوا يتقاضون أي راتب شهري وإنما كان يتم دفع سلف مالية شهرية ، وهي زهيدة لا تكاد تكفي بدل التنقلات أو المواصلات ذهابا وإيابا إلى مبنى الإذاعة ، وتراوحت قيمة السلف ما بين ( 50 – 120 دينارا أردنيا ( دفع ما يعادلها بالشيكل الإسرائيلي ) عن أشهر تموز ، آب وأيلول عام 1994 ، أي طيلة مدة البث التجريبي . وفيما يتعلق باستوديوهات البث الإذاعي ل صوت فلسطين فقد انشأ أول أستوديو للبث الإذاعي في الطابق الثاني من مبنى الإذاعة في أريحا ، وكان يتم البث المباشر منه وكذلك تسجيل اللقاءات الإخبارية والبرنامجية المتنوعة ، الهاتفية والمسجلة ميدانيا عبر الأجهزة الالكترونية المخصصة التي تبرع بها الألمان ضمن المعدات الإذاعية ( أربع مسجلات ومكبرات وميكروفونات مرفقة بها ) ، ثم تبرع الألمان بأستوديو إذاعي ثاني للتدريب ، وكان يتم أحيانا البث المباشر منه في حالات الصيانة أو ارتفاع درجة حرارة الأستوديو الأول جراء عدم توفر أجهزة التكييف في أشهر البث الأولى ، ولاحقا لذلك تم إنشاء أستوديو إذاعي في مدينة غزة وتم الربط بين أستوديو أريحا وأستوديو غزة عبر دائرتي ( تي – هايبرد ) بوساطة خط هاتفي لبث بعض نشرات الأخبار الموجزة أو المفصلة .
المبنى الجديد لهيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية
وقعت هيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية عام 1995 م على عقد إيجار واستئجار لمبنى جديد في أم الشرايط في مدينة رام الله مؤلف من خمسة طوابق يضم عشرة شقق بمساحة إجمالية تقدر ب 750 مترا مربعا . وفي 3نيسان 1996 بث صوت فلسطين خدماته الإخبارية والبرنامجية من الاستوديوهات المركزية من أم الشرايط في رام الله ، وانتقل قسم كبير من الطواقم الفنية والإدارية من أريحا مشتى فلسطين الدافئ إلى مدينة رام الله مصيف فلسطين الجميل والرحب ، وبعد الانتقال أصبحت الإشارة الإذاعية تنقل من أريحا إلى محطة الإرسال بوساطة الميكروويف إلى رام الله وكانت هذه الإشارة تنقل سابقا من أريحا إلى الإرسال في رام الله بوساطة خطوط ( فايبر – اوبتك ) وقد استمر البث الإذاعي من محطة أريحا يتواصل مع المستمعين منذ 2تموز ولغاية 3 نيسان 1996 أي 21شهرا وان كان يتم التناوب بين استوديوهات أريحا ورام الله عند الضرورة .
مميزات الإذاعة
الإذاعة هي من أسهل وسائل الاتصال الجماهيري الأخرى وصولا إلى المستمع أينما كان وحيثما وجد ، في الشارع ، في البيت ، في السيارة ، في موقع العمل ، فالمستمع يستطيع أن يدير قرص المذياع إلى أية محطة يريد وفي أي وقت يشاء ، ولا يكلفه ذلك الكثير من الجهد أو المال ، فالسائق يستطيع الاستماع للإذاعة أثناء سياقته وكذلك ربة البيت والعامل في مصنعه والموظف في مكتبة والجندي في سريته إلى غير ذلك من أصحاب المهن والحرف . والإذاعة المسموعة ( الراديو ) وسيلة من وسائل الثقافة العامة غير المكلفة ماليا ، فانك تستطيع أن تحمل جهاز مذياع صغير أو ما يعرف بالترانزستور وتنقله إلى أي جهة تريد الذهاب إليها ، وبوساطة هذا الجهاز الالكتروني الصغير الذي لا يتجاوز وزنه نصف كيلو غرام تستطيع التقاط عشرات المحطات الإذاعية المختلفة المشارب والسياسات والأهواء من شتى دول العالم ، عبر الموجات المتوسطة أو القصيرة أو حتى الطويلة . وأجهزة الاستقبال الإذاعي ارخص واقل ثمنا من أجهزة الاستقبال التلفزيوني . والإذاعة لها تأثير مباشر وفوري على ذهن المستمع من خلال البرامج الإذاعية المتنوعة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفنية وغيرها ، وتتبع الإذاعة الديمقراطية والتعددية السياسية من خلال تبني فكرة إذاعة الرأي والرأي الآخر ، وهذا ما يلاحظ عبر البرامج اليومية المختلفة في ساعات الصباح والمساء والليل ، والرقابة الإذاعية شبه معدومة في إذاعة صوت فلسطين ، اللهم إلا لتحسين الأداء المهني وتطويره نحو الأفضل ، إذ أن الرقابة تحد من الإبداع المهني .

ملاحظة : يتبع : تجربتي بإذاعة صوت فلسطين .. ( 2 – 4 ) .

تجربتي بإذاعة صوت فلسطين
( 2 – 4 )
د. كمال علاونه
أستاذ العلوم السياسية
فلسطين العربية المسلمة

يقول الله العزيز الحكيم جل جلاله : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71) إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (73)}( القرآن المجيد ، الأحزاب ) . وجاء بصحيح مسلم – (ج 1 / ص 167) كان رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ ) .

برامجي الإذاعية في صوت فلسطين

بدأت العمل رسميا في صوت فلسطين في الفوج الأول المؤسس في 1 تموز 1994 ، وأول فعالية كانت لي أن زار الرئيس الفلسطيني ( الراحل ) ياسر عرفات مدينة أريحا الصغيرة في 2 تموز 1994 ، كانت هناك أقاويل بأن الرئيس أبو عمار سيأتي إلى أريحا لتتويج اتفاقية أوسلو التي قضت بإعادة انتشار قوات الاحتلال اليهودي من أريحا إلى خارجها ، فقد قدمت من مدينتي نابلس إلى أريحا بتعب ومرار شديدين كون قوات الاحتلال الصهيوني فرضت طوقا عسكريا شديدا مشددا على الأراضي الفلسطينية وخاصة مدينة أريحا لحشر أهل فلسطين ومنعهم من استقبال القيادة الفلسطينية العائدة من المنفى ، وبالفعل فقد فكرت القيادة الفلسطينية بإلغاء الزيارة بسبب الحواجز الصهيونية الكثيفة على محافظة أريحا وفي آخر لحظة قرر الرئيس عرفات رحمه الله أن يزور أريحا حتى لو حضر أهل المدينة فقط فالزيارة رمزية وطنية وشعبية وانتقال من مرحلة الاحتلال إلى مرحلة التحرير الجزئي لبقعة من أرض الوطن الفلسطيني . أعلمتني إدارة الإذاعة بأن أستعد للتغطية الصحفية الكبيرة لزيارة القائد الفلسطيني الأول ، كوني كانت لي تجربة صحفية مهنية سابقة وفيرة زاخرة في مثل هذه المواقف الحرجة ، جهزت نفسي بعدما كنت مرهقا ومتعبا من اللف والدوران حول الحواجز اليهودية واختراقها ودخول أريحا ، وطلبوا من زميلة لي بأن تعد نفسها هي الأخرى أيضا ، جهزنا أنفسنا وذهبنا لمكان استراحة أريحا وكان الحضور مركزا وليس كثيرا فقد حضر نحو 15 ألف فلسطيني فقط معظمهم من أعضاء ومناصري حركة فتح التي يترأسها عرفات الذين تجشموا مشاق السفر وتحدوا الحواجز أو أولئك الذي توافدوا على المدينة بعد صلاة الفجر لاستقبال الزعيم الفلسطيني العائد من المنفى . استطعت أن أدخل لمكان قريب من وجود الرئيس عرفات بالقرب من المنصة بسبب معارفي من أجهزة الأمن الفلسطيني وجلهم من أبناء فلسطين الداخل الذين أعرف معظمهم عبر دراستي الجامعية أو فترة اعتقالي أو عملي السياسي والتنظيمي السابق ، فقد حضر مع الرئيس الفلسطيني المبعد العائد مروان البرغوثي ، وأمين مقبول وغيرهم من الأسرى المبعدين للمنفى وعادوا قبل عودة الرئيس عرفات ، حيث كانوا زملاء لي في سجون الاحتلال الصهيوني بين عامي 1985 و1986 ، وغيرهم الكثير الكثير ، كان لدي مسجل إذاعي كبير لتسجيل خطاب الرئيس الفلسطيني لأول مرة في ارض الوطن ، من أرض فلسطينية ، وبسبب الزحام فقد ضاعت الحقيبة الإذاعية التي كانت تحملها زميلتي ، وعدنا بدون حقيبة ، وما لبثت أجهزة الأمن أن أحضرتها لمبنى الإذاعة فعليها شعار هيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية . لقد غطينا زيارة الرئيس ، وفي السياق ذاته ، كان هناك بث مباشر لخطاب الرئيس عرفات ولو بشكل بدائي كوننا لم نكن نمتلك أجهزة متطورة تبث عن بعد ، وما لدينا كانت أستوديو إذاعي تبرعت به مؤسسة بوندتشفت الألمانية ولا يفي بالغرض المطلوب .
على أي حال ، كانت هذه هي التجربة الأولى لي في العمل الإذاعي ، ثم ما لبثت إدارة الإذاعة أن جلست معنا ، صحفيين ومهندسين ، وتم الاتفاق على تنظيم الوضع الإداري المهني الداخلي وتوزيع الأدوار فيما بيننا ، وكان من تلك القرارات التحريرية اختيار مشرف فترة إذاعية على الأخبار المحلية والعربية والدولية ، فترة صباحية وفترة مسائية ، فاخترت العمل بداية في الأخبار المحلية ، وبدأت الاتصال بمعارفي السابقين ، من نقابيين وصحفيين ورؤساء بلديات وطنيين وغيرهم ، فحصلت على باقة كبيرة من الأخبار وصغتها ، معظمها أذيع كما هو والبعض الآخر جرى تطويره وتمت إذاعتها مرارا وتكرارا كل ساعة . لقد كان العمل الإذاعي المهني شاقا وممتعا في الآن ذاته ، فمهنة صاحبة الجلالة مهنة مؤثرة وفعالة لكنها بحاجة لبذل الجهد وتصبب العرق في عز الصيف في الأغوار الفلسطينية التي تعد أريحا عاصمتها بحق وحقيق .
ثم ما لبثت أن تطورت المهنة الإذاعية الفلسطينية في صوت فلسطين ، وطلبت أن أعد تقارير إخبارية وبرامج سياسية واجتماعية وثقافية وإسلامية موجهة ، فجرت الموافقة لي على عجل ، فأعددت العديد من التقارير الإخبارية عن شهداء وجرحى والأوضاع الفلسطينية العامة . ثم عقد اجتماع آخر للمحررين بعد انضمام صحافيين جدد لنا في مبنى الإذاعة في أريحا ، بعضهم كان لديه الخبرة المهنية والبعض الآخر طلبت منا إدارة الإذاعة تدريبهم على العمل الإذاعي ، وقد طلب مني أن أعد ملفات إخبارية موسعة عن فلسطين بخصوص الأسرى واللاجئين والقدس والجامعات والمحليات الفلسطينية من بلديات ومؤسسات ، بالإضافة إلى الملفات العربية كملف العراق وليبيا حيث كان الوضع ساخنا على تلك الجبهتين العربيتين من إمبراطورية الشر الأمريكية . وكان بعض الصحافيين العائدين من المنفى ممن كانوا يعملون في الإعلام الفلسطيني يريدونني كغيري من الصحفيين المتدربين الجدد ، أن أعد ملفات مهنية سياسية إخبارية وأسئلة يطرحونها على السياسيين والمحللين السياسيين والمختصين ، ويذيعونها بأصواتهم وأبقى أنا معدا فقط ، من هؤلاء الصحافيين القدامى يوسف القزاز وزعل أبو رقطي وفتحي البرقاوي ، وحجتهم أننا صغار في السن وينبغي أن نعد وهم يذيعون ، قبلت الأمر على مضض لمدة أسبوع احتراما لعودتهم من المنفى ، ثم طلبوا مني ذلك مرارا وتكرارا فرفضت الأمر جملة وتفصيلا وقلت لهم ، كل واحد يعد لنفسه ، ولكل واحد منا لسان رزقه الله ليتحدث به لشعبه ، وأنا مبني للمعلوم ولست مبني للمجهول وكنت اردد عبارة ( في هذا الزمن العجيب يطيب للإنسان ما لا يطيب ) وهي عبارة مألوفة رددها كل معارفي وأصحابي في الإذاعة كلما يريدون التحدث معي بفكاهة ومزاح ، اغتاظ بعضهم وسلم البعض الآخر للأمر الواقع ، وذهبت لمدير الإذاعة السيد باسم أبو سمية وقلت له إن الأمر كذا وكذا كما حصل معي بالضبط ، فاستشاط غضبا وقال لي أعد تقارير إخبارية وأذعها بصوتك ، فلك الحق بذلك ، وقال لي أعد اقتراحات لبرامج إبداعية إذاعية جديدة ، في اليوم ذاته قدمت ثلاثة اقتراحات لبرامج فلسطينية موجهة ، أولاها برنامج ( حديث الروح ) وهو برنامج إسلامي ، وثانيها برنامج ( في رحاب الجامعة ) يتعلق بالجامعات والتعليم العالي في فلسطين ، وثالثها برنامج ( شؤون عمالية ) يتعلق بالعمل في فلسطين في القطاعين العام والخاص ، وأعددت مادة برامجية وأجريت لقاءات مع مسئولين فلسطينيين كبار ، من رؤساء جامعات ووزراء وأعضاء لجنة تنفيذية في منظمة التحرير الفلسطينية من ذوي العلاقة ، وشكلت لجنة فيما بعد لدراسة هذه البرامج ، ضمت في عضويتها بعض الصحفيين العائدين واستمع لهذه البرامج ممن كان لا يريدني أن أذيع بصوتي ، قالوا إن كمال علاونه يلزمنا في النشرات الإخبارية لإعداد أخبار فلسطينية وعربية وعالمية ، فلديه الخبرة العملية في ذلك ؟؟ وهذا يؤثر على عمله ، والبعض الآخر وافق على مضض ، ولكن في نهاية المطاف تمت الموافقة على البرامج الثلاثة التي أعددتها ، فكان يوما مشهودا بالنسبة لي فأول صحفي يحصل على الموافقة لإعداد وتقديم ثلاثة برامج أسبوعية دفعة ومرة واحدة هو أنا . سررت بذلك ، ثم تقدمت لاحقا لبرنامج رابع من أعدادي وتقديمي ، وهذا الأمر أستدعى ببعض الصحفيين المعارضين لي بأن أرادوا زج زملاء صحفيين جدد معي في هذه البرامج ، من خريجي الإعلام من الجامعات السوفياتية ، وهم ليسوا متدينين مثلي ، لتدريبهم على العمل الإذاعي وإجراء اللقاءات الميدانية والهاتفية ، فوافقت على مشاركة زميل واحد فقط في برنامج واحد وهو برنامج ( شؤون بلدية وقروية ) وهذا الأمر كان يسرني في بدايته لتدريب زملاء آخرين ، ولكن المشكلة تمثلت في رغبة هذا الأخ بالاعتماد الكلي علي ، في الإعداد الكلي ، من تجهيز وكتابة المادة الإذاعية وإجراء اللقاءات الهاتفية مع المسئولين المعنيين ، وتشكيلها وتنقيحها لغويا ثم استدعيه للقراءة معي فقط ، مما أزعجني وقلت له يجب أن تشارك كما أشارك أنا ، وكررت عليه ذلك مرارا وتكرارا ، فلم يستجب لذلك ، فعمدت إلى تسجيل حلقة إذاعية في برنامج شؤون بلدية وقروية وحدي دون حضوره ومشاركته ، فشكاني لمدير الإذاعة ، وهذا ما كنت أريده أنا ، فأنا لا أريد أن أشكو أحدا لأحد ، وإنما تقصيره هداه لتقديم شكوى ضدي لإدارة الإذاعة ، فطلبت جلسة من مدير عام الإذاعة ومدير البرامج والمدير الإداري وزميلي الآخر وأنا ، وجلسنا سوية في جلسة مغلقة ، وقلت له أبدا في الحديث فلم يعرف ما يقول سوى أن كمال حرمني ومنعني من المشاركة في برنامج الحكم المحلي ( شؤون بلدية وقروية ) ، تحدثت بعده وأوضحت الأمر من بدايته لنهايته ، وقلت لهم لقد دربته كثيرا وساعدته كثيرا ولكنه يبقى اتكاليا وأنا لا أحبذ العمل مع مثل هؤلاء الاتكاليين ، ضحك الجميع ، وغضب زميلي الذي أصبح لاحقا زميلا يثق بي ويحترمني كثيرا ، فأنا كنت أعمل لصالحه ، وهو يريد الاتكال علي في كل شيء وهذا لا يجوز . وفي نهاية الجلسة المغلقة في الطابق الأرضي للإذاعة ، قلت له ولهم أني أسامحه دنيا وآخرة في هذا البرنامج ، وسأساعده وليعده ويقدمه هو وحده فهز الجميع رؤوسهم رضا بما صنعت ، وبقي يعد البرنامج لحلقتين أخريين ، ثم تنحى جانبا وطلب مني أن أعده وأقدمه وحدي ، وهذا ما كان ، فأصبح لدي أربع برامج أسبوعية عدا عن مشاركاتي في الإخبار إعدادا وقراءة في النشرات العادية والمطولة بصوتي . وفي دورة برامجية أخرى ، تقدمت لبرنامج يومي عن الشؤون العامة الفلسطينية وخاصة قضايا العمل ، في القطاعين العام والخاص ، وعنوانه ( محطات عمالية ) فتمت الموافقة عليه بسرعة أيضا ، وكأن باحثون يحضرون ويجرون بحثا على هذا البرنامج اليومي الذي أعده وأقدمه صباحا لمدة تتراوح ما بين 7 – 10 دقائق .
ثم ما لبث أن جاء أخ وزميل آخر من المتدينين ، فأشار علي بعض الزملاء أن هذا الصحفي متدينا مثلك فماذا عساك أن تقدم له ؟؟ فقلت لهم إنني أتخلي راضيا مرضيا عن أحد برامجي المحبب لدي وهو ( حديث الروح ) ، فاستغرب البعض ، وقلت لهم إنني أريد أن أكثر من الصحفيين المتدينين ، وهو متدين ، أصبح زميلا جديدا لي أحبه ويحبني ، واستمر في تقديم هذا البرنامج حتى آذار 1996 ، فقد ذهبت لأداء مناسك العمرة في الديار الحجازية ورغبت في زيارة مكة المكرمة والمدينة المنورة والصلاة في المسجد الحرام والمسجد النبوي في شهر رمضان المبارك ، في العشر الأواخر من رمضان الفضيل حيث جاء في صحيح البخاري – (ج 6 / ص 410) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : لَمَّا رَجَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَجَّتِهِ قَالَ لِأُمِّ سِنَانٍ الْأَنْصَارِيَّةِ مَا مَنَعَكِ مِنْ الْحَجِّ ؟ قَالَتْ : أَبُو فُلَانٍ تَعْنِي زَوْجَهَا كَانَ لَهُ نَاضِحَانِ حَجَّ عَلَى أَحَدِهِمَا وَالْآخَرُ يَسْقِي أَرْضًا لَنَا ، قَالَ : ( فَإِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً أَوْ حَجَّةً مَعِي ) . ، وأوصيته يا أخ عبد الرحيم أن لا يترك الإذاعة بتاتا مهما كلف الأمر ، وأستدعت الأمور ، فقد خبرت الوضع الداخلي ورؤيتي الداخلية لا تخيب دائما ، ، فذهبت لأداء مناسك العمرة ، وكنت أعددت كل الحلقات اليومية للبرنامج اليومي ( محطات عمالية ) لفترة أسبوعين ، وثلاث حلقات مسبقة لكل برنامج من البرامج الأخرى التي أعدها وأقدمها وهي ( في رحاب الجامعة ) و( شؤون بلدية وقروية ) و( شؤون عمالية ) . وكانت تلك الرحلة الإسلامية الدينية لي أول خروج لي من فلسطين منذ 14 عاما حيث كانت سلطات الاحتلال الصهيوني منعتني وجميع أفراد عائلتي كالوالدين والإخوة والأخوات من الخروج لخارج فلسطين بحجج أمنية واهية ، بسب اعتقالي السياسي عدة مرات بتهمة مقاومة الاحتلال ( والتحريض على الإرهاب ) . وبعدما رجعت من العمرة لم أجد أخي وصديقي وزميلي عبد الرحيم جابر وهو من بلدة يعبد قرب جنين ، الذي تخليت له عن برنامج ( حديث الروح ) ، فسالت عنه ، فقالوا لي لقد قدم استقالته غاضبا وترك الإذاعة بعدما سافرت بأيام قليلة ، وكتب كلمتين فقط ( أقدم استقالتي ) بالإضافة للتقديم لمدير الإذاعة وتوقيعه . حزنت كثيرا وتضايقت لخروجه من الإذاعة ، وعرفت السبب فهو متدين ، ولكنه ليس مثلي يحاول التغيير المرة تلو الأخرى ، لقد شاهد أحد الصحافيين الكبار من العائدين من المنفى وهو يشرب ويأكل في مبنى الإذاعة جهارا نهارا على الدرج في شهر رمضان أحد أركان الإسلام الخمسة ، فآلمه ذلك ، واحتج على ذلك بطريقة مستعجلة بتقديم استقالته ، وهو معه حق ولكن ليس هكذا تسير الأمور ، فالتغيير واجب من الداخل ، والرؤية الداخلية ليست كما هي من الخارج ؟؟ اتصلت به وقلت له ما بك يا أخي ؟؟ فقال لقد حدث منكر وتركت الإذاعة ، فقلت له ما هكذا تحل الأمور والمشاكل ، تعال وأفرض نفسك ، بطريقة أخرى ؟ وحاولت إرجاعه للعمل في الإذاعة فرفض رفضا مطلقا ، استغربت منه ذلك ، وقلت له تعال ولا تتركني في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحدي ؟؟ رفض أيضا وقال لي الله يعينك ، ابق أنت ، أصلح الناس ولن أنضم إليك !! تضايقت كثيرا ، فقد خسرت زميل أحبه من المتدينين المسلمين الأفاضل ، وسيخلو موقع معد ومقدم برامج إسلامية ، فأضطررت لاحقا أن أسد محله ، وأن ارجع لتقديم البرنامج الأسبوعي الإسلامي ( آفاق إيمانية ) . وما لبث لاحقا أن عاد إلينا ضمن دائرة التوجيه السياسي والوطني والمعنوي عندما انتقلنا إلى رام الله ، ليعد برنامجا إسلاميا أسبوعيا ، ثم تركه وتوليت إعداد وتقديم ذلك البرنامج الإسلامي من جديد وبقي معي حتى نهاية عملي في إذاعة ( صوت فلسطين ) وهو برنامج آفاق إيمانية .

مواقف أحرجتني في إذاعة ( صوت فلسطين )
كل إنسان يتعرض للمدح والذم والإحراج أحيانا من حيث لم ولا يحتسب ولا يدري . وقد تعرضت أثناء عملي الإذاعي في صوت فلسطين الذي بدأ البث من مدينة أريحا لمدة عامين ، 1994 – 1996 ، ثم انتقل البث لمدينة رام الله فيما بعد ، وبقي أستوديو الإذاعة الأول الاحتياطي في المبني الذي نشأت وترعرعت فيه إذاعة صوت فلسطين ( غرب استراحة أريحا ) . الى العديد من الإحراجات السياسية والاجتماعية العامة والشخصية . أذكر منها أهمها على النحو الآتي :
الإحراج الأول ( 1994 )
التطرق لأمور غير طبيعية
كانت المرة الأولى التي تعرضت فيها للإحراج ، عندما كنا 15 صحافيا ومهندسا إذاعيا ، نتدرب في وادي الجوز في مدينة القدس الشريف ، في ربيع 1994 كنا نعد مواد إذاعية للتدريب عليها ، وهي مواد تصلح للبث على الهواء مباشرة . كان علينا أن نتشارك كل اثنين أو ثلاثة مع بعضهم البعض في إعداد المواد الإذاعية ، تشاركت مع إحدى الأخوات التي طلبت مني ذلك ، وتشاركت مجموعات أخرى مع آخرين ، أعددت مادة إعلامية للتدريب على البث المباشر والمسجل ، وقدمت أنا وزميلتي التي أحترمها كثيرا ، ما طلب منا التدريب عليه ، وكانت مادة منوعة سياسية وإسلامية وثقافية واجتماعية واقتصادية كنشرة أخبار عامة وحوارات ولقاءت مع شخصيات معينة حسب طبيعة الخبر أو الموضوع . ثم جاء دور المجموعات الأخرى ، فما كان من إحدى المجموعات الإذاعية ، إلا أن قدمت جزءا من مادتها ، وتقول في بعض بنودها ، إهداء إلى الزميل كمال علاونه وزوجته فلانة ، ولم تذكر اسم زوجتي الحقيقية عطاف بل ذكرت اسم زميلتي المقدسية التي تشاركني في مجموعة الإعداد والتقديم الإذاعي التدريبي ، امتعضت كثيرا وامتعضت زميلتي ولكنها أخفت ما بداخلها ، فنحن أخوة ولسنا أزواج ؟؟ وبقيت تحترمني وتجلني كأخ لا أكثر ولا أقل . وكذلك امتعض من كان حاضرا ، فخرجت لتوي ورفضت ذلك وتكلمت عن الموضوع بسخرية من مجموعة التدريب تلك ؟ لقد كانت مجموعة عمل تدريبية فاشلة بحق وحقيق انسحبت من العمل الإذاعي بعد فترة وجيزة ؟ ثم غادرت للصلاة في المسجد الأقصى المبارك . لقد دب الحسد والكراهية من البعض تجاهي وتجاه زميلتي لتفوقنا على بعض المجموعات ، لقد كانت منافسة مهنية ولم أكن أتصور أن يصدر ذلك من مجموعة نقضي معظم وقتنا النهاري معا في التدريب على الآلات لإعداد المواد التدريبية الإذاعية الحقيقية ، ومن المعروف للجميع أنني متدينا منذ معرفتي بهم ، ولكنني كنت الأسير المحرر الوحيد بينهم ، وكان الجميع يحبني ويحترمني كثيرا ، إلا تلك المجموعة المؤلفة من فتاتين كانتا تحسدانني على علاقاتي الأخوية الطيبة مع الجميع ، وكنت أترك التدريب وأذهب للصلاة في كثير من الأحيان في المسجد الأقصى المبارك ؟؟ مضت تلك الحادثة ، ولكن علاقتنا بقيت كما هي ، ترفعت وتساميت على تلك الحادثة الزلل بحقي وحق زميلتي ، وقلت في نفسي هناك من يضع الحجارة في الطريق ، فلنأخذ العفو ونأمر العرف ونعرض عن الجاهلين ، وهذا ما كان .
الإحراج الثاني ( 1994 )
مقابلة وزير التربية والتعليم العالي في أريحا
جاءنا طلب من العلاقات العامة بوزارة التربية والتعليم العالي نرجو من صوت فلسطين ، الحضور لتغطية فعاليات السيد ياسر عمرو وزير التربية والتعليم العالي ، ولم يكن مدير عام الإذاعة موجودا في تلك الساعة الصباحية المبكرة ، وكان يشرف على الفترة الإذاعية زميل لي ممن تدربت معه في رام الله والقدس الشريف في الدورة الصحافية التي اشرف عليها الألمان من مؤسسة بوندتشفت ، قال لي جهز نفسك ، وخذ مسجل يا زميلي الكريم لتغطية نشاطات وزير التربية والتعليم العالي فاليوم يومك !! أثبت نفسك بجدارة وسنبث لك كل اللقاءات التي ستجريها ؟ قلت له ، أنت تتحمل المسؤولية ، ولن أذهب لمجرد الذهاب سأجرى لقاء مطولا مع الوزير بشرط أن توفر لي سيارة تنقلني ذهابا وإيابا من وإلى المشروع الإنشائي العربي في أريحا على بعد 3 كم عن الإذاعة ، وكان الجو حارا جدا ، تم تجهيز آله التسجيل الكبيرة ، من التبرعات الألمانية ، وحضرت السيارة والسائق ونقلت لمكان وجود الوزير ، قلت لهم إنني من صوت فلسطين ، فرحب بي الوزير ترحيبا كثيرا طيبا مباركا ، وقلت له نرغب في إجراء لقاء شامل جامع مع معاليكم ، عن المدارس والمعاهد العليا والجامعات الفلسطينية ووزارة التربية والتعليم العالي ، فأبدى موافقة سريعة ، وقال لي أسال ما بدا لك ؟ بدأت بسؤاله السؤال تلو السؤال من الأسئلة التي وضعت معظمها في ذهني وكتبتها موجزها على ورقة صغيرة ، وأنا ذاهب في السيارة باتجاه مكان وجود الوزير . سألته العديد من الأسئلة المتعددة ، وكانت الإجابات وافية من الوزير ، واستغرق الوقت للتمهيد وإجراء المقابلة 30 دقيقة حصلت منها على 22 دقيقة حوار مع الوزير . وعرض علي الوزير الضيافة فقلت له لا اشرب لا شاي ولا قهوة ، فقال عصير قلت لا أرغب لا بد لي من العودة سريعا للإذاعة . وعندما أنهيت المقابلة هم الوزير بالذهاب وخرجت قبله للساحة العامة ، وكنت أتوقع أن تكون سيارة الإذاعة بانتظاري ، ولكن خاب ظني ، فقد تركني السائق وذهب لحاله ، ولكن كيف لي أن أعود في ظل حر شديد ولا وجود للمواصلات ؟ كان خللا بالوضع الإداري للإذاعة فقد اتفقنا من البداية أن ينتظرني السائق ولكنه كعادة أهل جبل أحد لم ينتظر ولم يلتزم بالتعليمات الموجهة له . احترت لبرهة من الوقت سريعة ، وماذا عساي أن أفعل ؟ ودون تفكير خطر بالي أن اركب مع سيارة الوزير أو طاقمه ، لوحت له عندما ركب بسيارته وقال لسائقه قف حالا . توقف سائق الوزير اقتربت من الوزير وقلت له لقد خذلني زميلي سائق سيارة الإذاعة وتركني ، فقال تعال وأركب معي في السيارة ، فقلت له لا ؟ لا أريد أن أشغلك ، فطلب من سيارة من موكبه توصيلي حالا لمقر الإذاعة ، وهذا ما كان ، لقد كان وزيرا شعبيا أنقذني من ورطة الوصول والعرق المبلول لمبنى الإذاعة البعيد في ظل حر شديد لاهب من صيف ذلك العام وخاصة في الأغوار الفلسطينية . رجعت لمقر الإذاعة فاستغرب مناوب الفترة الإخبارية ، لماذا عدت بهذه السرعة ، بأقل من ساعة ، مازحته قليلا ، وقلت له عدت بخفي حنين لأنكم لم تركوا لي سيارة فعدت لتوي ، فقال بالله عليك يا أخ كمال لا تمزح معي ، ماذا فعلت في هذه العجالة ؟ قلت له ضاحكا ومستبشرا عدت بخفي حنين ، لكنه لم يصدق المزحة ، إذ أنه يعرفني جدي في كل شيء ، وقال لي لا يمكن اصدق أن تعود خائبا فمثلك لا يعرف الفشل كما أعرفك ؟ أردت أن أوجه له ولطاقم الأخبار صفعة صغيرة لأنه تركني وحيدا ، استنجد بالآخرين لتوصلي لمهمة إذاعية اشترطت من بدايتها توصلي ذهابا وإيابا . بعد جدال استمر نحو خمس دقائق أخرجت له تسجيلا بمسجل الإذاعة وإذا بصوت الوزير ياسر عمرو ينطلق بسرعة من الشريط ، ضحك زميلي وفرح كثيرا وقبلني من وجنتي ، وتبادلت القبل والعناق الأخوي معه هذا هو أول نصر إذاعي لنا نحن المتدربين الإعلاميين على هذا المستوى ، مستوى وزير التربية والتعليم العالي ، وهي أكبر وزارة في الحكومة الفلسطينية . لقد أعددت له مادة دسمة اتخذ قرارها على عاتقه الشخصي وأجريت اللقاء بتجربتي ومهارتي الشخصية الغنية الشاملة التي تعرف خبايا الأوضاع التعليمية العامة والعليا في فلسطين . أخذ الشريط واستمع لبعض مقاطع منه وأمر أحد المهندسين بنقله على شريط إذاعي مخصص كاملا غير منقوص ، وتبين أن مدته 22 دقيقة ، وما أن خرج من أستوديو التجهيز حتى دخل فورا في أستوديو البث ، وأصبح يبث على الهواء ، وكأنه لقاء مباشر ، وتفاجأ الجميع بما فيهم مدير الإذاعة الذي اتصل حالا بالأخبار حيث كان بمدينة رام الله ، واطمئن على الوضع ، وحضر قادما من رام الله وهو يستمع لبث اللقاء مع الوزير عبر راديو سيارته حيث ابلغني لاحقا أنه سعد وسر كثيرا بهذا اللقاء ومهنيته وسرعة نقله وبثه وهو خارج مبنى الإذاعة . لقد كانت تجربة مهنية من الطراز الأول في السرعة والانجاز ، واتخاذ القرار ، وكذلك في مهنية وأسئلة اللقاء الشامل .
الإحراج الثالث
عودة قيادي فلسطيني من الخارج ( حكم بلعاوي سفير فلسطين في تونس )
وصلت ذات يوم صباحي من مدينة نابلس ، وبدأت بإعداد أخبار سياسية فلسطينية وعربية وعالمية للنشرة الإخبارية العامة ، ثم شرعت بتجهيز أخبار للنشرة المحلية مع بعض زملائي في مبنى هيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية في أريحا ، وإذا بمدير عام الإذاعة يناديني أخي كمال أرجو أن تعد نفسك بآلة تسجيل الإذاعة الكبيرة ، فقلت له ما هنالك ؟ ما الأمر ؟ قال هناك جولة لقيادة الأمن الوطني في أريحا على الأسواق وسوف تصاحبهم وفرصة أن تتعرف على قيادة الأمن الفلسطيني هنا ، وتعد للإذاعة تقريرا وافيا عن هذه الجولة ، كانت جولة لمراقبة الأسعار وتفقد المواد الغذائية ولقاء شعبي مع المواطنين ؟ فقلت له ، أليس من أحد غيري يقوم بهذه المهمة ؟ فقال لي أنت أنسب واحد نبعثك في هكذا مهمات ؟ قلت له سأذهب أنا جاهز ، أطلب لي سيارة الإذاعة لتوصيلي هناك ، وصلت مبنى وزارة الحكم المحلي في أريحا حيت كان التجمع يفترض أن ينطلق موكبه من هناك ، وجلست مع بعض الصحافيين ، ومررت على وزير الحكم المحلي للتسليم عليه ، د. صائب عريقات ، فقد كنت أعرفه عندما كنت طالبا في جامعة النجاح الوطنية بنابلس ، عندما كان هو الآخر مديرا للعلاقات العامة في تلك الجامعة ، إستأذنت بالدخول فقال للسكرتيرة دعيه يدخل ، دخلت وسلمت عليه ثم خرجت وكان مشغولا بالاتصالات الهاتفية . وانتظرت مع بعض الصحفيين نتحدث عن همومنا وشجوننا لمدة نصف ساعة ، فابلغنا مكتب الوزير أن الجولة تأجلت ، لأن هناك استقبال حافل لسفير فلسطين في تونس وهو حكم بلعاوي ، وعضو اللجنة المركزية لحركة التحرير الوطني الفلسطيني ( فتح ) . اتصلت بالإذاعة وقلت لهم لقد تأجلت الجولة الميدانية لقيادة الأمن الوطني ، وهناك عودة لسفير فلسطين إلى أريحا ظهر هذا اليوم ؟ قالوا لي ممتاز ، إذهب هناك وأجلب لنا حوارا ولقاء إذاعيا مميزا كسبق صحفي ؟ ذهبت مع طاقم الوزارة ، وتحادثت مع د. صائب عريقات وزير الحكم المحلي ، وجلسنا معا على حجارة أرضية تحت شجر سرو في المشروع الإنشائي العربي ، بانتظار القادم الجديد ، تأخرت عودة حكم بلعاوي ، وأثناء ذلك كنت أتجول على المنتظرين ممن أعرفهم الذين جاؤوا لاستقبال بلعاوي ، وكنت أعرف الأسير السابق وليد ابن أخت سفير فلسطين في تونس ، لم ألتقه منذ عدة سنوات ، تبادلنا التحية والعناق والقبل على الوجنتين ، وقلت له جئت لإجراء لقاء مع بلعاوي ، فقال لي إنه خاله ، قلت في نفسي ممتاز لقد ضمنا نصف الحوار ، فسيكون هناك تدبير سريع لنا عن قرب ؟ ما هي إلا دقائق حتى أذنت سلطات الاحتلال الصهيوني بدخول الصحفيين الأجانب واليهود من مراسلي شبكات التلفزة والإذاعة والصحف لإجراء لقاء مع سفير فلسطين العائد إلى الوطن عبر معبر الكرامة في أريحا . وبقيت أنا وممثلي وسائل الإعلام الفلسطينية من إذاعة وصحف ومجلات ووكالة الصحافة الفلسطينية ( وفا ) ولم تسمح لنا سلطات الاحتلال بالدخول بدعوى أنها منطقة عسكرية مغلقة ، أبلغت حالا وليد زميلي في السجن وقريب بلعاوي ، فاتصل بخاله وأبلغه أن سلطات الاحتلال الصهيوني تمنع كمال علاونه ممثل صوت فلسطين من الدخول أسوة بالصحفيين الأجانب واليهود ، فاستجاب حالا لطلب ابن أخته ، وأعلن أنه لن يقبل إجراء أي لقاء أو حوار صحفي معه من وسائل الإعلام الإسرائيلية والأجنبية طالما ممثلي وسائل الإعلام الفلسطينية ممنوعون من الدخول وخاصة ممثل إذاعة صوت فلسطين ، سررت بهذه المفاجأة ، وطلب مني زملائي ممثلي وسائل الاتصال الفلسطينية أن أمثلهم في التحدث باسمهم ورفض الإجراءات الصهيونية الرافضة لدخولنا لمكان وجود حكم بلعاوي والوزير جميل الطريفي وزير الشؤون المدنية المرافق له . بعد جدال قصير بين حكم بلعاوي والطريفي من جهة والجانب اليهودي من جهة ثانية ، سمح لنا بالدخول ، ولكن لم تكن معي سيارة عرضت علي عدة عروض من الصحفيين الفلسطينيين ممن لديهم مركبات بالركوب معهم فركبت مع ممثل صحيفة القدس المقدسية ، ووصلنا لمكان حكم بلعاوي ، سلمنا عليه وعرفت على نفسي الصحفي كمال علاونه ممثل صوت فلسطين ، ضحك وسلم علي بحرارة وهز رأسه . وقال لي أهلا وسهلا بصوت فلسطين سأخصك بلقاء فردي بعد خروجي من هنا لأرض فلسطينية محررة ، وقلت له كما تريد أنا جاهز ، عندما شاهد ممثلو وسائل الإعلام الأجنبية واليهودية موقف بلعاوي من صوت فلسطين ، تبارى الجميع في حمل مسجل إذاعة صوت فلسطين ، وكان من بينهم ممثل التلفزيون الإسرائيلي فضربته على يده وقلت له هذا صوت فلسطين وليس التلفزيون الإسرائيلي ، أحرجته كثيرا ، وضحك الجميع عليه وتصرفي العفوي معه أمام الجميع فأنا لا أوفر أحدا مهما كانت الظروف ، وتراجع القهقرى للخلف ، وكما علمت لاحقا أنه سمع كل ما كان يدور من حوار قيادي بين الفلسطينيين والإسرائيليين عن السماح لممثل صوت فلسطين ووسائل الإعلام الفلسطينية الأخرى بالدخول لمبنى جسر الكرامة ( جسر اللنبي ) فأراد أن يبتز ويدلس على بلعاوي ويحصل على لقاء وكأنه لصوت فلسطين ولكنني كنت واعيا لتلك المؤامرات الإذاعية ولن تنطلي علي ، فلدي الخبرة المهنية الكبيرة في هذا المجال . خرج العائدون من المنفى عبر جسر أو معبر الكرامة ووصل حكم بلعاوي لاستراحة أريحا وهناك صعد على ظهر سيارة عسكرية فلسطينية وخطب في الجموع المستقبلة له لعشر دقائق وسط تصفيق حاد ، وأنا شخصيا بالقرب من قريب بلعاوي ، وأثناء خطابه قال أرجو من ممثل صوت فلسطين أن يلحق بالموكب للمقاطعة ، وهو مكان استقبال بلعاوي للغداء ، لحقنا به هناك ، مع ابن اخته ، وتفاجأت بقراره الذي ابلغه لحراسه ومرافقيه بأن لن يجري لقاء إلا مع ممثل صوت فلسطين ، فقلت لطاقمه ووكالة الأنباء الفلسطينية وفا وماذا بشأن الذين طلبوا مني أن أمثلهم في العراك الكلامي والصحفي مع سلطات الاحتلال وجنود الاحتلال الصهيوني ، فسمح لممثل وكالة وفا بالحضور إلى جانبي فقط . دخلت مكان وجود بلعاوي وعرفوه علي هذا ممثل صوت فلسطين ، سلم علي بحرارة ، وقال لي سلم على رضوان أبو عياش رئيس هيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية ، وأجريت معه لقاء حارا وساخنا مثل سخونة ولهيب حرارة أغوار فلسطين في عز الصيف ، كنت أخاطبه بعضو اللجنة المركزية لحركة فتح ، وسفير فلسطين في تونس ، فطلب مني عدم مخاطبته باسم سفير فلسطين في تونس ، قلت له هذا هو مسماك الفلسطيني بل أنت سفير فلسطين في تونس رغم غضب الأعداء ، سألته ، عن شعوره وهو يعود لأرض الوطن لأول مرة ، وما هي مشاريعه ومشاريع السلطة الوطنية الفلسطينية وماذا عسى أن يكون دوره في بناء الكيان الفلسطيني في جزء من ارض الوطن ؟ وما هو المطلوب فلسطينيا في المرحلة اللاحقة لاستكمال الحرية والتحرير والاستقلال الوطني الفلسطيني ؟ وكان حذرا ودبلوماسيا في الإجابة ، ولكن إجاباته كانت شافية ووافية بإيجاز لا يخل بالمضمون ، من ناحية مهنية ، كلما سألته عن سؤال وتجنب الإجابة عليه أساله سؤالا آخر يقع في صلب الأمر عن بعد وهكذا . أنهيت اللقاء الذي استمر نحو 15 دقيقة إذاعية ، وعدت قافلا لمبنى إذاعة صوت فلسطين . ولكنني أحرجت في هذا التخصيص الإذاعي من شخصية فلسطينية عائدة لفلسطين ، وقلت لزملائي بإمكانكم أن تنقلوا عني الحوار معه عما قاله ، وهذا ما كان ، ففي صبيحة اليوم التالي قرأت بعض الصحف ووكالات الأنباء نقلت حوار حكم بلعاوي عن صوت فلسطين الذي أجريته أنا . نعم أنه كان يوما حارا جدا مناخيا وسياسيا ، وقد تصبب العرق بغزارة من جباهنا وأجسامنا ، رجعت للإذاعة قبل ساعات العصر بقليل وما هو إلا وقت قصير حتى يقول المذيع في نشرة الساعة الرابعة عصرا ، هذا حديث أجراه الزميل كمال علاونه مع السيد حكم بلعاوي عضو اللجنة المركزية لحركة فتح وسفير فلسطين لدى تونس ، وقد وضعت لقب سفير تونس في اللقاء عمدا وعن سبق الإصرار والترصد فأنا كنت أريد أن أثبت كلمة فلسطين ودولة فلسطين في الذاكرة الجماعية لشعب فلسطين ، وهؤلاء السياسيين كانوا يتحاشون الصدام مع الاحتلال أما أنا كصحفي فلم يرق لي ما يطلبه الدبلوماسيون الفلسطينيون منا ونريد التركيز على اسم فلسطين الوطن والشعب .
الإحراج الرابع
لقاء إذاعي لبرنامج في رحاب الجامعة ، في مقر صوت فلسطين برام الله
كنت أعد وأقدم برنامجا خاصا بالتعليم العالي يطلق عليه ( في رحاب الجامعة ) يعالج شؤون وزارة التعليم العالي ، والجامعات المحلية الفلسطينية والعربية والدولية ، ومدته 45 دقيقة أسبوعيا . كان البرنامج يتألف من الكلمة الجامعية الأولى حول آخر المستجدات الجامعية ، ونشرة إخبارية عن التعليم العالي في الوطن والخارج ، وحوارات مع رؤساء ومسئولي جامعات فلسطينية ، وكان أن كان هناك حدثا بارزا في جامعة بير زيت ، استدع مني طلب لقاء أو حوار هاتفي مع أحد مسئولي الجامعة الكبار ، فاتصلت هاتفيا بالعلاقات العامة وحولوني إلى شخصية نسائية لا أعرفها كانت مديرة القبول والتسجيل ، وقلت لها إنني سأجرى معها لقاء في اليوم التالي عبر الهاتف ، أنا من مبنى الإذاعة وهي من مبنى الجامعة ، وعلى هذا اتفقنا ، كان موعدنا الساعة الحادية عشرة صباحا . وفي نفس ذلك اليوم وهو اليوم التالي لاتفاقنا ، الذي أعد وأسجل فيه برنامج في رحاب الجامعة الذي يبدأ عند الحادية عشرة حسب جدول برنامج التسجيل الإذاعي المحلي في الأستوديو داخل مبنى إذاعة صوت فلسطين ، وتأخرت قليلا للحضور للإذاعة فقد حضرت عند الساعة العاشرة والنصف ، وكان سيل المهاتفات الصادرة من الإذاعة أن هناك لديك ضيفة من جامعة بير زيت ؟؟ قلت لهم نعم ولكن الاتفاق أن أجري اللقاء عبر الهاتف عند الساعة الحادية عشرة قبل الظهر ، لقد حضرت الضيفة من جامعة بير زيت ، وهي ذات منصب عالي في الجامعة ، كانت نائبة الرئيس للشؤون الإدارية ، قلت لهم أنا في الطريق وكان ابني البكر هلال معي اصطحبته معي في سيارتي من نابلس إلى رام الله ، فقد كان يحب الذهاب معي لمبنى الإذاعة ، وكان أحد الزملاء الذي يعد برنامجا بعنوان ( جنة الصغار ) يجري معه لقاءات شبه منتظمة حول الأطفال والمدارس وما إلى ذلك . وصلت لمبنى الإذاعة ، وصادفت بعض الزملاء وهم يضحكون ، وهم من المتدينين ، قالوا لي لديك بلوى في هذا اليوم ؟؟ ضحكت وقلت ماذا تقولون ؟ قالوا أدخل لمبنى مدير عام الإذاعة وانظر بعينيك ؟ شدني هذا الكلام ماذا عسى أن يكون قد حصل ؟ ما الأمر ؟ دخلت على مكتب الأخ مدير عام الإذاعة وتفاجأت بالضيفة الجديدة التي لا أعرفها ، لقد حضرت مبكرا وأخذت تتجول في مبنى واستوديوهات الإذاعة للتعرف عليها في ظل عدم وجودي ، وليست هنا المشكلة ، بل فوجئت باللباس الذي تلبسه ، فهي نصرانية الدين وكانت تلبس بكيني وتنورة فوق الركبة ، ونصف كم ، وعلى آخر طراز أجنبي فرنسي أو أمريكي ؟ ويتهامس الجميع لقد حضرت عند الأخ كمال علاونه وهو غير موجود هنا حتى الآن ، وكمال متدين وما علاقته بهذه الضيفة المتبرجة كثيرا ؟ هل يستضيف كمال مثل هؤلاء ؟ فكمال يؤم بالمصلين في مسجد الإذاعة ؟ ويطلق عليه بعض الإذاعيين مفتي الإذاعة ؟ لعل التباس حصل بالأمر ؟ وليس كمال علاونه هو المعني بل زميل آخر اسمه كمال ؟ عندما شاهدت هذا المنظر ، سقط في روعي ، ماذا جرى لهذه المخلوقة ولم أدعها للأستوديو ولا أعرفها أصلا ، بلعت الأمر ، وذهبت لمكتبي لإعداد الأوراق وترتيبها لتسجيل برنامجي الأسبوعي ( في رحاب الجامعة ) وطلبت منها التحدث مع ابني هلال عن التعليم والمدارس فهو وإن كان شبلا إلا أنه متفوقا في الخطابة على مستوى المدارس الحكومية الفلسطينية التي تشرف عليها الوزارة ، وتلك المرأة لها اهتمامات بالأطفال المتفوقين ( العلماء الصغار ) وتوجهت لمشرف الأستوديو وقلت له بينه وبينه على عجل ، خلصني من هذه الورطة ؟؟ دعنا ندخل للأستوديو وأسجل معها اللقاء الجامعي لتذهب في حال سبيلها استجاب زميلي المهندس مبتسما وضاحكا وقال لي كما تريد ، أجريت اللقاء معها فورا ، وأعتذرت منها ، قائلا لدي مشاغلي ، وكما ترين مشغول في التسجيل للبرنامج الجامعي ، وسيبث يوم كذا وساعة كذا من اليوم ، ذهبت في حال سبيلها ، وتنفست الصعداء ، من هذا الموقف الإذاعي المحرج حقا لي ولزملائي . وعندما عدت للبيت حدث ابني هلال أمه وقال لها يا ماما لقد شاهدت إمرأة مسئولة كبيرة من جامعة بير زيت حضرت لمبني الإذاعة عند والدي وأجرى معها لقاء حول الجامعة وكانت لابسة كل ما هو على الحبل من لباس قصير جدا على آخر موضة ، هزت الأم رأسها وقالت لا بأس ؟ هذا ما يحصل دون سابق إنذار ، ضحكنا جميعا على هول تلك المفاجأة ونظرات العاملين في الإذاعة وضحكاتهم وكيف يأتي الضيوف بلا مواعيد مسبقة ، وما يسببه ذلك من إرباك وإحراج .
الإحراج الخامس
إحراج لي من طاقم وزارة التربية والتعليم
كنت ذات يوم أعد وأقدم برنامج شبابي تعليمي يطلق عليه ( قضايا تعليمية وشبابية ) ، يتألف من كلمة أولى ، وحقائق وأخبار ومشاريع وطموحات عن التعليم العالي ، وعن التربية والتعليم ، وكذلك يشتمل على قضايا الشباب وهمومهم ومشاكلهم وحلولها . وكان الوقت صيفا ، والإعداد جار على قدم وساق لتقديم الامتحان الوزاري لطلبة الثانوية العامة ( التوجيهي ) ، وكان لا بد للإذاعة من إجراء لقاء حول التوجيهي ، هاتفت مكتب الوزير ياسر عمرو ، وقلت له تفضل لمبنى الإذاعة لإجراء حوار شامل عن التوجيهي ، فكان الجواب لمدير مكتبه أدعو الأستاذ كمال علاونه من صوت فلسطين ليحضر عندنا للوزارة لمكتبي هنا ولدينا الضيافة المطلوبة مازحا ؟ وقال الوزير إنه كبير في السن ويتعب من صعود سلم أو درج الإذاعة على الطابق الثالث ، لعدم وجود مصعد كهربائي ، تورطت في الأمر ، وقلت في نفسي لا بد من الذهاب هناك ، وكان الوقت يجري بسرعة ، حدد الموعد المضروب الذي يريده الوزير . وقبل الموعد بقليل ذهبت لمبنى وزارة التربية والتعليم عند مكتب الوزير ، ففوجئت بأن مدير مكتبه يقول لي : يا أخ كمال لا ترهق الوزير ، ولا تطلب منه أرقاما محددة فسوف يشغلنا كثيرا ويتعبنا ، لم الق بالا لهذا الطلب المفاجئ ، فالتوجيهي بحاجة لأرقام وبيانات عن الفروع والاستعدادات والقاعات وعدد المشرفين وآلية تصحيح الامتحانات ، وما هي مشاريع الوزارة حيال ذلك ؟؟
دخلت على مكتب الوزير بعد الإستئذان ، فوقف مرحبا ترحيبا حار ، وقال لي عن بعد ، وهو يعرفني ، وقد أجريت عدة لقاءات وحوارات إذاعية سابقة معه ، وبادرني بسؤال قبل الجلوس ، هل أنت في هذه المرة تمثل الإذاعة أم التلفزيون ؟ استغربت من السؤال ، فالتلفزيون الفلسطيني يبث أصلا من غزة ، وهل يعقل أن الوزير لا يعلم ذلك ؟؟ قلت له بل أنا ممثل عن صوت فلسطين عن الإذاعة ؟ فصار يسب ويشتم التلفزيون ، لأنه مقصر مع الوزارة ولا يعيرها الاهتمام المطلوب ، فقلت له إن التلفزيون الرسمي الفلسطيني يبث من غزة وهو تلفزيون غزة بحق وحقيق ؟؟ والمكتب الموجود هنا للتلفزيون هو لذر الماد في العيون ، وقد عرض علي أن أذهب إلى مدينة غزة للعمل في التلفزيون الفلسطيني الحكومي فرفضت ، فقال لي أنت على حق ؟ لقد فتح معي حوار غير مبرمج أو مخطط له ، طال الوقت ، وقلت له يا أستاذ أبا ثائر أنني جئت لإجراء لقاء عن التوجيهي وليس لدي متسع من الوقت وإذا أردت الحديث عن أي موضوع سأعود لك بعد تسجيل البرنامج الذي سيبث غدا بمدة 45 دقيقة عصرا . فرح وانفرجت أساريره وقال لي كم من الوقت سيستغرق تسجيل الحوار قلت له معك وقت مفتوح حتى نصف ساعة ؟ وسألني عن طبيعة الأسئلة فقلت له معظمها ، لأن بقية الأسئلة تأتي من إجاباته ، فوثب واقفا وصار ينادي على وكيل الوزارة ومدير عام الامتحانات ومدير مكتبه الذي أوصاني قبل قليل بالمفاجأة التي ذكرتها ، مناداة وزارية على كل واحد باسمه دون ألقاب ؟ وكان وكيل الوزارة آنذاك د. نعيم أبو الحمص ، فصرخ عدة مرات يا نعيم ، يا نعيم ، يا فلان ويا فلان ؟ وأنا استمع للصراخ والصوت العالي باستغراب وذهول ؟ جاء كل من نادى عليه سريعا ، ووقف إلى جانبنا ، ثلاثة أو أربعة ، وأحضروا له كل الأوراق والبيانات المطلوبة ، أدركت عندها وصية مدير مكتبه ، فقد كان يعرف طبيعة تصرفات الوزير ، لقد أحرجني كثيرا ، أمام طاقم الوزارة الذين استدعاهم فردا فردا ، وأحرج نفسه في الصراخ الصاخب العالي ، وترك ذلك في نفوس الذين استدعاهم أمامي غصة صعبة تجاهي ، لفترة طويلة وقلت في نفسي لن يغفروا لي ما حصل ولست أنا السبب ؟؟ بل كنت أريد تسليط الضوء على فعاليات الوزارة وخدمة الوزارة وتقديم خدمة لاستعدادات الوزارة وعرضها أمام الطلبة وذويهم وشعبي الفلسطيني الأبي . وعندما أنهيت اللقاء ودعني بحرارة وقال لي تعال في أي وقت تريد ولا تهمل هم هؤلاء ؟ وكأنه في داخله كان يعلم ما يسرون ضده ، فهؤلاء لا يأتون إلا بهكذا أمر ؟؟ وقال لي قبل أن تغادر هل لك من طلبات خاصة ، قلت له لا طلبات خاصة لي ، ولكن لي طلب عام ، قال قل سريعا ولا تهاب ؟ ما طلبك ؟ قلت له : يا معالي الوزير أبو ثائر ، لدينا في قريتي عزموط قرب نابلس مدرستان للذكور والإناث لنحو ثلاثة آلاف مواطن ، وهاتان المدرستان ، ليس بهما إلا الصفوف الأولية الابتدائية الأساسية ، فمدرسة الذكور بها حتى الصف السابع الأساسي ، ومدرسة الإناث حتى الصف السادس الأساسي ، وقدم أهالي القرية طلبات لمديرية التربية والتعليم في نابلس لإكمال الصفوف لصفوف أعلى ، وكل الطلبات تواجه بالرفض ، ونحن قريبون جغرافيا من مستعمرة إيلون مورية الدينية اليهودية المتطرفة وهؤلاء المستوطنون يقطعون الطريق على الأهالي وعلى الطلبة ذكورا وإناثا ، الذين يلتحقون بمدرسة بعيدة عن القرية ( مدرسة سالم ودير الحطب الثانوية ) ويعاني الطلبة وأهاليهم من الذهاب والإياب في فصل الشتاء من المياه الدافقة والسيول الجارفة واعتراضات قطعان المستوطنين اليهود الذين يعترضون طريق الطلبة ويؤذونهم ، وكذلك يعانون من حواجز قوات الاحتلال القاتلة التي تؤخر الطلبة عن دروسهم يوميا ، ونريد تطوير المدرستين حتى نهاية المرحلة الثانوية العامة التوجيهي ، لتحاشي حرمان الطلبة من التكاليف المالية الباهظة ، واعتداءات المستوطنين ، وتسرب الطلبة وخاصة البنات من المدارس في الصفوف الدنيا بسبب التقاليد المحافظة لأهل القرية . فما كان من الوزير الشهم الكريم ياسر عمرو إلا وأن أعطاني الجواب حالا ، أعتبر يا كمال علاونه أن المدرستين ستصبحان حتى نهاية المرحلة الثانوية العامة ، ولكن بالتدريج ، هذه موافقة رسمية مني الآن ، تذكرها جيدا ، ولكنني أطلب منك تقديم طلب رسمي ووضعه في ديوان الوزارة ، وضع رقم هاتفك والفاكس لنرسل لك الجواب مكتوبا ، سررت بهذه المفاجئة الجميلة لقريتي ، ولشهامة وكرم الوزير ،وشعوره الوطني النبيل ، وتلبية الطلب المتوقف منذ فترة طويلة بلا جواب إيجابي . وبالفعل خرجت من مكان المقابلة والحوار مع الوزير وكتبت طلبا يوضح ما قلته للوزير حول مدرستي القرية ، ووضعت كل ما طلب مني ، وما هي إلا أيام قليلة حتى جاءني الرد الايجابي ، عبر فاكس إذاعة صوت فلسطين ، بلغوني فيه موافقة وزارة التربية والتعليم العالي على تطوير مدرستي القرية للذكور والإناث كل على حدة لتصلان نهاية الصف الثاني عشر ( التوجيهي ) بواقع إضافة صف دراسي سنويا استلمت الرد الممتاز وبعثت منه نسخة لمديري المدرستين في القرية الذين سعدا بهذا القرار واستغربا صدوره عن طريقي بهذه الصورة السريعة رغم أنهما يئسا من صدور مثل هذا القرار المفاجئ ، وتلا ذلك قدوم وفد من مديرية التربية والتعليم بنابلس للقرية لتقدير الاحتياجات البشرية والإنشائية . لقد كانت قرية عزموط مع موعد حقيقي لاحق لتصبح لديها مدرستان ثانويتان منفصلتان ، للذكور والإناث ، للفرع الأدبي فقط ، وهذا ما كان ، لقد استطعت أن أخدم بلدي عبر هذا الوزير الثائر أبو ثائر ، وكان موقفا رائعا ومفرحا لأبناء القرية جميعا ، وللفتيات خاصة ، فقد أصبح الآن المجال أمامهن لإكمال تعليمهن الثانوي بسهولة ويسر في القرية نفسها . لقد أحرجت أولا ثم فرحت تاليا بقرار الوزير ياسر عمرو رحمه الله لخدمة قريتي عزموط ، فالمدارس الحكومية للجميع والتعليم الرسمي للجميع ، وهذا ما كان .
الإحراج السادس
إحراج مهني – فني
كنت أعد وأقدم برنامجا عن التربية والتعليم العالي ( قضايا تعليمية وشبابية ) عام 1995 ، وطلبت الحديث مع وكيل الوزارة د. نعيم أبو الحمص ، الذي رحب بإجراء الحوار ، كان يوما صيفيا ربيعيا في أريحا ، واللقاء المنتظر يجب أن يجري في مقر الوزارة في رام الله فقد رفض الوكيل إجراؤه عبر الهاتف . ذهبت من نابلس لمبنى الإذاعة في أريحا ، وجهزت عدة التسجيل الالكتروني المخصصة لمثل هذه الحوارات ، وفحصت آلة التسجيل فكانت تعمل بصورة جيدة ، سألت المهندس الفني المشرف على الآلات كيف تعمل هذه الآلة ، جربها لي فجربها لي وكانت تعمل بصورة مناسبة . توجهت لمدينة رام الله لمقابلة وكيل وزارة التربية والتعليم العالي وقتذاك ، في الساعة المحددة تم البدء بإجراء التسجيل ، وهي الساعة الحادية عشرة قبل الظهر تقريبا . أجريت لقاءا مطولا مع الوكيل حول شتى شؤون التربية والتعليم استمر لمدة 25 دقيقة . ولكنني لم أجرب التسجيل الأولي كما كنت أفعل في كل مرة ، فقد كنت أسجل صوتا لدقيقة أو اقل ثم امحوه عن شريط التسجيل ، لم أفعل هذه المرة كغيرها من المرات ، وكانت غلطة الشاطر بألف ، بعدما أنهيت التسجيل ، وعدت إدراجي قافلا لمبنى إذاعة صوت فلسطين في أريحا ، بعدما استرحت قليلا ، حاولت تجريب التسجيل فكان الصوت مغموما وغير واضح ، وجربت مرة أخرى على مسجل آخر فكانت النتيجة سلبية كما هي في المرة الأولى في المسجل الأول . دهشت وصعقت لما جرى ، سالت احد المهندسين المشرفين على آلات التسجيل ، وشرحت له الأمر ، فقال : من أعطاك آلة التسجيل هذه ؟ قلت له فلان ، قال هذه الآلة معطلة تتعطل مؤقتا وتعمل مؤقتا يعني بها حالية عصبية ؟؟ قلت له سامحكم الله ، لماذا تضعون هذه الآلة الالكترونية في موضع الآلات الصالحة ، فهذه آلة طالحة ، لا بد من رميها جانبا ، وإصلاحها وأن لا تبقى وسط الآلات الفعالة بصورة ممتازة . عض على أصبعه وقال : إن الأمر ليس كما تظن ، فليس لدينا آلات تسجيل إلا ثلاث ، أخذت أنت أحدها ، ولسوء حظك أنك أخذت الآلة التي بها خشخشة وأحيانا تعمل وأحيانا لا تعمل ؟؟ قلت لها مالكم تعملون هكذا في الأستوديو، لقد أجريت لقاء مع وكيل وزارة وانتقلت بين ثلاث مدن من مدينة نابلس لمدينة أريحا لمدينة رام الله في يوم واحد ، فمن يتحمل مسؤولية هذا الخطأ ؟ قال لي : الذي يتحمل المسؤولية أولا إدارة الإذاعة خاصة المدير الإداري ، ثم المهندس المشرف الفني الذي أعطاك هذا المسجل التالف جزئيا ؟ قلت له أنا صحفي ولا أعرف الأمور الفنية والتقنية وهذا خطأ جسيم ؟ غضبت يومها غضبا شديدا ولكن ما الفائدة ؟ حاولت إعادة اللقاء الذي أجريته مع وكيل الوزارة ، فرفض ذلك وقال هذا خطأكم في الإذاعة وليس خطأنا ، أعتذرت له وقلت له أنا من يتحمل الخطأ ؟ فانظر ماذا ترى ، فقال ليس لدي متسع من الوقت لذلك ، غضبت مرة أخرى ، وقلت في نفسي لقد عملت ما علي والبقية عندكم يا وزارة التربية والتعليم ، نريد خدمتكم وأنتم تتملصون من تخصيص جزء من وقتكم لشعبكم ؟ فأنتم أحرار فيما تفعلون ؟ ولم أطرق باب الوكيل مرة أخرى لإجراء أي لقاء ، لقد ذهبت بينه وبينه قطيعة دائمة ، ولست المتضرر بل الوزارة والطلبة . وانسحبت من برنامج التربية والتعليم وأبقيت برنامج في رحاب الجامعة المتخصص بالتعليم العالي فقط ، وبعدها قررت عدم أخذ أي آلة تسجيل من آلات الإذاعة وذهبت في اليوم التالي واشتريت مسجلا صغيرا من ماركة ( باناسونيك ) اليابانية الأصلية أفضل نوعية في السوق على حسابي الخاص وكان ثمنه باهظا جدا ، مقارنة بالسوق لأنها ماركة نادرة في السوق في مدينة نابلس ، لقد بلغ ثمنها نحو مائة دولار وهي ثمن مرتفع في ذلك الوقت تصل لربع راتبي الشهري ، وكنت اشترى لها بطاريات ممتازة من نوعية دوراسيل الألمانية الغالية الثمن على حسابي أيضا بسبب ذلك الخطأ الشنيع الذي حصل معي وأحرجني مع نفسي ومع غيري كذلك عن حسن نية . وكنت وما زلت اردد لا نوايا حسنة في الإعلام ، النية هي النية ، حسنة أو سيئة ، تبقى كما هي ولا أحد يفهمك بصورة صحيحة . وقد استخدمت هذه الآلة الغريبة العجيبة في التسجيل عدة سنوات واستعملها زملاء من الإذاعة غيري لتسجيل بعض لقاءات وحوارات برامجهم ، وما زلت احتفظ بها كذكرى للذاكرين ؟ والله ولي التوفيق .
سلام قولا من رب رحيم . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
ملاحظة : يتبع .. ( تجربتي بإذاعة صوت فلسطين ) ( 3 ) .
رد مع اقتباس

تجربتي بإذاعة صوت فلسطين
( 3 – 4 )
د. كمال إبراهيم علاونه

أستاذ العلوم السياسية
فلسطين العربية المسلمة

يقول الله العزيز الحكيم جل جلاله : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71) إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (73)}( القرآن المجيد ، الأحزاب ) . وجاء بصحيح مسلم – (ج 1 / ص 167) كان رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ ) . هذه التجربة الإذاعية الخاصة خلال فترة عملي في هيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية بين الأعوام 1994 – 2001 فقط .

أحاديث إذاعية محرجة
حوار مع الوزير عبد ربه والسياسية الأمريكية أولبرايت

كنت في مبنى هيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية في أريحا ، وكان الوقت صباحا في ذات صيف غوري صاخب ، أعددت مع بعض زملائي باقة من الأخبار التي تذاع في النشرات الإخبارية الرئيسية والموجزة ونشرة الأخبار المحلية الساعة الواحدة ظهرا ، ويبقى الأمر مفتوحا لإضافة أخبار وتقارير سياسية ومحلية جديدة كلما استجد جديد . كنت في ذلك اليوم مريضا إلى حد ما ومتعبا جدا ، فإذا بلقاء سياسي مرتقب سيجمع بين ممثل منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عبد ربه ، وكان عضوا باللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ، ووزيرا للثقافة والإعلام في الحكومة الفلسطينية ومادلين أولبرايت ممثلة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة . وقد طلبت وزارة الإعلام من صوت فلسطين تغطية الحدث بما يليق به ، والاهتمام الكافي بمثل هكذا لقاءات سياسية . رن جرس الهاتف في الإذاعة لطلب مدير عام الإذاعة باسم أبو سمية ، أن تولوا عملية التغطية الإعلامية لهذه الزيارة واللقاء التاريخي المنتظر هذا اليوم ، كنت واضعا رأسي على يدي ونعسان وتعبان ، فإذا بصوت مدير الإذاعة ينادي : أخ كمال ، أين كمال ؟ كنت في صالة تحرير الأخبار الصغيرة المساحة المتواضعة ، فحضر وناداني مرة أخرى ، هناك لقاء سياسي بين أولبرايت وعبد ربه جهز نفسك ، بعض الإخوة أراد الذهاب لإجراء اللقاءات فرفض مدير الإذاعة وقال لا بل كمال سيذهب ؟ قلت له أنا مريض اليوم ، وابعث أحدا غيري ؟ فقال : لا ، أنت الذي تتقن هذه اللقاءات والحوارات أكثر من غيرك ؟ سررت لاختياري ، ولكنني كنت متعبا ؟ قال لي الله يعينك ، جهز حالك حالا والسيارة تنتظرك بمدخل الإذاعة ، قمت متثاقلا ، وذهبت لإجراء اللقاء الإعلامي السياسي المنتظر ، وذهبنا لمكان الاستقبال والاجتماع السياسي المرتقب ، وقوبلت في طريقي في مكان اللقاء بحاجز بشري ، إلى أين أنت ذاهب ؟ ممنوع الدخول ؟ عرفت على نفسي الصحفي كمال علاونه ، ممثل إذاعة صوت فلسطين ، ووزارة الإعلام هي التي طلبت منا القدوم ، لقد تحدثت مع الطاقم المرافق لممثلة الولايات المتحدة بالأمم المتحدة باللغتين العربية والإنجليزية ، لترتيب لقاء معها للإذاعة ، فرفضوا رفضا باتا ، فلمست التمييز العنصري والفوقية الأمريكية على الفلسطينيين ، وتركتهم بلا جدوى ، وقلت في نفسي ، ليس مهما إلى هذه الدرجة ، لا يريدون لقاء مع صوت فلسطين ، وأنا جئت متثاقلا أصلا ، ولكنهم لن ينتصروا علي ، توجهت نحو مرافقي الوزير الفلسطيني ياسر عبد ربه وقلت لهم القصة ، وقالوا نعم نحن من طلب من صوت فلسطين الحضور لتغطية الحدث السياسي هذا ؟ فرحت لتعاونهم ، وقالوا لي ، عليك بالإسراع للحديث مع الوزير ، تفهمت الرسالة ، أنهم هم أيضا ممنوعون من الاقتراب من أولبرايت ؟ لم استغرب الأمر ، فأنا اعرف المواقف الأمريكية العنصرية المنحازة للجانب اليهودي في فلسطين ؟ غافلت مرافقي أولبرايت وحراس الاجتماع الأمريكان وانتهزت نهاية اللقاء بين الجانبين الفلسطيني والأمريكي ، وعدوت مسرعا إلى الوزير عبد ربه ، وقلت له الصحفي كمال علاونه ممثل صوت فلسطين ، سر وفرح كثيرا وضحك ، وأخذ يعرفني على أولبرايت فسلمت علي ، خاطبها باللغة الانجليزية وقال لها سيجري معك لقاء إذاعيا ، فأبدت موافقتها حالا ، سألتها باللغة الإنجليزية سؤالين أجابت عليهما بنحو ثلاثة دقائق ونحن نمشي معا ثلاثتنا ، الوزير عبد ربه وأنا وهو ممسك بيدي ، وأولبرايت ، كيف ترين طبيعة العلاقات الفلسطينية الأمريكية ؟ وما هو مستقبل السلام في البلاد بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي ؟ أجابت عن السؤالين بإيجاز ؟ وسط ذهول واستغراب الطاقم الأمريكي المرافق من السفارة الأمريكية بتل أبيب ، وأعضاء القنصلية الأمريكية في القدس العربية المحتلة ؟ لقد أحرجوني ورفضوا الانصياع لطلبي ، فرفضت الالتزام برفضهم ، وهجمت هجوما إعلاميا مباشرا وصاعقا ؟ وكان يمكن ذلك أن يؤذيني جسديا ، لولا سرعتي الفائقة والوصول لياسر عبد ربه ؟ لقد صممت على أن لا أرجع إلا بحوارين : حوار مع ممثلة الولايات المتحدة التي أصبحت لاحقا وزيرة الخارجية الأمريكية ، وحوار مع الوزير الفلسطيني عبد ربه ، وهذا ما كان ؟
اتفقت مع الوزير عبد ربه على إجراء اللقاء الصحفي الإذاعي معه بعدما تغادر السياسية الأمريكية لمكان الاجتماع ، وضع يده بيدي وكأننا زملاء مهنة ، وقال لي بعدما ذهبت العجوز الأمريكية خذ الوقت الذي تريد ؟ سألته بضعة أسئلة بداية عن المسائل التي تم التباحث حولها في ذلك الاجتماع الثنائي الفلسطيني – الأمريكي ؟ وسبب الاجتماع في أريحا بالذات ؟ وعن علاقة منظمة التحرير الفلسطينية مع الإدارة الأمريكية ، وعن الحل السياسي المنشود حاليا ، ومسألة التأييد الأمريكي لإقامة دولة فلسطين في ارض فلسطين لشعب فلسطين ؟ وعن مستقبل العلاقات الفلسطينية الأمريكية وغيرها ؟ فأجاب عن جميع الأسئلة بصدر رحب ، واستغرق الحوار 12 دقيقة سجلتها بحوار إذاعي جديد لصوت فلسطين الفتي . ثم ذهبت لمبنى الإذاعة وقصصت قصتي على زملائي الحاضرين في صالة الأخبار ، وأبلغت مدير عام الإذاعة بما حصل معي ، فشد من أزري ، وشجعني ومدح تصرفي اللائق في مثل هذه الأحوال وقال ( هيك الصحافة وإلا بلاش ؟ ) . وتولى قسم الهندسة تفريغ الشريط الإخباري العادي إلى شريط إذاعي خاص ، وترجمت ما قالته السياسية الأمريكية فكان صوتي إلى جانب صوتها في الحديث والترجمة الإذاعية ، ثم بث اللقاء كاملا على أثير صوت فلسطين لينطلق للعالم ويصعد من أخفض بقعة في العالم ليصل إلى أسماع شعبي الفلسطيني المجاهد من أجل الحق والحرية والاستقلال والانعتاق الوطني .
وأستذكر أمرا في مثل هذه المواقف وهو أنه لا بد من المغامرة الصحفية وعدم الخوف أو الوجل ؟ كانت الحراسات مشددة على الاجتماع ، وكنت معرضا للخطر لولا أني كنت معرفا على نفسي سابقا لدى الجانب الأمريكي والجانب الفلسطيني من الطاقم المرافق للوزير ، الذين تدخلوا هم أيضا للتعريف بأنني صحفي من صوت فلسطين ؟ عدت لمبنى الإذاعة بأريحا ، بسيارتي الخاصة التي كانت معي ، وكنت أستخدمها كثيرا لقضاء مصالح وطلبات الإذاعة لوجه الله تعالى ، فقد كنت أحضر بها طعام الإفطار والغداء وأحيانا العشاء للعاملين في الإذاعة من المطبخ العسكري للأمن الفلسطيني في أريحا كونها منطقة فلسطينية محررة .

حوار محرج في وزارة العمل

ومرة غيرها طلبتني وزارة العمل ، للمشاركة في ورشة عمل للوزارة والتعاونيات والتفتيش عن العمل ، في مدينة اريحا ، فلبيت الدعوة بعدما أبلغت الإدارة بخروجي للورشة المهنية المختصة من صلب عملي ، فوافقت الإدارة ، وحضرت الورشة وطلبت عقد لقاء مع أحد مسئولي الوزارة الكبار ، للحصول على حوار من 10 دقائق ، ففوجئت بأن هذا المسئول يخاف الحديث للإذاعة كونه جديدا ، فكتبت له الأسئلة كتابة على غير عادتي في الحوارات ؟ وتلكأ في الإجابة عليها ، والجميع ينتظر بالخارج اللقاء مع هذا المسئول للخروج إلى ورشة العمل والمشاركة فيها فهو رئيسها ، وكلما دق الباب يقول لهم عندي مؤتمر صحفي ، والواقع لا مؤتمر صحفي ولا هم يحزنون بل هو حوار صحفي عادي عابر واستمر الوضع ساعتين ولم أحصل على دقيقة حوار واحدة !! فقلت له ما رأيك أن أكتب الأسئلة وتجيب عليها براحتك ؟ فوافق ، ثم تباطئ في الإجابة خوفا ورهبا . وبعدما زهقت من مماطلته وخوفه ، قلت له ما رايك أكتب لك الأسئلة والأجوبة وتقرأها معا ؟ ففعل ، وقد أرهقت كثيرا ، وقد أحرجت كثيرا أمام الله ثم أمام نفسي وأمام ذلك المسئول الذي لا يستحق منصبه إطلاقا ، وتصبب عرقي غزيرا وكذلك تصبب عرقه غزيرا ؟؟ فقد تأخرت على الإذاعة ، فقال لي بعض زملائي ما بك ؟ لقد تأخرت على غير عادتك في الخروج لمثل هذه الورش الدراسية ، فاسررت لهم بالحقيقة وضحكت وضحكوا مليا ، وكلما لاقوني يقولون لي متى ستذهب لورشة وزارة العمل الجديدة ؟ فأقول لهم تعالوا معي الدعوة في جيبي ، وسنذهب بعد قليل اطلبوا السيارة وهاتوا عدة التسجيل الإذاعي ؟! لقد كانت مهزلة فكاهية بحق وحقيق ؟؟ لقد كانت هذه من أخطاء التعيينات الوزارية الحزبية بالواسطة والسقوط بالباراشوت كالطائرة من أعلى للأسفل دون وجه حق . ولم أعد للقاء ذلك المسئول بتاتا طيلة عملي بالإذاعة خوفا من تكرار المهزلة السابقة ، والمؤمن لا يلدغ من جحر واحد مرتين . لقد لدغت مرة واحدة وتكفي ، قلت في نفسي .

كيف تعد برنامجا إذاعيا

هناك نوعان من البرامج الإذاعية من حيث تسجيلها وبثها عبر أثير الإذاعة المسموعة كإذاعة صوت فلسطين الحكومية ، وهما :
1 – البرنامج الذي يبث على الهواء مباشرة .
2 – البرنامج الذي يسجل مسبقا ويكون معدا للبث إما بشكل يومي أو أسبوعي ضمن فترة زمنية معينة صباحية أو في رابعة النهار أو مساء .
ويتألف البرنامج من : الشكل أو المظهر الأولي والختامي والمضمون ، ومهما كان نوع البرنامج وزمنه فان هناك عدة قواعد لإعداد البرنامج الإذاعي المسموع ، من أبرزها :
1 – إعداد اسم البرنامج – لتلبية احتياجات أو إشباع رغبات شريحة أو قطاع معين من المجتمع الفلسطيني ، مثل برنامج يعالج شؤون التعليم العالي الفلسطيني ( في رحاب الجامعة أو جامعاتنا ) ، أو ( مؤسساتنا ) وتجرى دراسة لاختيار الاسم المناسب للبرنامج وفق اختيارات أو بدائل معينة مع الأخذ بعين الاعتبار عدم تشابهه أو تطابقه مع برنامج آخر يومي أو أسبوعي في الإذاعة أو إذاعات مشابهة أو منافسة .
2 – تحديد مدة البرنامج : 5 دقائق ، 10 دقائق ، 15 دقيقة ، 30 دقيقة ، 60 دقيقة ، ساعتين أو ثلاث ساعات ، وذلك حسب الموضوع المطروق ، وهذا يعتمد على زخم البرنامج وأهميته لقطاع معين .
3 – اختيار موسيقى خاصة بالبرنامج ، شرط أن لا تكون محددة لبرنامج آخر مشابه أو مماثل ، والمستمع يستطيع مع مرور الوقت أن يميز موضوع البرنامج وفي أي إذاعة يذاع ومن هو معده ومقدمه من خلال الموسيقى التي تلازم البرنامج .
4 – إعداد المادة أو النص المناسب للحلقة الإذاعية ، ويراعى فيها الدقة ومواكبة الحدث أو استباقه .
5 – اقتراحات لإجراء مقابلات إذاعية للبرنامج ، هاتفية أو ميدانية أو كليهما . يتم تنفيذها لاحقا ،ويفترض أن يكون هناك اقتراحات احتياطية للشخصيات التي ستجرى معها اللقاءات والحوارات الإذاعية الميدانية أو الهاتفية أو في الاستوديو .
6 – تجهيز المادة الإذاعية للبث المباشر أو لتسجيلها في وقت لاحق من نفس اليوم أو خلال الأسبوع ( إذا كان برنامجا أسبوعيا ) .
7 – الإلقاء الإذاعي بلغة البرنامج ( عربية ، انجليزية ، فرنسية أو عبرية أو غيرها ) ، ويلقى نص البرنامج أم باللغة الفصيحة وهي الأفضل أو بلغة محكية وذلك حسب الخطة المرسومة للبرنامج ، مع مراعاة العمل على مخاطبة المستمعين بلطف وتحبب في محاولة لجلب انتباه المستمعين المواظبين على الاستماع للبرنامج أو الذين انضموا بعد لحظات من بدء البرنامج .

مشكلات وعقبات عامة لصوت فلسطين

تعددت المشكلات والعقبات التي واجهتنا في إذاعة صوت فلسطين ، كمعدين ومقدمين للبرامج ، ومن أهم هذه المشكلات :
أولا : المشكلة السياسية من الاحتلال الصهيوني ، في عملية الدخول والخروج لمحافظة أريحا ، ومحافظة القدس أو محافظة رام الله لاحقا المقر الرئيس لهيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية .
ثانيا : المشكلة الفنية : وهي وجود استوديوهات وآلات تسجيل وبث إلكترونية متواضعة وقليلة في مدينة أريحا فقط وعدم توفرها بداية في مدينة رام الله . وكذلك ضعف الإرسال الإذاعي فلم يكن يشمل كل أجزاء فلسطين . فالبث الإذاعي يصل إى الأردن وجنوب سوريا وجنوب مصر ولا يصل لمحافظات قطاع غزة مثلا لفترة طويلة .
ثالثا : عدم انتظام الرواتب للعاملين في هيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية ، وعدم أخذ الموظفين حقوقهم الحقيقية في التشكيلات الإدارية والمهنية ، فكثير من الموظفين الجدد نزلوا في درجات وظيفية أعلى من المؤسسين الذي كنت أحدهم .
رابعا : المنافسة غير الشريفة والتعويقات من بعض العائدين لاختلال الرؤى والمشارب السياسية ، فقد كانت الإذاعة مرتعا حزبيا ومحوريا بين أهل الداخل والعائدين من المنفى ، ومحاولة العائدين الاستئثار بكل شيء وحرمان أهل الداخل من حقوقهم التأسيسية ، وهذا ما كان يلمسه جميع الموظفين الجدد والقدامى . وكنت شخصيا ممن لا يلقي بالا لهذه النزاعات والهرطقات فلم ألتزم بمحور حزبي أو زمري معين وبالتالي كنت محبوبا ومحترما لدى السواد الأعظم من الإداريين والصحافيين والمهندسين الإذاعيين ، فليست لدي طموحات شخصية أو إدارية معينة . وفي بعض الأحيان كنت ألمس المقاطعة الكلامية من البعض للبعض الآخر ، وكانت علاقاتي طيبة مع الجميع إلا ما ندر ولم أكن أنا المبادر لافتعال المشكلة الصغيرة أو غيرها .
رابعا : المزاجية لدى بعض الإداريين مثل مدير عام البرامج الذي كان أحيانا يسب الذات الإلهية ويشتم الدين لكل من يخالفه من صغار الموظفين ، ويكيد للآخرين دون وجه حق . فقد كان يطلب الجلوس معي أحيانا ويرغبني ويرهبني ويقول لي لا تتحدث مع فلان أو علان من الشخصيات السياسية أو الدينية ، وكنت لا ألتزم بمزاجيته المتقلبة ، فمن كان يحذرني من الحديث معه ، أقول له أعطني رقمه الهاتفي لأجري معه لقاء الآن مازحا وجادا في الوقت ذاته ، وهذا كان يقض مضاجعه فأنا كنت دائما أرفض الممنوعات ، وأقول له ليتحدث جميع الفلسطينيين الوطنيين والإسلاميين عبر أثير صوت فلسطين ، ورئة فلسطين الحية ، لا من رئة محطات الإذاعة والتلفزة الصهيونية والأجنبية . وفي أحدى المرات أجريت لقاء هاتفيا مطولا مع د. ذياب عيوش رئيس جامعة القدس المفتوحة في ذلك الوقت ، لمدة 30 دقيقة عن كل ما يتعلق بالجامعة لبرنامج في رحاب الجامعة الأسبوعي في صوت فلسطين ، وذهبت لفترة بسيطة لا تتعدى دقيقتين لمكتبة الإذاعة الموسيقية ، ورجعت فلم أجد اللقاء ، في غرفة تسجيل البرامج لقد اختفى بسرعة من شخص تناوله ، لمنعي من بثه على الهواء ، بسبب خلاف شخصي بين الذي تناول الشريط الإذاعي ورئيس الجامعة . قلت إنا لله وإنا إليه راجعون ، وصممت على إجراء لقاء جامعي آخر مع نفس رئيس الجامعة وشرحت له الوضع وتقبل الأمر بصدر رحب ، وقال لي ولو أنني مشغول ولكنني سأستجيب لرغبتك ، وشكرته كثيرا على الاستجابة السريعة والتفهم المناسب في الوقت المناسب ، وكان ذلك البرنامج خدمة للطلبة الجامعيين ، ولجامعة القدس المفتوحة في الوقت ذاته ، وهو الأول من نوعه . وحادثة أخرى ، تحدثت فيها مع الشيخ حامد البيتاوي ( كان وقتها رئيس المحاكم الشرعية الفلسطينية في الضفة الغربية ) وقاضي آخر من نابلس بموضوع عن الشباب والمرأة وأبدى رأي الإسلام في ذلك ولم يعجب مدير عام البرامج الحديث مع الشيخ البيتاوي ، بث البرنامج الإسلامي عبر الإذاعة ، وصار يزمجر في الإذاعة ولم أكن موجودا في ذلك الوقت ، لماذا علاونه يجري لقاءات مع شيوخ يعارضون السلطة ؟ جئت في صباح اليوم التالي وقد اتصل بي بعض زملائي يخبرونني بما حصل لأعد نفسي للدفاع وما أن جئت حتى بادرت بالحديث بمجرد دخولي مبنى الإذاعة أين مدير البرامج المنصان ؟ صادفته عند باب مكتبه وكان هادئا ، فقلت له لماذا كنت تصيح البارحة ؟ هل من داعي لذلك ؟ وهل سمعت البرنامج بنفسك ؟ فقال لي لا ولكن أحدهم ابلغني بذلك ؟ فقلت له لا تتهجم على الآخرين بشيء فهو شيخ فلسطيني جليل أردت أن يتحدث عبر اثير صوت فلسطين ، والإذاعة للجميع ، لا فرق بين هذا وذاك ؟ هدأ من روعي وطلب لي فنجان قهوة وقلت له لا أريد شرب قهوتك ! فأنا لا أشرب القهوة أصلا ؟ قال لي لا عليك لا شيء ، كنت بالأمس متوترا ولا تقلق من هذه الناحية . انتهى الأمر وقضى الأمر الذي فيه تستفتيان ، قلت له لا تعيد هذه الكرة مرة أخرى ، عندما تريد شيئا وتعليقا علق عليه وأنا موجود فيما يتعلق بي ولا تبقى تسب وتشتم في غيابي قال لي حقك علي وخلاص ، وانتهى الأمر بسلام .
خامسا : البيروقراطية الإدارية في الهيئة : فقد كانت هناك بيروقراطية في التعامل مع الموظفين ، وخاصة الصحفيين في توفير مستلزمات التنقل والهواتف وآلات التسجيل والوقت المخصص لإعداد وتقديم البرامج الإذاعية اليومية والأسبوعية على السواء . وكثيرا ما كنت استعين بممتلكاتي الخاصة لقضاء مهام إذاعية مثل الجهاز الخلوي النقال الخاص بي ، وسيارتي الخاصة ، وآلات التسجيل الخاصة من مسجل وبطاريات وأشرطة تسجيل وما إليها تجنبا للمركزية الإدارية وكذلك لزوم وقت إضافي للعمل الإذاعي دون احتسابه للصحفيين .
سادسا : عدم التزام عشرات الموظفين بالدوام الفعلي وخاصة الإداريين في الهيئة وتأخرهم عن مواعيد الدوام الصباحية ، وكذلك إلزام الصحافيين بيوم دوام كامل ، علما بأنهم يحتاجون لأوقات زمنية مفتوحة ، فقد يتأخرون في الإعداد والتقديم للبرامج وخاصة الميدانية والمواعيد التي يحددها الأشخاص المعنيون بالحوارات والمقابلات .

تسجيل البرامج في استوديوهات رام الله
وتوصيلها لمبنى الإذاعة بأريحا

تسارعت الأحداث السياسية في فلسطين بين السلطة الوطنية الفلسطينية وقوات الاحتلال اليهودي لفلسطين ، ذات يوم ، فقد قتل أحد الفدائيين جنودا يهودا بالقرب من محافظة أريحا ، ففرضت قوات الاحتلال الصهيوني حصارا مشددا على أريحا ومنعت الدخول والخروج إلا لحالات نادرة ، كنا نداوم في مبنى الإذاعة في أريحا ، وهناك برامج وأخبار لا بد من تسجيلها لتبث عبر أثير صوت فلسطين ، ولكن يجب أن تدار من أريحا ، لم نتمكن من الوصول إلى مبنى الإذاعة في أريحا وكان لدي أربع برامج إذاعية ، واحد منها يومي وهو ( محطات عمالية ) تتراوح مدته ما بين 7 – 10 دقائق يوميا يذاع قبل الساعة السابعة صباحا من كل يوم ، وثلاثة برامج إذاعية موجهة لقطاعات فلسطينية وهي : ( في رحاب الجامعة ) و( شؤون بلدية وقروية ) ، و( شئون عمالية ) . ترى ماذا عسانا أن نفعل ؟ من جانبي قررت أن أسجل تلك المواد الإعلامية للبرامج المذكورة ، في استوديوهات رام الله وتوصيلها لمبنى الإذاعة في أريحا ؟ وكنت أحب التحدي والتصدي والمواجهة ، لا بد من إرادة قوية لا تستسلم لجبروت الاحتلال ، قلت لإدارة الإذاعة سأقوم بواجبي كاملا ، سأسجل كل المواد اللازمة لبرامجي الأسبوعية واليومية ، وعليكم طريقة توصيلها للبث ، وافقوني على ذلك ، أعددت عدة حلقات إذاعية لبرامجي المعهودة ، ودفعت بها لإدارة البرامج الإذاعية ، فطلبوا من سائق سيارة الإذاعة وهو من أريحا توصيلها فذهب لإيصال مواد إعلامية لي ولغيري ووصل الحاجز الصهيوني الجنوبي لمدينة أريحا ، وتم التنسيق مع هيئة الصليب الأحمر لنقلها للجانب الآخر فجاء سائق فلسطيني آخر تابع لصوت فلسطين وتسلمها من الصليب الأحمر عند الحاجز الصهيوني ، بعد ترتيب مسبق من وزارة الشؤون المدنية الفلسطينية والارتباط الفلسطيني – الإسرائيلي .
وكانت إذاعة صوت فلسطين ليس لديها إلا أستوديو بث مباشر واحد من أريحا ، ولم تكن أستوديوهات رام الله جاهزة للبث الإذاعي المباشر لأسباب تقنية ومادية ، فلم يكن هناك أجهزة كافية للبث من مدينة رام الله مصيف فلسطين الجميل ، وكان الاعتماد الكلي على أريحا .
لقد كانت إذاعة صوت فلسطين هي الرئة التي يتنفس منها الصحفيون الفلسطينيون لإيصال الرسالة الإعلامية الفلسطينية للشعب الفلسطيني ، منه وإليه ، وفي ذلك الوقت لم يكن هناك محطات إذاعية أو تلفزيونية خاصة والجميع مضطر للاستماع لإذاعة صوت فلسطين لمعرفة ما يجري على ساحة فلسطين السياسية والمحلية أولا بأول . لقد تم إيصال مواد البرامج الإذاعية ، وبث أحد برامجي في مساء ذلك اليوم ، وكم كانت فرحة لا توصف لقد انتصرنا ونجحنا ولو بالقليل القليل لإبقاء صوت فلسطين شعلة إعلامية نابضة بالحياة الطبيعية ، وكان من بين المواد الإعلامية هجوما إعلاميا شديد اللهجة على الحواجز الصهيونية وتوضيح للمستمعين كيفية معاناتنا وبثنا لإيصال الكلمة المسموعة لشعبنا الفلسطيني المجاهد .

عدم الالتزام بالوقت الإذاعي

في البث الإذاعي الفلسطيني عبر أثير صوت فلسطين ، معظم المواد الإعلامية مسجلة مسبقا حيث كانت تبلغ نسبتها أكثر من الثلثين ، والثلث الباقي على الهواء مباشرة ، من نشرات أخبار ، وأغاني ، وفلسطين صباح الخير وحوارات مباشرة طويلة وسواها . وكنا نقوم بتسجيل المواد الإعلامية اللازمة للبث بعد تدقيقها ومنتجتها لتخرج على الهواء مباشرة لتصل إلى أذان المستمعين الفلسطينيين في ارض الوطن ، حيث كان يغطي بث الإذاعة معظم أرجاء فلسطين فالبث وقتها كان يتم على الموجة المتوسطة لا الطويلة كما هو الآن بعد تدمير قوات الاحتلال الصهيوني لمبنى الإذاعة والإرساليات الهوائية الطويلة إبان انتفاضة الأقصى المجيدة في خريف عام 2001 .
هناك برامج كثيرة في الدورات البرامجية الإذاعية لصوت فلسطين من داخل الوطن ، كنت أتجول فيها في عالم فلسطين العام والخاص ، منها ما هو سياسي أو اجتماعي أو ديني أو اقتصادي أو موجه عام ، وكنت أتقيد بصورة كبيرة في الوقت المحدد لهذه البرامج ، وجل برامجي كانت مسجلة تسجيلا في الأستوديو فهي برامج طويلة إلى حد ما وتحتاج تعبا وجهدا شاقا ، وكنت أنا المعد والمقدم والمخرج والموسيقي في الآن ذاته ، ويقوم بالتسجيل للسواد الأعظم ومن ضمنها برامجي مشرف أو مهندس الكتروني مختص بالاتصالات ، ومن خلال التدريب أصبحنا نتقن هذا الأسلوب وكأنه أصبح مأكلنا ومشربنا وملبسنا ، لقد أصبح طبعا لا تطبعا مع مرور الوقت والتجربة المهنية الغنية . ولقد كنت أكره وأمل من العمل الإداري وأتجنبه ومهنتي وهوايتي هو العمل الإذاعي المهني المتخصص ، إعداد وتقديم وإخراج ، وكما يقول المثل إلعب وحدك ترجع راضي ؟ كنت أتحكم وأبرمج وقتي ، وأقدس الوقت في المواعيد والتسجيل والبث وما إلى ذلك . وكانت لدي برامج متنقلة في كل دورة برامجية تمتد لأربع شهور ، أو دورة طارئة مثل دورة شهر رمضان المبارك لشهر واحد فقط ؟ وهناك برامج موسمية خاصة لذكرى إسلامية أو قومية أو وطنية عامة . منها معجزة الإسراء والمعراج ورأس السنة الهجرية ، وذكرى المولد النبوي الشريف ، وعيد الفطر السعيد وعيد الأضحى المبارك ، والمناسبات الوطنية منها : ذكرى انطلاقة الثورة الفلسطينية ، ويوم الشهيد ويوم الأسير ويوم العمال العالمي ويوم الطفل العالمي ويوم المرأة العالمي ، ويوم الأم ، ويوم الكرامة ، ويوم الاستقلال الفلسطيني وبداية العام الدراسي للطلبة المدرسيين وبداية العام الأكاديمي للطلبة الجامعيين وغيرها . كنت أعد برامج خاصة في مثل هذه المناسبات بالتنسيق مع دائرة البرامج ، وكنت نشيطا جدا في مثل هذه الحالات ، فأعد مادة دسمة ، ولقاء أو لقاءات متعددة ونتفق على الوقت المحدد لكل برنامج مع دائرة التنسيق البرامجية بالإذاعة ، مثلا 30 دقيقة أو 45 دقيقة ساعة ، وكنت أطلب دائما الوقت الأطول وكانت موافقة كاملة على طلباتي ، فأن لا أعمل لنفسي بل أعمل بصورة مهنية للإذاعة ولشعبي الفلسطيني ، وتعبئته الإسلامية والقومية والوطنية العامة في شتى المناسبات والظروف .
وعلى الجانب الآخر ، هناك دائرة الأخبار في الإذاعة ، فهناك نشرات إخبارية مطولة ورئيسية وموجزة ، فمثلا برنامج نهار جديد من السابعة صباحا حتى الثامنة والنصف وبرنامج فلسطين صباح الخير له مدة زمنية طويلة إلى حد ما تبدأ من التاسعة حتى العاشرة أو الحادية عشرة حسب الدورة البرامجية ، ويتخلله النشرات الإخبارية والدعائية المتنوعة .
كنا نسجل البرامج المتعددة بأوقات زمنية أقل من الوقت المحدد لها بدقائق وأحيانا بدقائق زائدة عن المطلوب ، وهذا كان من الأمور التي تسبب إرباكا في مواعيد البث الإذاعي لصوت فلسطين ، وأحيانا يتم قطع البرنامج من آخره بسبب تمدد نشرة الأخبار عن الزمن المحدد لها ، 5 دقائق أو 10 دقائق أو 15 دقيقة . وأحيانا كان لا يبث البرنامج في وقته وخاصة في ظل حدوث أحداث طارئة على الساحة الفلسطينية فتأتي الموجة المفتوحة لمعالجة الوضع الفلسطيني العام على مدار اليوم ، وتلغى البرامج المعتادة تماشيا مع الحاجات الإذاعية والرسالة الإعلامية المستجدة وخاصة الميادين السياسية كحدوث صدام أو انتفاضة ضد الاحتلال واستشهاد شهداء في أرض الوطن ، أو محاولات اقتحام المتطرفين اليهود لباحات المسجد الأقصى المبارك . وكان ينتابني الضيق والضجر من قطع مؤخرة برامجي ، كغيري من معدي ومقدمي البرامج ، وهذا الخلل كان بسبب سوء إدارة دائرة الأخبار التي تضع ملفا طويلا من الأخبار الفلسطينية والعربية والعالمية العائمة ، وكثيرا ما يختصر مذيع النشرة الإخبارية أخبار النشرة ليتقيد بالوقت المحدد للنشرة تلك ، وأحيانا يتجاوز الفترة الزمنية المتاحة أمامه مما يسبب إرباكا وقطعا لنهاية البرنامج المسجل ، وهذا الأمر كان يضايق الشخص الذي كان الحوار يجري معه . وحدث الكثير من مرات قطع نهاية برامجي علما بأنني كنت ملتزما بالوقت المحدد لي ، بينما الخلل يأتي من مذيع نشرة الأخبار الذي كنت أوضح له لا بد من الالتزام بمواعيد النشرة ، وكنت أناقش هذا الكلام مع مدير عام البرامج وأحيانا مع مدير عام الإذاعة ، ومدير عام دائرة الأخبار ، فتصدر التعميمات الإدارية ويتم الالتزام بها لفترة محددة ثم تعود الأمور لسابق عهدها . وكنت أحاول تقصير الوقت المحدد لبرنامجي ليكون للبرنامج المحدد ب 45 دقيقه أجعله 43 أو 42 دقيقة ، وكان يكتب على شريط البرنامج أسم البرنامج ومدته ومواعيد بثه اليومية أو الأسبوعية لتلافي قطعه وبتره في نهايته . لقد أعددت وقدمت وأخرجت أكثر من 1000 حلقة إذاعية طيلة عملي في صوت فلسطين ما بين تموز 1994 – أيلول 2001 ، عدا عن مئات التقارير والحوارات التي بثت عبر أثير صوت فلسطين في النشرات الإخبارية اليومية الصباحية أو وقت الظهيرة أو المسائية أو الليلية .

من يسمح له بالحديث في صوت فلسطين
صوت فلسطين لجميع الفلسطينيين

كانت سياسة هيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية تسمح لجميع الفلسطينيين من الموالاة والمعارضة للسلطة الوطنية الفلسطينية بالحديث عبر أثير صوت فلسطين ، سواء في النشرات الإخبارية أو البرامج السياسية أو القطاعية الموجهة أو البرامج الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية أو الفنية وسواها . والشرط الوحيد لمن يريد الحديث أو التنفس عبر رئة صوت فلسطين هو عدم التجريح الشخصي وإبداء الرأي السياسي بغض النظر سواء أكان مواليا للنظام السياسي الفلسطيني الفتي أو معارضا له لا فرق . وهذا الأمر يخضع بالدرجة الأولى لمزاجية المذيع أو معد ومقدم البرنامج المعين . لقد زرت جميع المدن الفلسطينية في الضفة الغربية دون استثناء لإجراء حوارات ولقاءات ميدانية ولتعميق ثقة الناس بصوت فلسطين ، لبرامجي التي كنت أعدها وأقدمها ، وفي الآن ذاته كنت متطوعا أوجزها وأبعث تقريرا إذاعيا عنها بصوتي لدائرة الأخبار التي تبثها حالا ، بعد تجهيزها بصورة متقنة مما كان يضايق بعض المراسلين في هذه المحافظة الفلسطينية أو تلك أحيانا فأنا لست مراسلا إذاعيا أصلا ، ولكن تطوعي وطلب دائرة الأخبار كانت تأمل مني المزيد من الأخبار المحلية والسياسية لعلاقاتي وجولاتي الميدانية المفيدة للإذاعة .
فأنا شخصيا كنت أبادر وأدعو قيادات من حركة فتح وحركة حماس وغيرهما من الحركات والأحزاب والفصائل الوطنية والإسلامية إضافة للمستقلين ممن يرغب في الحديث عبر صوت فلسطين لبرامج سياسية أو غيرها . وكنت ممن يدعو للتجديد والإصلاح في الإذاعة وفق النهج الإسلامي القويم . وكثيرا ما طرحت في الاجتماعات العامة لدوائر الإذاعة ، أو دائرة البرامج رأيي بصراحة بضرورة أن يتنفس الفلسطيني من الرئة الفلسطينية التي هي صوت فلسطين ، وسحبهم من الحديث عبر الإذاعة الصهيونية ( صوت إسرائيل ) ودعوت لذلك بصورة واضحة في جميع برامجي بأن صوت فلسطين هو لكل الفلسطينيين ، أينما كانوا وحيثما حلوا والفئة التي لا أسمح لها بالحديث عبر صوت فلسطين من خلال برامجي ومساهمتي في التقارير الإخبارية هي فئة الضالين من أبناء شعبنا وهي الفئة المأجورة العميلة للاحتلال الصهيوني . فقد تحدثت ميدانيا مع أعضاء قياديين من شتى الحركات والجبهات والأحزاب الوطنية والإسلامية ، ووزراء في الحكومة الفلسطينية ومعارضين لها من حركة حماس ، كما استضفت في أستوديو الإذاعة في مدينتي أريحا ورام الله ، وهاتفيا وميدانيا مئات الأشخاص منهم أكثر من 30 شخصية إسلامية من حركة حماس ، سواء في البرامج السياسية أو الإسلامية أو الاقتصادية أو الجامعية أو العمالية أو المؤسسية وسواها . وجميع الشخصيات من قطاع غزة تحدثت معها عبر الهاتف لإجراء لقاءات وحوارات عامة للأخبار والبرامج التي أعدها وأقدمها وأخرجها . فمثلا استضفت من حركة فتح صخر حبش وعباس زكي وهما عضوان في اللجنة المركزية لحركة فتح ، ورفيق النتشة رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني السابق ، وعبد العزيز شاهين ، ومروان البرغوثي أمين سر حركة فتح في الضفة الغربية ، وأمين مقبول أمين سر حركة فتح في نابلس سابقا ، ، وأمناء سر حركة فتح في كل من جنين وقلقيلية وبيت لحم وأريحا . وكما استضفت العديد من الوزراء مثل د. صائب عريقات وزير الحكم المحلي ، وفريح أبو مدين وزير العدل ، وأبو علي شاهين وزير التموين ، ووزير التخطيط والتعاون الدولي د. نبيل شعث ، ووزراء النقل والمواصلات ، وجميع وزراء التعليم العالي ياسر عمرو ، ود. حنان عشراوي ، ود. منذر صلاح . وأعضاء في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية مثل غسان الشكعة ، ود. رياض الخضري ، وياسر عبد ربه ( فدا ) ود. سمير غوشة عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ، ووزير العمل ( من جبهة النضال الشعبي ) . وجميع رؤساء الجامعات الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة ، وجميع رؤساء البلديات الفلسطينية الكبرى والوسطى وعشرات رؤساء المجالس القروية في الضفة الغربية وقطاع غزة . ومن المجلس الاقتصادي الفلسطيني د. محمد اشتيه ، ومن الجهاز المركزي للإحصاء د. حسن أبو لبده ، وجميع وزراء العمل وغيرهم . ومن حركة حماس ، استضفت المهندس حسن القيق ، عندما كان مديرا لجمعية اليتيم العربي بالقدس ، ومدير المدرسة الصناعية الثانوية فيها حيث كان صديقا شخصيا لي ، وتبين لاحقا بعد وفاته بإعلان نشره أهله فيما بعد ، أنه هو الذي أختار اسم حماس من القاموس المحيط وهو الاسم الفعال لحركة المقاومة الإسلامية ( حماس ) فكنت أستضيفه في برنامج ( في رحاب الجامعة ) عدة مرات كونه أمين سر اللجنة العليا في فلسطين لمساعدة الطلبة العرب وهي لجنة سعودية بتعاون فلسطيني ، وكذلك استضفت النقابي حسين أبو كويك رئيس النقابة الإسلامية في فلسطين ، ود. خضر سوندك عميد كلية الشريعة بجامعة النجاح الوطنية ي نابلس ، وهو عضو مجلس الفتوى الأعلى في فلسطين ، ود. عمر عبد الرازق أستاذ الاقتصاد بجامعة النجاح الوطنية ، وأصبح لاحقا وزير المالية الفلسطيني في حكومة فلسطين التي شكلتها حركة حماس عام 2006 ، وذلك في برنامجي في رحاب الجامعة وشئون عمالية ، ود. علي السرطاوي ، الذي أصبح وزيرا للعدل في حكومة الوحدة الوطنية عن حركة حماس ، في برنامج ( آفاق إيمانية ) ود. فريد أبو ضهير ، ود. حسن خضر . ومن الجبهة الشعبية استضفت د. يوسف عبد الحق ، وبعض أعضاء المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية مثل عمر عساف، والنقابية آمنة الريماوي وسواها . هذا بالإضافة إلى فعاليات طلابية ونقابية عمالية وبلدية ومؤسساتية وشعبية عامة . لقد أتحت المجال لأي فلسطيني يريد الحديث كل باختصاصه عبر إذاعة صوت فلسطين وطبقت النهج الذي كنت أدعو إليه نظريا وعمليا ( صوت فلسطين لجميع الفلسطينيين ) .
ومن المسئولين العرب والأجانب تحدثت ميدانيا مع عشرات الشخصيات مثل وزير العدل القطري الذي حضر لأريحا ، ومسئولين مصريين كبار حضروا لرام الله ، ومسئولين بريطانيين وأمريكيين وكنديين وغيرهم .

برامجي وخدمات الجمهور الفلسطيني

كانت برامجي الإذاعية في إذاعة صوت فلسطين ، كلها برامج شعبية جماهيرية موجهة ، هكذا جعلتها وأخترتها ، فقد كنت ألاحق الحدث أحيانا واستبقه أحيانا أخرى وأتابعه في أطوار تالية . وكنت أحاول خدمة الجميع فيها ، فقد كنت خبيرا في الحكم المحلي المتمثل ببرنامج شؤون بلدية وقروية ، وخبيرا في شؤون التعليم العالي من وزارة التعليم العالي والجامعات والهيئات الأكاديمية والإدارية والهيئات النقابية للعاملين في الجامعات ، والكتل والحركات والمجالس الطلابية في الجامعات الفلسطينية كافة ، وخبيرا في الشؤون العمالية العامة للعاملين في القطاعين العام والخاص ، من وزارة العمل ، والحركات النقابية العمالية والعمال . وكنت خبيرا في شؤون المؤسسات العامة عبر برنامج ( مؤسساتنا ) الذي كان يذاع ثلاث مرات أسبوعيا في أكثر من دورة برامجية ، وخبيرا في الشؤون الإسلامية عبر البرامج الإسلامية المتعددة . وكنت مرجعية في الشؤون البرامجية التي أشرفت عليها طيلة فترة طويلة ، لا أقول ذلك فخرا ومخيلة وخيلاء ، معاذ الله أن يكون ذلك ، بل تواضعا وببساطة متناهية ، وهي خبرة وتجربة أعتز بها أنني خدمت بها قطاعات واسعة من شعبي الفلسطيني . وهي قطاعات تهم جميع أبناء شعب فلسطين مثل قضايا الاقتصاد والعمل والتربية والتعليم العالي ، والوزارات والمؤسسات والدوائر الحكومية ، وقضايا الحكم المحلي ، وكنت أجهز بعض المواد الإعلامية المعدة بشكل مختصر وموجز لنشرها وإذاعتها في النشرات الإخبارية لصوت فلسطين مما كان يكسب برامجي منهجية جماهيرية وشعبية عامة .
ومن ضمن الخدمات الإذاعية ما كنت أحل مشكلات عامة وخاصة لبعض المواطنين ، فمثلا ، حللت مشكلات كانت عالقة لدى ديوان الموظفين العام لعدد كبير من موظفي هيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية عبر الاتصال المباشر مع رئيس ديوان الموظفين العام بغزة وفي الضفة الغربية ، في مجال المعاشات الشهرية المنتظمة المتأخرة ، وصرف بدل المواصلات ، وبعض الترقيات الإدارية . وكذلك تزكية طلبة لدخول الجامعات ممن تنطبق عليهم شروط ومعايير القبول والتسجيل وخاصة في جامعة القدس المفتوحة ، والدراسات العليا في بعض الجامعات الفلسطينية ، وكذلك حل بعض المشكلات الطلابية الإدارية والمالية ، عبر توفير منح دراسية لطلبة محتاجين من مؤسسات فلسطينية وعربية . وفي أحد المرات الملفتة للنظر ، هي تقدم طالبة فلسطينية خريجة درجة البكالوريوس بتقدير 92 % من جامعة القدس المفتوحة ، للتسجيل في جامعة بير زيت ، وهي زميلة لي في الإذاعة ، فرفضت دائرة القبول والتسجيل قبول طلبها فاستنجدت بي ، فهاتفت عمادة الدراسات العليا بجامعة بير زيت أمامها ، وتم حل المشكلة حالا بالتنسيق مع عميد كلية الدراسات العليا بالجامعة وهو د. جورج وتم تسجيلها وقبلت لإكمال درجة الماجستير في بير زيت ، جامعة فلسطين الأولى علميا .
وفي ذات مرة ، ذهبت لتغطية إجراء انتخابات نقابية لنقابة الطب المخبري في فلسطين نظمت في مدينة أريحا ، فطلب مني أعضاء الهيئة العامة كوني محايدا ، أن أكون رئيسا للجنة الانتخابات والفرز فدهشت لهذا الطلب ولكنني لم أتخلى عنهم فلبيت لهم الطلب وبقيت معهم منذ ساعات الصباح الباكر حتى ساعات ما بعد العصر ، حتى نهاية التصويت والفرز وأعلنت نتيجة الانتخابات النقابية وذهبت للإذاعة وسجلت تقريرا وافيا عنها وحوارا نقابيا وأذعته بصوتي في نشرة الأخبار الرئيسية .
وقد كان لعملي الإذاعي وإشرافي على شؤون التعليم العالي بالإذاعة السبب المباشر في عملي كاستاذ غير متفرغ بجامعة القدس المفتوحة ، فقد ذهبت للتنسيق مع د. محمود عواد مدير منطقة نابلس التعليمية في جامعة القدس المفتوحة لإجراء حوار حول المنطقة التعليمية بالجامعة فعرض علي التدريس في الجامعة لمساق الإتصال والعلاقات العامة ولما أكن بعد قد أنهيت درجتي الجامعية الثانية الماجستير ، كان ذلك عام 1998 ، فقلت له أنا لم آتي لذلك ، ولكن طالما أنت تثق بي فسأكون عن حسن ظنك ، وبالفعل بدأت حياتي التدريسية بالجامعة منذ تلك الفترة حتى الآن .
وفي إحدى المرات التي طلبت من رئيس جامعة القدس المفتوحة د. سفيان كمال ، ومدير منطقة رام الله التعليمية د. جمال نوح الحضور لاستوديو الإذاعة بمنطقة أم الشرايط بمدينة رام الله لتسليط الأضواء على جامعة القدس المفتوحة ، فوجئت بطلبهم لي لأكون مديرا لدائرة العلاقات العامة في الجامعة فاعتذرت بأدب كوني لا أريد الدوام في القدس الشريف لأنها ابعد من رام الله عن سكني في محافظة نابلس ، وترهقني أكثر ، بالإضافة إلى رغبتي في الاحتفاظ بعملي المهني الإذاعي في صوت فلسطين . وكذلك لقد كان لعملي في صوت فلسطين الأثر البالغ في تحولي من متفرغ في صوت فلسطين والانتقال لمنصب مدير العلاقات العامة بوزارة التعليم العالي بناء على طلب الأستاذ الدكتور منذر صلاح أكرمه الله ، في 18 حزيران 2000 م ، وبدء عملي الفعلي بالوزارة في 4 تموز من العام ذاته ، حيث جاءت عملية النقل والترقية في آن واحد من الرئيس ياسر عرفات رحمه الله لدرجة مدير ( أ ) بناء على توصية وزير التعليم العالي ، مع استمراري بالعمل متطوعا بصوت فلسطين كما اشترط علي زميلي مدير عام الإذاعة آنذاك السيد باسم أبو سمية لخدمة التعليم العالي والجماهير الطلابية والعاملين فيها ، وعدم ترك فراغ فيما يتعلق بالمسائل الجامعية العليا وهذا ما طلبه مني أيضا الدكتور منذر صلاح إذ طلب مني البقاء معدا ومقدما لبرنامج في رحاب الجامعة مع أنني كنت مديرا لدائرة العلاقات العامة بوزارة التعليم العالي ، وبقيت إلى أن خرجت لإتمام دراستي للدكتوراه في مطلع تشرين الأول عام 2001 حيث ذهبت للعاصمة السودانية الخرطوم .

نشر وإلقاء جزء من مواد برنامجي في صوت فلسطين
في المجلات والصحف الفلسطينية
والدورات والمحاضرات التدريبية

هناك العديد من المواد الإعلامية التي كنت أعدها وأقدمها لصوت فلسطين أولا ، أعيد نشرها في مجلات وصحف فلسطينية ، مثل مجلة الميلاد ، التي تصدر عن أمانة سر المؤسسات في السلطة الوطنية الفلسطينية ، ومجلة الإسراء التي تصدرها دائرة البحوث في المجلس الفلسطيني الأعلى للفتوى ، وكانت هاتان المجلتان تبعثان بدلا ماليا رمزيا عن كل مادة إعلامية ، وكنت أنشر مواضيع متعددة بها بشكل متواصل في كل عدد تقريبا لا تقل عن سبع صفحات من الحجم الكبير ، وكذلك نشرها في صحيفة الحياة الجديدة وهي الصحيفة الرسمية للحكومة الفلسطينية ، فقد كنت أنشر معظم هذه المواد مجانية طبعا ، وبعض تلك المواد ينشر على صفحة كاملة مثل ذكرى المولد النبوي الشريف الذي نشرته مرة على صفحة كاملة في صحيفة الحياة الجديدة . وكذلك كنت أضيف أو أغير في بعض المواد لنشرها في مجلة صوت النساء التي كانت تدفع على كل موضوع مبلغا يتراوح ما بين 150 – 200 دولار أمريكي .
بالإضافة لذلك ، فقد كانت بعض المؤسسات الفلسطينية تطلبني للعمل معها وقت إجازاتي كمنسق أو ناطق إعلامي لبعض مؤتمراتها مثل وزارة التخطيط والتعاون الدولي ، وتدفع لي شيكا رمزيا يتراوح ما بين 150 – 200 دولار لليوم الواحد ، وكان هذا الاتصال يأتي وأنا في البيت وليس على حساب عملي الإذاعي طبعا . وقد تعاقدت مرة كمدرب غير متفرغ مع طاقم شؤون المرأة برام الله ، لإعطاء دورات تدريبية للنساء القياديات في العلاقات العامة والتشبيك مقابل نحو 800 دولار لكل دورة تستمر ثلاثة أيام متواصلة من وقت إجازتي كذلك . وإعطاء محاضرات تختص بالشؤون النسائية المتعددة ، وكانت صحيفة ( صوت النساء ) عبر مركز شؤون المرأة والأسرة في نابلس ، تطلب مني إعداد تقارير ومواضيع حية عن المرأة وتدفع عن كل موضوع مبلغ قدره 200 دولار أكتبها وأعدها وأنا في البيت ليلا أو أيام الإجازة .

تجربتي في تلفزيون فلسطين

تلفزيون فلسطين هو أحد جناحي هيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية التي نشأت ومارست عملها رسميا في 1 تموز 1994 ، ولكن نشأة وتطور التلفاز جاءت بطيئة ومتأخرة مقارنة بإذاعة صوت فلسطين . وان الفوج الأول يركز على صوت فلسطين لعدة أسباب وعوامل من أهمها :
أولا : فوج المتدربين الأوائل كان من الصحافة الإذاعية والمطبوعة .
ثانيا : الكوادر الإعلاميون العائدون من خارج فلسطين جاؤوا من صوت فلسطين في خارج البلاد من إذاعات فلسطين في بيروت وبغداد والقاهرة وصنعاء والجزائر وغيرها .
ثالثا : توفر المعدات والآلات الالكترونية اللازمة للبث كانت مخصصة لإذاعة فلسطين دون التلفاز . وقد احتجزت قوات الاحتلال الصهيوني معدات التلفزيون لفترة طويلة أخرت عملية تطور التلفاز بصورة مواكبة للإذاعة .
رابعا : عدم وجود مكان كبير يتسع لأعداد المتدربين في التلفاز بعكس الإذاعة التي مارست عملها بشقة صغيرة في أريحا أولا ، وسبق ذلك دورة تدريب ألمانية باللغتين الإنجليزية والعربية .
خامسا : المواد الإعلامية الصالحة للإذاعة والبث المباشر تختلف عن المواد الإعلامية المخصصة للتلفاز فمواد الإذاعة أسهل وأيسر إعدادا وتقديما وإخراجا واقل كلفة مادية .
سادسا : الاتجاه كان بأن تكون الإذاعة للضفة الغربية والتلفاز لقطاع غزة لتوزيع النشاط الإعلامي بين جناحي الوطن .
وغني عن القول ، إن كل من كان موظفا في هيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية هو موظف في صوت فلسطين وتلفزيون فلسطين في الآن ذاته . وشخصيا تدربت على الإعلام الإذاعي لصوت فلسطين في الدورة التدريبية الأولى للفوج الإذاعي الأول المؤسس في ربيع عام 1994 ، في مدينتي رام الله والقدس الشريف ، وكانت بداية عملي في صوت فلسطين كزملائي المتدربين الآخرين ، وبعد إنشاء الإذاعة وبثها لعدة شهور جرت عملية الإعداد لتلفزيون فلسطين . وبما أنني كنت أرفض معظم طلبات وتعليمات أوامر الإعلاميين العائدين من الخارج ، والإداريين في الإذاعة كالمدير الإداري للهيئة ، الذي عرض علي أن أكون من زمرته وشلته غير السوية إسلاميا ، ووعدني بأن أحصل على رتبة مدير عام في الهيئة إذا وافقتهم ونفذت مخططاتهم ، فرفضت ذلك رفضا قاطعا ، فلقد خبرته ، مرة واحدة عندما احتفلت مؤسسة بوندتشفت الألمانية بتخريجنا في أحد مطاعم مدينة أريحا الفلسطينية ، ونظمت لنا غذاء مشتركا ، فبادر ذلك الشخص لاحتساء المشروبات الكحولية وشرب الخمر أمام الجميع ، علما بأن هناك نصارى من المتدربين والمشاركين في تنظيم الاحتفال من الألمان وغيرهم ولم يتجرؤا لطلب المشروبات الكحولية إلا ذلك الشخص الذي اتخذت منه موقفي من تلك الحادثة ، إضافة لسلوكه غير المستقيم ، والابتذال الذي كان يمارسه ومسح الجوخ لبعض الإداريين ، وقال لي لن نعمل على ترقيتك وتطويرك إداريا ومهنيا ، ولا تحلم بمنصب إداري رفيع في الهيئة طالما لا توافقنا ؟ فقلت له إفعل ما بدا لك ، فأنا مصر على موقفي ، وراجعني عدة مرات وقال لي فكر مليا في الأمر ، منصب مدير عام وهو منصب ممتاز ، علما بأن درجتي الوظيفة هي الدرجة السادسة ، وهذا إغراء أولي ، رفضت المناصب والسلوك غير السوي والدخول في محور ضد محور آخر ، فآثرت الحياد بين الجماعتين المتنافستين في الهيئة ، الداخل والخارج ، وآثرت وفضلت العمل المهني الإعلامي والابتعاد عن العمل الإداري المقيت حسب ما أنظر إليه دائما ، فهم يريدونني كغيري معد فقط لا معد ومقدم للبرامج والأحاديث الإذاعية ، فقد سهلت مهام بعضهم ودربته على كيفية إعداد البرامج الإذاعية وتقديمها والتنسيق بشأنها مع الفعاليات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، وكنت ارغب في الخروج من مبنى الإذاعة في أريحا ، ذو الجو الحار فهو مناخ صحراوي وخاصة في فصل الصيف ، ورغبتي في الصعود لمبنى هيئة الإذاعة والتلفزيون في رام الله مصيف فلسطين الجميل ، وكذلك تسجيلي في جامعة بير زيت القريبة من رام الله للالتحاق ببرنامج الماجستير في الدراسات العربية المعاصرة عام 1996 ، كل ذلك جعلني أرفض معظم توجيهات العائدين ، فأخذوا يكيدون لي الكيد ، وكنت أنا أخطط فعليا للذهاب لرام الله ، وكنت ألمح لهم بذلك خوفا من رفض صعودي لرام الله ، وما كان من الأمر إلا أن وافقوا على خروجي من مبنى أريحا على رام الله ، للتخلص من تحريضي للصحافيين بعدم الانصياع لطلبات بعضهم المضللة ، فرحت كثيرا ، لابتعادي عن مركز المنافسة أولا ، ولقربي من جامعتي التي سجلت للدراسة بها لنيل درجة الماجستير ثانيا ، وكنت سألت ربي التسهيل فسهل لي كل شيء ، القبول في جامعة بير زيت والانتقال لمبنى الإذاعة والتلفزيون في رام الله المركز الرئيسي . والحمد لله رب العالمين ، كان صراعا خفيا بين أهل الداخل وأهل الخارج وكل جانب يحاول الاستئثار بمواقعه الإدارية ، وشخصيا لم يكن لدي طموحات إدارية كليا . نلت ما طلبت من ربي العزيز الحكيم ، وحمدته آلاف المرات على نقلي من أريحا إلى رام الله بعد سنتين من المرار والعذاب ذهابا وإيابا لأريحا حيث تبعد أريحا عن مكان سكني في نابلس 80 كم ذهابا و80 كم إيابا .
ففي رام الله ، الأقرب على جامعتي التي التحقت بها ، والأقرب جغرافيا كذلك على سكني في قرية عزموط بمحافظة نابلس جبال النار ، إذ تبعد نابلس عن رام الله 55 كم تقريبا . هناك رتبت أموري بشكل أفضل وأحسن ، بقيت برامجي الإذاعية معي كما كانت ، وأضفت عليها الإعداد لبرنامج تلفزيوني عن العمل ، وبنيت علاقات طيبة مع زملائي الجدد في مبنى الهيئة في رام الله ، واتفقت معهم على أن أقوم بإعداد وتقديم برنامج تلفزيوني بنفسي ، فوافقوا لي على ذلك ، كوني لدي خبرة طويلة في إعداد وتقديم برنامج شئون عمالية في إذاعة صوت فلسطين توأم تلفزيون فلسطين . أعددت العديد من الحلقات التلفزيونية ، ومكثت أعد وأقدم برامج تلفزيونية ستة شهور في التلفزيون بالإضافة إلى الإذاعة . وذات مرة تم تعيين أحد الموظفين العائدين الذين دربتهم على كيفية الإعداد والتقديم بمنصب مدير عام الأخبار في الإذاعة والتلفزيون ، وعقدنا جلسة جماعية لمناقشة شئون تحرير الأخبار والبرامج التلفزيونية ، وكان شخص آخر ممن قابلوني في برنامج التدريب الأولي في نيسان 1994 ، حيث أغدق عليه منصب رئيس تحرير أخبار التلفزيون ، تحدث بعض الموظفين وعندما جاء دوري وجه لي المدير العام الجديد الذي ساعدته ودربته على الإعداد والتقديم الإذاعي ، كلاما لم استسيغه ، وقال لي يا أخ كمال أنت تعمل في الإذاعة ولديك برامجك التي تعدها وتقدمها بنفسك ، فلا يجوز أن تعمل في التلفزيون كذلك ، فرفضت قوله وناقشته بحده ، وقلت له أنت أكثر من غيرك تعرف من هو كمال ، لا تنسى ذلك ، فلكل إنسان رجلين ويدين ، وكذلك حال عملي في هيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية سأستمر في العمل في كلا الجناحين ؟ اختصر الطريق والنقاش عندما رآني محتدا وجادا فيما أقوله وسأكشف أوراقه أمام الجميع التي لا يعرفونها من الحاضرين الجدد ، فقال له خلاص ابق كما أنت ، وهذا يتعبك ويرهقك ؟ قلت له مالك ومالي أنا أحب التعب والمشقة . وذات مرة ، طلب مني مدير البرامج في التلفزيون ( أبو فادي ) تدريب فتاة فلسطينية على إعداد وتقديم البرامج التلفزيونية ، وجاءت الفتاة وجلست معها ، أمام زملائي الحاضرين فرايتها من الكاسيات العاريات تقريبا فتملصت من التدريب حيث وجدت تخصصها العلمي تربية ابتدائية وليس صحافة أو علوم سياسية أو لغة إنجليزية كما هو معمول به في الهيئة ، فلقيت مخرجا وانسحبت من تلك الورطة .
وبالنسبة لإعداد البرنامج التلفزيوني كان الوضع في بدايته ، وهناك كاميرا تلفزيونية واحدة تسجل ما نقوله للمشاهدين ، فقد كنت أجرى اللقاءات الميدانية بمرافقة مصورين اثنين ، وكان التركيز على المقابلات مع وزير العمل آنذاك د. سمير غوشه ، ولقاءات وحوارات مع نقابيين ، ومواد إعلامية عن عمل الأطفال في الصيف ، وطبيعية الحقوق والمطالب العمالية وتجاوب اصحاب العمل مع هذه المطالب والحقوق القانونية . وهناك حلقات تلفزيونية عديدة سجلتها في أستوديو التلفزيون في مدينة رام الله وبثت على أثير تلفزيون فلسطين عدة مرات متتالية .
وما لبثت فترة قصيرة حتى نقل بقرار رئاسي إرسال تلفزيون فلسطين إلى مدينة غزة كون الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات كان مركز إقامته بمدينة غزة . وطلبت إدارة هيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية من كل صحفي أو موظف يريد العمل في التلفزيون الانتقال لمدينة غزة ، عبر تعبئة نموذج خاص لذلك ، رفضت الانتقال لمدينة غزة ، وفضلت البقاء في رام الله بالقرب من سكني ودراستي وعملي ، وهذا ما كان تركت العمل الإعلامي في التلفزيون ، وللحقيقة كان بعض الشباب يعدون بعض التقارير المتلفزة لبعض أخبار الضفة الغربية ويرسلونها لتلفزيون فلسطين في غزة ، ولم أكن أشاركهم في ذلك العمل لأنني مشغول بكثافة في الإعلام الإذاعي المحبب لدي . لقد كانت تجربة ممتعة وشيقة ومتعبة في الآن ذاته .
والله ولي التوفيق .
سلام قولا من رب رحيم . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
ملاحظة : يتبع .. ( تجربتي بإذاعة صوت فلسطين ) ( 4 ) .

رد مع اقتباس

تجربتي بإذاعة صوت فلسطين ( 4 – 4 ) الأخيرة
د. كمال علاونه
أستاذ العلوم السياسية
فلسطين العربية المسلمة

يقول الله العزيز الحكيم جل جلاله : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71) إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (73)}( القرآن المجيد ، الأحزاب ) . وجاء بصحيح مسلم – (ج 1 / ص 167) كان رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ ) . هذه التجربة الإذاعية الخاصة خلال فترة عملي في هيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية بين الأعوام 1994 – 2001 فقط .
البرامج الإذاعية التي أعددتها وقدمتها في صوت فلسطين
أولا : العمل في دائرة الأخبار

بدأت عملي المهني في إذاعة صوت فلسطين في مطلع تموز 1994 ، في عملية إعداد الأخبار والتقارير والملفات المحلية والفلسطينية السياسية والأخبار العربية والدولية . وقد أذعت بصوتي على الهواء مباشرة بعض المواد الإعلامية ، من استوديوهات الإذاعة في أريحا ، ولم تكن لدي الرغبة في أن أكون مذيع أخبار ، بل كانت رغبتي في أن أعد وأقدم برامج متعددة في صوت فلسطين ، بالإضافة إلى إعداد وتقديم تقارير ميدانية وهاتفية مسجلة لبثها في الإذاعة ، وذلك لتحاشي الالتزام والإلزام للبقاء بأوقات محددة في مبنى الإذاعة فقد تعودت على العمل الميداني في التدريب ، وسابقا عندما كنت كاتبا ومراسلا صحفيا في صحيفة الفجر المقدسية لمدة عامين ، ورفضت العمل الإداري كذلك لإيماني بأن خدمة شعبي تكون بتقديم مواد إعلامية جديدة وجادة وليس متابعة شؤون إدارية داخلية للموظفين ، فأنا أصلا خريج علوم سياسية وصحافة وليس إدارة . وقد اشتريت مسجلا صغيرا ممتازا حساسا من ماركة ( باناسونيك ) اليابانية الأصلية ، واشتريت هاتفا نقالا لتسهيل مهماتي الإذاعية العادية والطارئة ، وساعدني امتلاكي سيارة صغيرة أتنقل بها وقتما أشاء لأي مكان دون حاجة لبيروقراطية الإذاعة في التنقل ذهابا وإيابا في المهنة الإذاعية . وأعددت نفسي إعدادا ممتازا لتولي مهمة العمل المهني الإذاعي عن طيب خاطر ، فهذه مهنة وهواية في الآن ذاته ، ولي رصيدي المهني المناسب ، وأحب المطالعة والقراءة المستمرة والاطلاع على كل ما هو جديد . وقد سئمت العمل الإذاعي في دائرة الأخبار عندما طلب مني الدوام مناوبا في الفترة المسائية في أيام محددة من الأسبوع تبدأ عند الساعة الرابعة مساء وتنتهي حتى ساعات منتصف الليل ، وبعد ذلك كنت استقل سيارتي قاطعا المسافة بين أريحا إلى مدينة نابلس فقريتي عزموط ، مع ما يمكن أن يعترضني من خطر داهم عبر الحواجز الصهيونية الليلية ومن قطعان المستوطنين اليهود على الطريق ، وذلك للوصول لبيتي والنوم مع أسرتي الصغيرة ، مما أرهقني ، وأرهق أسرتي عبر الدوام المسائي . وكذلك إن التحول من دائرة الأخبار ذات الدوام المنتظم إلى دائرة البرامج يمكنني من العمل الميداني والقيام بزيارات ميدانية للوزارات والمؤسسات والاتحادات في المدن الفلسطينية وبالتالي الدوام الحر المفتوح وليس البقاء في مبنى الإذاعة الممل بدرجة الحرارة العالية في عز الصيف ، وفقدان التكييف المناسب . وكذلك هناك نقطة مهمة وهي وجود الحواجز العسكرية الصهيونية على مدخلي أريحا الشمالي باتجاه نابلس والجنوبي باتجاه رام الله ، التي كانت تمنع دخول أو خروج المواطنين ذهابا وإيابا ، كلما حدثت مناوشات أو قتل يهودي هنا أو هناك في إحدى المدن الفلسطينية أو المستعمرات اليهودية ، فتبقى السيارة التي تقلنا واقفة في طوابير طويلة قد تمتد لمئات الأمتار ، لعدة ساعات فيذهب الوقت هدرا وهباء منثورا كل ذلك ساعدني في طلب الانتقال من دائرة الأخبار إلى دائرة البرامج الإذاعية . وهذا ما كان ، خططت ونفذت بالتعاون والتنسيق الكامل مع إدارة هيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية ، وتحديدا مع مدير عام الإذاعة الذي تفهم طلباتي المهنية ووافق عليها مشكورا .
وفي سياق آخر ، كنا ذات مرة جالسين في هيئة تحرير الأخبار في الطابق الثاني ، لمبنى صوت فلسطين ، وكانت تلك الحادثة في فترة البث التجريبي للإذاعة التي استمرت ثلاثة شهور ( 1 تموز – 1 تشرين الأول 1994 ) وإذا بفتاة متبرجة تدخل أستوديو البث الإذاعي المباشر القريب من صالة التحرير ، مع بعض إداريي الإذاعة ، وتبدأ بإذاعة نشرة أخبار قصيرة ، صعقت للموقف ذلك ، لقد كنت أعرف صوتها كمذيعة في دار الإذاعة الإسرائيلية ( صوت إسرائيل ) لنشرات الأخبار المسمومة التي تبثها تلك الإذاعة المعادية لطموحات وأماني وآمال شعبنا الفلسطيني الذي يتوق للحرية والتحرير والاستقلال الوطني والخلاص من المحتل الأجنبي . لقد جاءت تلك الفتاة زائرة وضيفة على الإذاعة وطلبت أن تجرب صوتها في صوت فلسطين ، وسمح لها بتجريب صوتها ، فخرجت وخرج من حولي مذعورا عندما أوضحت لهم أن هذا الصوت هو صوت إسرائيلي وتساءلت : هل تم احتلال مبنى إذاعة صوت فلسطين من الاحتلال بهذه السرعة ؟ ونحن كنا موجودين نعد ونجهز الأخبار والبرامج المتعددة في صالة التحرير ، لقد كان موقفا غير موفق ، بل يدل على سطحية غير مقبولة من إدارة الإذاعة في ذلك اليوم ، وامتعضنا جميعا وسخرنا وعلقنا بتعليقات ساخرة وتركنا العمل في الأخبار وناقشنا هذه الزيارة المفاجئة التي غزتنا في عقر دارنا ، فلا للتطبيع الإعلامي مع الأعداء !! ولن نسمح لمثل هذه التصرفات بأن تعاد ولو فصلنا من عملنا ، فهذا عمل غير مهني وغير أخلاقي وغير مسئول بتاتا . وبعدما سمعت المذيعة الإسرائيلية الزائرة الكلام الصارخ هنا وهناك عادت أدراجها وانسحبت بهدوء وغادرت مبنى الإذاعة بسرعة فائقة ، لقد علمت أنها غير مرغوب فيها ، وأن هذا المكان ليس لها إطلاقا . وقد استهجنا هذا التصرف المفاجئ علما بأن إدارة هيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية كانت أبلغتنا أن لا نتحدث مع وسائل الإعلام الإسرائيلية عن أي شيء يتعلق بهيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية خوفا من تحويرها وتحويرها لأشياء مغايرة تماما لما نرنو ونطمح له حاليا ومستقبليا . فكان الاستغراب والاستهجان الجماعي من تلك الزيارة الغريبة المستغربة والمستهجنة في الآن ذاته على جميع الصعد والمستويات الإذاعية الإخبارية والبرامجية والإدارية .
ثانيا : العمل في دائرة البرامج الإذاعية
لقد عملت خلال فترة وجودي في إذاعة صوت فلسطين على إعداد وتقديم عديد البرامج القطاعية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية الموجهة لأبناء شعبي عامة ولقطاعات شعبية اجتماعية خاصة ، وكان الطابع الغالب على برامجي كافة هو الطابع الإسلامي الحقيقي ، وكان جزءا من الحوارات واللقاءات التي أجريها للبرامج اقتطع المناسب منها لنشرات الأخبار مع تقديم لها وتعقيب عليها من قبلي ، حيث كانت تذاع في نشرات الأخبار الرئيسية والمحلية حسب طبيعة المادة المسجلة . وكنا ندقق البرامج لغويا ، لإذاعتها باللغة العربية الفصيحة ، عبر الأخ الزميل عبد السلام العابد . وهذه البرامج كانت على النحو الآتي :
1. البرامج الإسلامية ( حديث الروح ، تاريخ الصيام ، مع الأنبياء ، آفاق إيمانية )
كانت البرامج الإسلامية هي البرامج المحببة لي في الإذاعة ، فقد كنت أوليها الاهتمام اللائق ، وأطبع موادها على حاسوبي الخاص في البيت أثناء إعداد المادة الإعلامية ، حتى ساعات متأخرة من الليل ، مستعينا بمكتبتي البيتية الخاصة المتواضعة المليئة بالكتب الإسلامية والكتب العامة والمتخصصة ، فلدي مكتبة خاصة يناهز عدد كتبها أكثر من 1300 كتاب ، عدا عن اهتمامي بالدوريات الفلسطينية والعربية من صحف ومجلات أولا بأول إذ اشتريها من مالي الخاص وأطالعها في البيت . وكذلك كنت مطالعا من الدرجة الأولى لما ينشر ويكتب يوميا في الصحف الفلسطينية مثل صحف : القدس والأيام والحياة الجديدة وكل العرب والرسالة ، والسياسة الدولية ومنبر الإسلام ومجلة الإسراء ومجلة الميلاد وكنت أحصل على نسخ مجانية من مجلات الوزارات والجامعات والبلديات الفلسطينية المتعددة ، وكانت بعض مراكز البحث العلمي الفلسطينية ترسل لي نسخا مجانية من مطبوعاتها لنشر موجز عنها في الإذاعة وهذا ما كان يحصل عادة . لقد كنت أقوم يوميا بورشة عمل إعلامية حقيقية ، عدا عن استماعي للعديد من المحطات الإذاعية والتلفزيونية والفضائية منذ ساعات الفجر الباكر ، واطلاعي المباشر على شبكة المعلومات العنكبوتية العالمية ( الانتر نت ) . وكانت مدة البرامج الإسلامية الزمنية المذاعة تختلف من برنامج لآخر ، فمثلا كانت مدة برنامج ( حديث الروح ) 30 دقيقة أسبوعية ، ومدة برنامج تاريخ الصيام 30 دقيقة أسبوعيا ، ومدة برنامج مع الأنبياء 15 دقيقة ثلاث مرات أسبوعيا ، ومدة برنامج آفاق إيمانية تتراوح ما بين 45 – 50 دقيقة أسبوعيا . وكان موعد بث معظم هذه البرامج بعد صلاة العصر . وفي البرامج الإسلامية كنت استضيف وزير الأوقاف والشئون الدينية والمدراء العامين في الوزارة وخطباء المساجد ، وأساتذة الشريعة وعمداء كليات الشريعة وأصول الدين بالجامعات الفلسطينية وأعضاء مجلس الفتوى الأعلى في فلسطين ، إذا كان الشيخ عكرمة صبري مفتي القدس والديار الفلسطينية ضيفا دائما في برامجي الإسلامية ، والشيخ تيسير التميمي قاضي القضاة الشرعيين في فلسطين بالإضافة إلى قضاة المحاكم الشرعية الفلسطينية ، وإلى المتدينين الآخرين من الحركات الإسلامية . وقد تطرقت البرامج الإسلامية لجميع المواضيع من رسالة التوحيد الإسلامية والصلاة والزكاة والصيام والحج ، والعقيدة الإسلامية والمعاملات الإسلامية كافة في الزواج والطلاق والمصارف الإسلامية والحلال والحرام في الإسلام بالإضافة إلى البرامج الإسلامية الخاصة بمناسبات الأعياد الإسلامية كعيد الفطر السعيد وعيد الأضحى المبارك ، ورأس السنة الهجرية ، وذكرى الإسراء والمعراج ، وذكرى المولد النبوي الشريف وغيرها . وكان يغلف هذه البرامج مسألة الاستشهاد بالآيات القرآنية المجيدة والأحاديث النبوية الشريفة والأحاديث القدسية وأقوال الأولياء والصالحين . وكنت أتطرق لحياة الأنبياء والصالحين والأولياء والأماكن الإسلامية المقدسة في فلسطين والعالم . وكان كل برنامج يتألف من : الكلمة الإسلامية الأولى ، والأخبار والفعاليات والنشاطات الإسلامية ، وملف العدد أو البرنامج ، والحوارات واللقاءات مع أصحاب الشأن والعلاقة في المواضيع الإسلامية والكلمة الختامية للبرنامج . وفي عام 1999 م – 1420 هـ ذهبت للحج لمكة المكرمة ضمن وفد إعلامي من الإذاعة بالتنسيق مع وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الفلسطينية . وكانت رحلة إيمانية ممتازة لا زلت أذكرها وأتمنى أن أحج مرات ومرات ، وكنت أمير البعثة الإعلامية للإذاعة لما كانت لدي خبرة في شؤون ومناسك العمرة والحج حيث كنت أديت مناسك العمرة في رمضان عام 1996 على حسابي الخاص . وكانت رحلة الحج والعمرة المقرونة مع بعضها البعض رحلة إيمانية ممتعة جدا ، حيث توجهت مع زميلي الأستاذ الصحفي عبد السلام العابد ، والمهندس جواد المبسلط في الطائرة لأداء مناسك الحج ، ومن المعروف أن الحج هو أحد أركان الإسلام الخمسة . فقد ذهبنا معا في الطائرة عبر مطار عمان الدولي ونزلنا في مطار مدينة جدة بالعربية السعودية وطبعا معظم تكاليف الحج العامة كوفد إعلامي فلسطيني كانت على حساب وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الفلسطينية ، فقد كنا نعمل هناك كإعلاميين ومرشدين للحجاج في الآن ذاته وكان لنا سكن خاص في نفس بناية بعثة الحج الفلسطينية . وقد أحرمت شخصيا من مطار عمان ، وأديت العمرة في مكة المكرمة والمسجد الحرام عند بداية دخولي للديار الحجازية المقدسة ، ثم لحقت بزميلي في أحد فنادق التي استأجرتها بعثة الحج الفلسطينية لعام 1999 م ، وأديت الحج والعمرة معا ثم أديت العمرة للمرة الثالثة في نفس تلك الفترة عن والدتي رحمها الله في نفس العام ونفس الرحلة الإيمانية . وقد مكثنا في الديار الحجازية أكثر من 3 أسابيع ، كنت أبعث مواد إعلامية لبرنامج آفاق إيمانية عبر الهاتف لاستوديوهات الإذاعة في رام الله من مكة المكرمة والمدينة المنورة ، بالإضافة إلى تنظيم لقاءات مع رئيس وأعضاء بعثة الحج الفلسطينية ، وتسجيل رسائل لحجاج بيت الله الحرام من أهل فلسطين مع زميلي عبد السلام العابد والمهندس جواد مبسلط ، حيث كان عدد الحجاج الفلسطينيين للديار الحجازية في ذلك العام نحو 10 آلاف حاج وحاجة .
وفي ذات مرة ، ركبت سيارة أجرة بين نابلس وأريحا متوجها لمبنى إذاعة صوت فلسطين في أريحا ، وأثناء ركوبي في السيارة لفت نظري راكبين اثنين ، يجلسان في المقعد الخلفي ، يتحدثان عن كازينو أريحا ، وهو كازينو الموبقات والكبائر والقمار ، يرتاده الأوروبيون وأبناء الجاليات اليهودية بفلسطين وبعض الفلسطينيين التائهين عن الهدى الإسلامي القويم ، ومن خلال حديثهما عرفت أن الإثنان كانا يعملان به ، فشرعا في الحديث والتفاخر بأنهم يتلقون راتبا قدره 2000 دولار شهريا من العمل في هذا المكان الموبوء بالمنكر والخمر والمسكرات والدعارة والملاهي . ففزعت من الحديث بعدما أنصت لهما نحو ربع ساعة ، فبدأت في الكلام ، وقلت لهم هذا عمل غير طيب وهو منكر من المنكرات وهو سلبية وخطيئة كبرى من سلبيات السلطة الفلسطينية ، فأنا كأسير فلسطيني سابق في سجون الاحتلال اليهودي ، لا أوافق على هذا البناء المخجل لنا جميعا ، فلم نكن نتوقع أن يقام مبنى كبير بعدة طوابق بهذا الحجم بجوار المسجد الأقصى المبارك عاصمة فلسطين المقدسة والسياسية والحضارية ؟ فسكت الاثنان وعقبا بأنه لا يوجد لهما عمل يدر عليهما دخل بهذا الكم من النقود ؟ فقلت لهم هذا مال حرام ، في مكان حرام ؟ وستخسرون مالكما بسبب هذا المنكر العظيم ؟ لقد فرغت غضبي بهما ، ولقنتهما درسا لن ينسوه أبدا ولكن لا حياة لمن تنادي ، فالشرير سيبقى شريرا مهما أنبته ونهرته وقارعته الحجة بالحجة ؟ وأخيرا اعترفا بخطأئهما في العمل به . وانتهت بنا رحلة السيارة ، ذهبا لحال سبيلهما حيث كانا يريدان السفر لعمان كما تحدثا وشككت بهما أنهما سيذهبان للكازينو الذي تعودا على العمل به وارتياده ؟؟ ذهبت لمبنى الإذاعة ، على بعد كيلومترين من موقف سيارات نابلس – أريحا – الجسر ، وقررت أن أطرق الحديث بشأن هذا الكازينو الخاطئ ؟ لقد صممت أن أتحدث عن الكازينو في برنامج آفاق إيمانية الإسلامي ، وليكن ما يكون في الإذاعة حتى لو تم فصلي منها . فهذا منكر يجب أن نحاربه ونحن على بعد كيلومترات قليلة منه . اتصلت حالا بالشيخ إسماعيل الجمل رحمه الله ، وكان مفتيا لمحافظة أريحا وعضو مجلس الفتوى الأعلى في فلسطين ، وخطيبا للمسجد الأقصى المبارك ، وهو من معارفي الذين أثق بهم من خلال تقديمه برامج إسلامية في إذاعة صوت فلسطين ونحن في أريحا . أخبرته عن الأمر واعتزامي تناول الموضوع بطريقة إسلامية ناهية عن المنكر وآمرة بالمعروف وأن نشن هجوما إعلاميا كاسحا على الكازينو ومن أسسه ومن يعمل به ، كائنا من يكون ؟ وأن نستشهد بآيات قرآنية مجيدة وأحاديث نبوية صحيحة ! ضحك وقال لي يا ابن أخي ، قد يفصلوك من الإذاعة ونحن بحاجة لك فيها ؟ قلت له فليكن ما يكون ، أنا مصمم على محاربة هذا المنكر ، وإذا لم ترد أن تشاركني فسأبحث عن شريك لي غيرك ؟ ضحك مرة أخرى ، وقال لي أنا معك ولكنني لا إريد إحداث ضرر لك ؟ قلت له لا تخف الأرزاق والأعناق بيد الله الواحد القهار ؟ سر من حديثي وشجاعتي وجرأتي على قول الحق وعدم خوفي أو وجلي من أي كان ؟ ذهبت لمبنى الإذاعة في رام الله ودخلت الأستوديو ، وسجلت لقاء وحوارا طويلا عن الكازينو وموقف الإسلام منه ، لمدة أكثر من 30 دقيقة من البرنامج الذي مدته 35 دقيقة ، وأنه يجب إزالته عن الوجود ولا يجوز لمسلم أن يعمل به ، وكان إنشاؤه خطأ بل خطيئة فادحة بحق فلسطين وأهلها المسلمين المرابطين في ارض الرباط ، وخاصة أنه يقع بالقرب من المسجد الأقصى المبارك البقعة المقدسة في أرض فلسطين المقدسة ، وأن الكازينو نجس نجس نجاسة مطلقة في أرض فلسطين المباركة . سجلنا البرنامج معا ، وقد توقعت إيقافي عن العمل ، وبث هذا البرنامج الجرئ من على أثير صوت فلسطين في موعد البرنامج المحدد ولم أبلغ أحدا عن ذلك ولم يعرف عن تسجيل البرنامج بهذا العنوان إلا ثلاثة ، الشيخ إسماعيل الجمل ، والمهندس الفني المشرف على التسجيل وأنا . وقد بث البرنامج من هنا ، وانهالت بعض الاحتجاجات من هناك ، من مسئولين كبار في الحكومة الفلسطينية ، ممن لهم ضلع في إنشاء الكازينو ، وكنت أنا في البيت فموعد البرنامج يبث مساء ؟ استمعت للبرنامج كاملا عند بثه من صوت فلسطين ، سعدت وسررت وضحكت كثيرا ، وكنت وضعت موعد يوم وزمان بثه وعنوان الحلقة بغير عنوان الكازينو بل اكتفيت بوضع عبارة ( آفاق إيمانية ) ولم أضع تفاصيل أكثر من ذلك ، فلم يقدر أحد أن يزيله عن البث ولم يعرف أي أحد عنه ، إلا أثناء البث وبعد البث ، فكان حديث الساعة في مبنى الإذاعة وفي المناطق التي كانت تستمع للإذاعة في ذلك الحين . جاءتني اتصالات من بعض الزملاء أن قد بث البرنامج فقلت لهم لقد استمعت إليه كاملا ، وقالوا لي جهز حالك لعقاب غدا . لم ألق بالا وأهتم بالعقاب المنتظر ، وقلت فلتفعل إدارة الإذاعة ومن ورائها من المسئولين الكبار ما يحلو لها ولهم ، فأنا موظف مثبت ، ولن يقدروا على فصلي ثم أنا أناقش وجهة نظر إسلامية في برنامج إسلامي فليغضب من يغضب ويرضى من يرضى من البشر فلا يهمني ذلك ؟ وما يهمني هو رضا الله العزيز الحكيم وفي اليوم التالي بعثت لي إدارة الإذاعة مذيعا آخر كبيرا في السن ممن يعد ويقدم برنامجا إسلاميا بعنوان ( يسألونك في الدين والحياة ) لمدة ساعتين تقريبا ، اسمه عارف سليم وهو شخص أحبه وتربطي به علاقات وطيدة ، فقال لي أخي كمال أريد أن أجلس معك لبرهة من الوقت ؟ عرفت موضوع النقاش فقلت له ، أنا جاهز لذلك تعال الآن ؟ جلسنا مع بعضنا وقلت له سأختصر عليك ، ماذا أبلغتك إدارة الإذاعة عن برنامج الكازينو احتار ماذا سيقول ؟ فهو يحبني كثيرا ، وأنا وهو نؤم بالمصلين في إذاعة صوت فلسطين بالمسجد للصلوات المكتوبة ؟ قال لا أعرف ما أقول لك ؟ إنه موقف حرج وحساس ؟ ولكنهم أبلغوني أن تبقى تعد برنامج آفاق إيمانية إعدادا فقط ويقدمه شخصا آخر ، فرفضت العرض وقلت له بل أنا من يعد ويقدم البرنامج في الوقت ذاته ، وإذا لم يعجبك ويعجبهم فخذوا البرنامج كاملا ، فشعاري في صوت فلسطين ، أن أكون مبني للمعلوم ولست مبني للمجهول ، فأخذ يقنعني بموضوع الإعداد فقط فرفضت جملة وتفصيلا ، وتخليت لهم عن البرنامج ، وعرضوه على العديد من زملائي ممن يعدون ويقدمون برامج أخرى غير إسلامية ، فرفض الجميع التجاوب معهم وجاءوا يسألوني عن المسألة فقصصت لهم الحكاية من أولها لآخرها ، فضحكوا وتضامنوا معي ؟ وأضطر أحد معدي ومقدمي البرامج أن يقدمه وأن يعده شخص آخر ، وقالوا لقد ورطتنا في ورطة فنحن ليس لدينا القدرة على إعداد برنامج إسلامي مثلك ، وكان بعضهم يتناول المسكرات كالبيرة والخمر وغيرها . فقدم حلقة واحدة من البرنامج ورفض ثانية بصورة قطعية ، وأخيرا أضطرت إدارة الإذاعة أن ترجع برنامج آفاق إيمانية لي ، بالإعداد والتقديم ، وطلبوا مني ذلك ، فرفضت إلا باعتذار خطي لي ، ولكن بعض الزملاء قال لي دعك من الاعتذار الخطي ، وأنا أعتذر لك نيابة عن الجميع وعن إدارة الإذاعة وعد إلى برنامجك . فعدت إليه فرحا مسرورا بأن نفذت ما كان يدور في رأسي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فلقد كان موقفا مشهودا . أعتز به طيلة حياتي أن أعارض وأطرح رأي الإسلام من صلب صوت فلسطين ضد أخطاء للحكومة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية التي وافقت على إقامة مثل ذلك المكان الموبوء بالمنكر والبغي والموبقات والكبائر . والله نسأل أن يوفقنا للمصلحة الإسلامية العليا ، إنه سميع قريب مجيب الدعوات .
2. برنامج الحكم المحلي ( شؤون بلدية وقروية )
اهتم هذا البرنامج بكافة شئون الحكم المحلي في فلسطين والوطن العربي والعالم إلى حد ما ، فكنت أعد الحوارات الميدانية والهاتفية والمباشرة في الأستوديو وتسجيلها وتجهيزها للبث مرة واحدة في الأسبوع بواقع 30 دقيقة زمنية ، تبث في ساعات ما بعد العصر أو المساء ، فهو برنامج يهتم بوزارة الحكم المحلي ، ويعالج مسائل قطاع الهيئات المحلية البلديات والمجالس القروية في البلاد . وكنت على تماس وتواصل مستمر مع وزير الحكم المحلي د. صائب عريقات عندما كان وزيرا للحكم المحلي لفترة طويلة . زد على ذلك ، متابعة شؤون مديريات الحكم المحلي الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة ، وقد حاولت تسليط الأضواء على السلطات المحلية العربية في فلسطين المحتلة عام 1948 ، إلا أنهم كانوا يرفضون ذلك ويخافون من الحديث معي كوني أمثل صوت فلسطين التابع للحكومة الفلسطينية ، وهم تابعين لوزارة الداخلية الإسرائيلية ، ولكنني كنت أغطي بعض فعالياتهم بطريقة غير مباشرة سعيا مني لربط تطلعات وأماني وهموم كل أهل فلسطين ببعضها البعض . فمثلا كنت أذيع فعاليات اللجنة القطرية للسلطات المحلية العربية في الجليل والمثلث والنقب والساحل الفلسطيني ( فلسطين المحتلة عام 1948 ) ، وواصلت إذاعة نشاطات بلدية الناصرة العربية ، وبلدية أم الفحم ، وكفر قاسم ، وبلدية شفا عمرو ، وبلدية سخنين وسواها من البلديات والسلطات المحلية العربية . وكنت أشارك في ورش العمل والحلقات الدراسية المخصصة لمناقشة قانون الحكم المحلي والهيئات المحلية والانتخابات المحلية وما إليها . وأنظم حوارات شاملة وجامعة عن هيئات الحكم المحلي في مختلف المدن الفلسطينية ذات البلديات الكبرى مثل غزة ونابلس وجنين وطولكرم وقلقيلية ورام الله والخليل وبيت لحم ورفح وخانيونس ودير البلح هذا بالإضافة إلى الهيئات المحلية للبلديات المتوسطة مثل سلفيت ويعبد وعرابة وبيت ساحور ومجالس قروية صغيرة في مختلف محافظات الوطن الفلسطيني . وكذلك سلطت الأضواء كثيرا على الاتحاد الفلسطيني للهيئات المحلية في فلسطين ، الذي يترأسه رئيس بلدية كبرى من البلديات الفلسطينية وتم تسليط الأضواء أيضا على مجلس الإسكان الفلسطيني والمجلس الاقتصادي الفلسطيني للتنمية والاعمار ( بكدار ) . لقد كان صلب هذا البرنامج يلامس هموم ومشكلات وتطلعات المواطنين والهيئات المحلية على السواء ، من مشاريع وخدمات وشبكات مياه وشبكات طرق وشبكات صرف صحي ومواصلات وتراخيص أبنية ، واهتمام ودور مجلس التنظيم الأعلى التابع لوزارة الحكم المحلي ، وآلية تشكيل الهيئات المحلية الفلسطينية . وباختصار كان هذا البرنامج يهتم بقضايا الحكومات المحلية الفلسطينية باعتبارها السلطة التنفيذية الثانية بعد الحكومة المركزية الفلسطينية في البلاد .
3. برنامج التعليم العالي ( في رحاب الجامعة ، جامعاتنا ، قضايا تعليمية وشبابية )
وهي برامج تهتم بشؤون التعليم العالي والتربية والتعليم والشباب ، في غالب الأحيان كان البرنامج فرديا للتعليم العالي ( في رحاب الجامعة أو جامعاتنا ) وأحيانا مضاعفا بشكل ثلاثي للتربية والتعليم ، والتعليم العالي ، والشباب . ويتألف البرنامج الذي كانت مدته الأسبوعية 45 دقيقة ، من العنوان والكلمة الأولى والأخبار والفعاليات التعليمية والشبابية ، وملف العدد ، وحوارات ولقاءات ميدانية وهاتفية واستضافة في الأستوديو لمن يستطيع الحضور من المعنيين بالأمر وخاتمة البرنامج ، إضافة للموسيقى الملتزمة التي تفصل الفقرات المذاعة عن بعضها البعض . وقد اكتسبت خبرة طويلة وكثيفة في شؤون التعليم العام والتعليم العالي والشباب عبر الإشراف على هذه المواضيع عدة سنوات متواصلة . وكانت هذه البرامج منوعة بصورة كبيرة مهنيا وحزبيا وطلابيا ورسميا وشعبيا . وكانت هذه البرامج تعتمد على المهنية الأكاديمية والتعددية السياسية والنقابية الجامعية ، فكنت أجري مقابلات وحوارات حسب الحاجة والفعاليات الجامعية مع رؤساء الحركات والكتل الطلابية الوطنية والإسلامية التي تضم : حركة الشبيبة الطلابية ، والكتلة الإسلامية ، والجماعة الإسلامية ، وجبهة العمل الطلابي وكتلة الوحدة الطلابية وغيرها . والتركيز كان منصبا على النشاطات والفعاليات للكتل الثلاث الأولى ( حركة الشبيبة والكتلة الإسلامية والجماعة الإسلامية ) كونها هي الأكثر جماهيرية التي تقود المسيرة الطلابية في مؤسسات التعليم العالي بحق وحقيق . وكانت هناك فقرة ثابتة عن المؤلفات الجامعية ورسائل الماجستير والدكتوراه ، ولقاءات طلابية متنوعة ومتعددة . وكنت أنقل وأذيع فعاليات ونشاطات الوزارات الثلاث المعنية بالأمر وهي : التربية والتعليم والتعليم العالي والشباب والرياضة ، مع التركيز على وزارة التعليم العالي كون البرنامج في غالب الأحيان كان برنامجا جامعيا . وكذلك كان البرنامج يتضمن مشاركات وفعاليات رؤساء الجامعات الفلسطينية كافة من الجامعات الحكومية والعامة والخاصة وكليات المجتمع جميعها تقريبا ، وحوارات ونشاطات نقابات العاملين في الجامعات الفلسطينية .
4. برنامج شئون عمالية
وهو برنامج أسبوعي ، من أوائل البرامج الإذاعية التي قدمتها عبر أثير صوت فلسطين ، يعالج البرنامج شؤون وزارة العمل الفلسطينية ، أخبارها ونشاطاتها وفعالياتها وقانون العمل الفلسطيني ، ومسائل العمل في الإسلام ، وقضايا ومطالب وهموم الحركة العمالية الفلسطينية في الماضي والحاضر والمستقبل ، وعلاقات الحركة العمالية والنقابات والاتحادات العمالية الفلسطينية مع منظمة العمل العربية ومنظمة العمل الدولية ، والاتحادات العمالية العالمية ، وعلاقات الاتحادات العمالية الفلسطينية مع نقابة العمال اليهودية ( الهستدروت ) . ويستضيف البرنامج الذي مدته 30 دقيقة أسبوعيا كلا من وزير العمل وبعض طاقم الوزارة والنقابيين وأصحاب العمل . وكثيرا ما كنت أعد حلقة ثلاثية الأبعاد : وزير العمل ، د. سمير غوشه ، أو رفيق النتشه ، وممثل عن الاتحاد العام لعمال فلسطين ، أو الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين ، وممثل عن أصحاب العمل . وكانت الحوارات واللقاءات النقابية تشمل رؤساء وأعضاء حركة الشبيبة العمالية ، مثل حيدر إبراهيم من جنين وشاهر سعد من نابلس ، أو راسم البياري من غزة وأعضاء اللجنة التنفيذية للاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين في الضفة الغربية وقطاع غزة ، وكنت أستضيف كذلك رئيس النقابة الإسلامية العامة النقابي حسين أبو كويك ، وهي نقابة تابعة لحركة حماس . وكان للمرأة العاملة والنقابة حصة لا بأس بها في هذا المجال حيث كنت أستضيف النقابيات في دائرة شؤون المرأة بالاتحاد العام لنقابات العمال في فلسطين من مختلف الاتجاهات والمشارب النقابية السياسية حسب طبيعة الحدث والفعاليات .
5. برنامج محطات عمالية
هذا البرنامج كان برنامجا مميزا فهو برنامج يومي مدته تتراوح ما بين 7 – 10 دقائق ، يبث يوميا قبل الساعة السابعة صباحا ، كنت أعده وأقدمه وأخرجه وحدي ، ويقوم المهندس المشرف بتسجيله بعدة حلقات كأن تكون ثلاث حلقات أو خمس حلقات حسب وقت الأستوديو ومواعيد الحجز اليومي لتبث تباعا حسب مواعيد بثها الزمنية اليومية ، بمادة إعلامية موجهة للحركة العمالية في القطاعين العام والخاص ، في شتى المواضيع العمالية المهنية والنقابية .
وكنت أركز فيه على المواضيع العمالية من وجهة النظر الإسلامية ، حسب القرآن المجيد والسنة النبوية المطهرة . فقال لي بعض المسئولين الكبار والصحافيين في الإذاعة وخارجها إنك حطمت ماركس ولينين والنظرة الشيوعية والاشتراكية للعمل عامة وخاصة ، وحولتها لمنهج إسلامي عريض . قلت لهم نعم إن الإسلام العظيم دين البشرية جمعاء وهو شامل وجامع وكامل متكامل أعطى الجميع حقه من العامل وصاحب العمل والنقابي ، والمسئولين جميعا وفق منهجية ورؤية إسلامية إبداعية خلاقة . وقد أرهقني هذا البرنامج الذي بث لعدة دورات برامجية ، فكنت أسجل له عدة حلقات يومية مستقبلية لتحاشي النقص أو التعرض لمنع دخول مبنى الإذاعة من حواجز الاحتلال اليهودي في فلسطين ، وسبب لي بعض المتاعب مع المسئولين في الإذاعة والوزارات الفلسطينية حيث كنت ناقدا بصورة بناءة للأخطاء بصورة مباشرة وتلميحا وتصريحا دون ذكر الأسماء طبعا واللبيب بالإشارة يفهم . واذكر بعض الحوادث التي نتج عنها بعض المشكلات ، ففي ذات مرة أعددت حلقة عن وزارة المالية وديوان الموظفين العام وانتقتهم انتقادا لاذعا لتأخرهم في صرف مستحقات الموظفين من الحكومة الفلسطينية عموما وفي هيئة الإذاعة والتلفزيون خصوصا ، وتتمثل تلك المستحقات المالية لشهور عديدة للموظفين ، وعدم احتساب بدل مواصلات كليا أو بصورة جزئية حقيقية ، وضياع ملفات موظفين هنا وهناك فأصبح بعض الموظفين التي تاهت ملفاتهم طريقها في وضع يرثى له ، فهاتفت وزارة المالية وطلبت منها حل مشكلات هؤلاء فقالوا إنها ليست لدينا ، فقلت لهم سأطرح الموضوع بقوة على منبر إذاعة صوت فلسطين الحكومية وتتحملون المسؤولية فقال وكيل وزارة المالية ممتعضا من الوضع الظالم لهؤلاء الموظفين الغلابى مشجعا لي : إذا لم تخرب فلن تعمر ؟ فهمت الرسالة أن وزارة المالية غاضبة وممتعضة من ديوان الموظفين الذي كان يماطل في حل المسائل الإدارية والمالية العالقة للعاملين في القطاع الحكومي وخاصة هيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية . ثم هاتفت ديوان الموظفين العام ، فتنصل رئيس ومدراء الديوان من الأمر ، ورفضوا الحديث معي كممثل لصوت فلسطين ومشرف على برنامجي العمل للعاملين في القطاعين العام والخاص . فأعددت المادة الإعلامية المطلوبة بصورة علمية ومهنية دقيقة لائقة ومدروسة فعليا ، وسجلتها لتبث في صباح يوم لاحق ، فكانت هجوما لاذعا مباشرا وغير مباشر في الوقت ذاته على وزارة المالية وديوان الموظفين العام . وبثت المادة التي مدتها 10 دقائق في صباح يوم من الأيام وسمعها الكثير من المسئولين والموظفين ، في الهيئة وخارجها ومن بينهم مدير عام البرامج في الإذاعة يوسف القزاز رحمه الله ، فاستشاط غضبا وأخذ يسب ويزمجر علي وأنا لم أكن في الإذاعة أصلا ، بل كنت في البيت فالساعة مبكرة ، وما لبث أحد المهندسين المشرفين على بث النوبة الصباحية في الإذاعة أن اتصل بي مهاتفة صباحية على جوالي النقال ، وقال لي القصة بكاملها ، وأوصاني دير بالك ؟ قلت له الله هو الستار ولا تخف فنحن لم نعمل شيئا خطئا بل هو عين الصواب !! ولا نبالي بغضب هذا وزعل ذلك فليحلوا مشكلة الموظفين العالقين بين وزارة المالية والديوان . وقد طلب منه مدير البرامج مادتي المذاعة فقال له المهندس أنه أتلفها كليا بعد بثها وسجل عليها مادة أخرى تضامنا معي وإنقاذا لي من موقف رسمي مضاد قد يؤذيني ، لأنني أنتقدت الحكومة الفلسطينية من إذاعة صوت فلسطين الحكومية وهو برأي مدير البرامج بالإذاعة خطا أحمرا لا يجوز تجاوزه ولكنني تجاوزته بعد ضياع حقوق الكثير من العاملين ولم أخف في الله لومة لائم مهما كان موقعه وصلاحياته . وعندما حضرت لأستوديو الإذاعة ناولني المهندس مادتي الإعلامية التي خبأها لي . لقد كان المهندس المشرف على تلك الفترة الإذاعية الصباحية صديقا حميما لي ، ومن مؤيدي طرق الموضوع بقوة أمام وزارة المالية وديوان الموظفين ويعرف أن لا ناقة ولا جمل لي في تلك المسالة وجل همي هو تحقيق حقوق العاملين المظلومين والمغلوبين على أمرهم . وعندما وصلت لمبنى الإذاعة في رام الله ، وكنت على علم مسبق بصياح وغضب مدير البرامج في الإذاعة ، فبادرت بالسؤال أين مدير البرامج الإذاعية الذي يسب ويشتم دون وجه حق ؟ تلاقينا أنا وهو على درج الإذاعة في الطابق الثالث ، وقلت لها مالك غضبان ومستفز ؟ والمادة التي تصيح عليها هاهي معي ، وإذا رغبت فسأعطيها لك غدا وليس اليوم ، وافعل ما تريد ؟ فأنا أدافع عن مظلومين ، وطرقت أبواب المعنيين فلم يجيبوا على أسئلتي ولدي برنامجين عماليين معتمدين من دائرة البرامج بالإذاعة بصورة رسمية لمتابعة شئون الموظفين والعاملين في القطاعين العام والخاص . هدأ روعه ، عندما قلت له إن المادة لدي وسأطلعك عليها ، وفتر غضبه وهدأ وقال لي لقد استعجلت الأمور ، ولن أفعل شيئا ضدك فأنت على حق ، ولكن لا يجوز انتقاد الحكومة انتقادا لاذعا بهذه الطريقة المباشرة ؟ قلت له هذا ما كان وأنا مصر على موقفي ، ولن يغير موقفك المعارض لي من موقفي الثابت شيئا . تركني وذهب في حال سبيله ، واخذ يتمتم ، ويقول لمن حوله : من يدعم كمال علاونه هذا في السلطة ، حتى أنه يجادل ولا يخاف أحدا ؟؟ سمعته وقلت له إن من يدعمني هو ربي الله سبحانه وتعالى ، ولست بحاجة لدعمك ولا دعم أحد غير الله العزيز الحكيم جل جلاله ؟ ذهب مدير البرامج ، وأصبحت قصة وحدث اليوم في الإذاعة قصتي ، ولم يتخذ أي عقاب ضدي نبل على العكس من ذلك ، تم حل مشكلة جميع الموظفين الذين أعطيت أسماءهم وأرقام وظيفتهم لرئيس ديوان الموظفين العام في غزة ، بناء على اتصاله الهاتفي ، ووعدني بحل كل القضايا التي أعطيته إياها على الهاتف عندما طلبني بمبادرة هاتفية منه ، وحل كل المشاكل العالقة لعشرة موظفين في الإذاعة خلال ثلاثة أيام فقط ، من رواتب ومعاشات شهرية متأخرة لنحو سنة لبعض الموظفين ، وبدل مواصلات لمن لم يتقاضاها ، وبدل مواصلات حقيقي لمن يفتقد ذلك ، وكان أن شكرني زميلين لي في الإذاعة على تصرفي ذلك الذي تسبب في تعجيل زواجها حيث كانا خاطبين بعضهما البعض وكانت لهما مبالغ مالية كبيرة على وزارة المالية الفلسطينية فقبضا مستحقاتهما إثر ذلك وتزوجا .
6. برنامج مؤسساتنا
هذا البرنامج الإذاعي في صوت فلسطين أعددته كحوارات أو لقاءات هاتفية أو ميدانية في شتى المجالات والميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ولإعلامية ، وكانت مدته 15 دقيقة ويذاع ثلاث مرات أسبوعيا ، ثم تحول لمرتين أسبوعيا . وهو برنامج إذاعي مختص بشؤون الوزارات والدوائر والهيئات والمؤسسات الحكومية والهيئات العامة والخاصة على السواء . فقد سلط الضوء على وزارات كثيرة ، ومراكز أبحاث عديدة ، ونقابات واتحادات مهنية وعمالية متعددة ، ولاقى رواجا كثيرا إلا أنه كان متعبا لي ، كونه يبث عدة مرات في الأسبوع . فقد نالت العديد من المؤسسات نصيبها من التفعيل الإذاعي الإعلامي المبرمج ، وبعض هذه المؤسسات أخذت حلقتين على مدار أسبوع واحد متواصل . وكان الكثير من المسئولين الفلسطينيين يعتب علي في التأخر عليه في طرق باب الوزارة أو الدائرة أو المؤسسة ، فمدة البرنامج محدودة ، ومادته زخمة كنت ألاقي في تهيئتها صعوبة بالغة فيجب علي أن أعرف خفايا الوزارة أو النوادي الاجتماعية أو المؤسسة لتوجيه الأسئلة الصحيحة ، وبعض الأسئلة كان ينبثق من بعض أجوبة المستجوب في الحلقة الإذاعية .
ويمكنني القول ، إن برنامج مؤسساتنا ساهم في ترابط الكثير من المؤسسات بصوت فلسطين ، عبر الحوارات واللقاء التي نظمتها مع عشرات المؤسسات والهيئات الحكومية منها نواد اجتماعية شبابية ، ومراكز بحثية علمية ، وجمعيات خيرية ، ومؤسسات واتحادات شعبية طلابية ونسائية . وكنت أعاني كثيرا من مماطلة بعض المسئولين وعدم التزامهم بالمدة الزمنية المحددة سلفا لهم ، فمثلا أجريت مرة لقاء مع عبد العزيز شاهين وزير التموين ، عبر الهاتف ، أنا من أستوديو الإذاعة برام الله وهو من غزة ، وقلت له إن مدة البرنامج 15 دقيقة والمطلوب منك الحديث والإجابة على الأسئلة بما لا يتجاوز 13 دقيقة فقط ، فأخذ يتحدث ويتحدث ولا أوقفه بتاتا وبلغ طول الحوار 29 دقيقة ، فاضطررت أن اقسم الحديث الإذاعي على حلقتين ، مما تسبب في أخذ وزارته نصيب غيرها من الوزارات والمؤسسات في حلقة ثانية . وهذا كان يسبب لي إشكالا كبيرا في عدم امتثال المتحدثين بوقت البرنامج المعين سلفا ، وكان يتعبني ويتعب المهندس المشرف على التسجيل في الإنتاج والتجهيز ، خاصة وأنه لم يكن البرنامج الوحيد الذي أعده وأقدمه بل كانت هناك برامج أخرى متعددة ومتنوعة الأهواء والمشارب . وكل شخص يقول إن مؤسسته فعالة وكبيرة تستحق أكثر من حلقة واحدة . وفي حلقة إذاعية أعددتها عن الجهاز المركزي للإحصاء ، عاتبني وزعل رئيس الجهاز آنذاك وهو د. حسن أبو لبده بسب تأخري على تسليط الضوء على الجهاز للحلقة الخامسة عشر وقد أضطررت لاحقا أن لا أعيده في دورات برامجية أخرى لأسباب فنية ومهنية وأنانية بعض المسئولين الراغبين في الحديث بكثرة ، وكذلك عدم التزام البعض الآخر بالمواعيد المحددة والزمن المحدد لهذا البرنامج الحيوي الهام إعلاميا ، فلمست بدلا من أسلط الضوء على هذه المؤسسة أو تلك ، سأتخاصم مع بعضهم ، الأمر الذي كنت أرفضه رفضا باتا .
7. برنامج نافذة على الوطن العربي
اهتم هذا البرنامج بشؤون الوطن العربي الكبير من المحيط الأطلسي حتى الخليج العربي ، وكانت مدته 30 دقيقة أسبوعية ، ويبث مساء بعد ساعات صلاة المغرب ، وهو برنامج شامل جامع سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي وحضاري ، وقد أعددته وقدمته وأخرجته وحدي وكنت أسجله في أستوديو الإذاعة في رام الله ، عندما كنت موظفا في هيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية وطالبا لدرجة الماجستير في الدراسات العربية المعاصرة في جامعة بير زيت في الوقت ذاته حيث كنت متفوقا في تلك الدراسة وحصلت على تقدير عام جيدا جدا ( 85 % ) من الجامعة . وكانت مادة البرنامج تتمثل في الكلمة العربية الأولى ، تتناول موضوعا معينا ، وأتولى إعداد أخبار عربية من هنا وهناك ، من وكالات الأنباء والصحف والإذاعات ومحطات التلفزة ، وكنت أسجل بعض الحوارات مع رؤساء دول عربية أو نوابهم أو قيادات عربية شعبية وحزبية مرموقة من إذاعة مونت كارلو وغيرها مما يهم برنامجي العربي المتخصص . وقد سعدت بهذا البرنامج كوني كنت ممارسا ودارسا للسياسة العربية المتعددة الأشكال والوجوه . فتارة أخصص البرنامج ، عن فلسطين ، وتارة عن العراق وتارة عن تونس أو المغرب أو لبنان أو سوريا أو السعودية والأماكن المقدسة أو الإمارات العربية المتحدة أو قطر أو غير ذلك . وكنت أهتم بإدارج وقائع المؤتمرات العربية في برنامج ( نافذة على الوطن العربي ) فكانت نافذة واسعة وفسيحة . ولكن سياسة الإذاعة يبدو أنها لم يرق لها ذلك ، فقد كنت أنا ارسم سياسة برامجي ، وخاصة هذا البرنامج الحساس في الإذاعة كونه يتناول كل ما هو عربي ، دون قيد أو شرط ، فتوقف في الدورة اللاحقة .
8. برامج خاصة
تشتمل البرامج الخاصة على ذكرى مناسبات وطنية وإسلامية متعددة طوال العام ، وهذه البرامج كانت موسمية ليوم واحد مثل يوم إنطلاقة الثورة الفلسطينية في 1 / 1 / 1965 ، وإنطلاقة البث الإذاعي الفلسطيني من أريحا في 1 / 7 / 1994 ، ويوم الشهيد الفلسطيني في 7 / 1 سنويا ، ويوم الشجرة أو التخضير الفلسطيني في 14 / 1 سنويا ، ويوم المرأة العاملة العالمي في 8 آذار ، ويوم الأم في 20 آذار ، ويوم الأرض في 30 آذار سنويا ، ويوم الأسير الفلسطيني 17 نيسان ، ويوم العمال العالمي في 1 / 5 سنويا ، ويوم الطفل العالمي ، ويوم الصحافة العالمي ، ويوم الاستقلال الفلسطيني في 15 / 11 سنويا ، وذكرى تقسيم فلسطين الظالم في 29 تشرين الثاني سنويا ، ويوم المعلم الفلسطيني في 14 كانون الأول سنويا وغيرها من المناسبات الثابتة والطارئة . هذا بالإضافة إلى البرامج الخاصة بالمناسبات الإسلامية التي سبق ذكرها في البرامج الإسلامية . وكانت تتم معالجة هذه البرامج باستضافة شخصيات معنية ، وإعداد مادة إعلامية خاصة عن تلك المناسبة أو الحدث ، لتعريف المستمعين بها ، وتذكير الناس بها أولا بأول .
علاقة إذاعة صوت فلسطين في أرض الوطن وصوت فلسطين في المنفى
بدأ صوت فلسطين صادحا في أريحا في 1 تموز 1994 ، بينما بدأ بث صوت فلسطين – صوت منظمة التحرير الفلسطينية عام 1965 ، ثم بعد إنشاء الثورة الفلسطينية المقاتلة عامة وإنطلاقة حركة فتح تم إنشاء صوت فلسطين ( صوت العاصفة ) ثم تطور ليصبح صوت فلسطين – صوت الثورة الفلسطينية حيث بدأ بثه من القاهرة بتعاون مصري – فلسطيني عام 1968 . وكان عدد العاملين بصوت فلسطين في القاهرة أربعة أشخاص بينما بلغ عدد العاملين في صوت فلسطين في أريحا في ارض الوطن الفلسطيني 15 صحافيا ومهندسا بالإضافة إلى 7 إداريين في هيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطيني .
وما أن بدأ صوت فلسطين في أريحا حتى بدأت الوفود الإعلامية الفلسطينية من المنفى تعود مع العائدين من أبناء الثورة الفلسطينية من المنفى بعد توقيع اتفاقية القاهرة في 4 أيار 1994 بين الجانبين الفلسطيني والصهيوني . وكان أول الغيث قطرة فقد التحق أحد الذين كانوا بصوت الثورة الفلسطينية في بغداد وهو ( أبو نيسان ) من نابلس حيث جاء لصوت فلسطين وبدأ يعد النشرات الإخبارية مع الصحفيين الفلسطينيين الأوائل ويذيع بعض النشرات الإخبارية ، إلا أنه سرعان ما ترك العمل الإذاعي لأسباب اقتصادية وإدارية إذ لم تجري عملية اعتماده في الهيئة ليكون موظفا جديدا وتأخر اعتماده وأصبح كغيره ينفق على نفسه ذهابا وإيابا من نابلس إلى أريحا لعدة أسابيع وهذا أمر لمن يكن يطاق لدى البعض ولديه أيضا ، فترك الإذاعة وذهب في حال سبيله كما كان البعض الآخر ممن جاء والتحق بالإذاعة حيث أراد العودة لبيته فلم يكن هناك اعتماد مالي لجميع الموظفين إلا لاحقا وهذا خلل فني وإداري في الوقت ذاته ، وتأجيل من ديوان الموظفين في غزة الذي كان يماطل اليوم تلو الآخر والأسبوع تلو الأسبوع مما أرهق الموظفين الجدد المفترضين في هيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية .
ثم توالت أسراب القادمين العائدين من الصحافيين إلى فلسطين فجاء أكثر من عشرة مذيعين ممن كان يعمل في صوت فلسطين وفي مجلة فلسطين الثورة ووكالة الأنباء الفلسطينية ( وفا ) في المنفى . تعرفت على جميعهم بلا استثناء ، وهناك منهم من أراد أن يساهم في دفة قيادة سفينة هيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية فنجح ومنهم من ترك وعاد أدراجه إلى عمله السابق ، بسبب الشح المالي وعدم تنظيم الوضع الداخلي في الهيئة لفترة ليست بالبسيطة امتدت نحو ستة شهور . وقد عين لاحقا بعضهم في مناصب إدارية مهنية مثل مدير دائرة البرامج ، فقد طلب مني ذلك المذيع القديم الجديد في صوت فلسطين في الداخل والخارج أن لا أقول في افتتاحية البرامج ( السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ) يقول لي قل : أسعد الله أوقاتكم ، وصباح الخير ومساء الخير ، وكنت لا ألتزم بكلامه وتوجيهاته الهزلية هذه وناقشته مرة فقلت له لماذا تتصرف هكذا نحن مسلمين ؟ سأقول للمستمعين ( السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، واسعد الله أوقاتك ، أو اسعد الله صباحكم ، أو اسعد الله مساءكم ، وطبتم وطابت أوقاتكم فهذه تحيات إسلامية ، ولن أنفذ والتزم بما تقوله لي ، صباح الخير ومساء الخير قل ذلك أنت وحدك فغضب وتمتم في نفسه وعقله تمتمات لم أفهمها ولكنني فهمت المعنى والمغزى العلماني له واستوعبت الرسالة بصورة ممتازة ، بأن لا أنفذ له أي طلب له من هذا القبيل ، فنحن بلاد إسلامية مباركة قدسها الله جل جلاله ، وخاطبته قائلا : حتى مذيعي الإذاعة الإسرائيلية يقولون السلام عليكم ورحمة الله فما بالنا نحن المسلمين الفلسطينيين لا نقول لمستمعينا تحية الإسلام العظيم ، تركني وشأني بعدما زهق مني ، ولم أنفذ طلباته . وعلى الجانب الآخر كنت أحرض زملائي المذيعين ومعدي ومقدمي البرامج على إلقاء تحية الإسلام على المستمعين لصوت فلسطين ، وهذا أقل شيء نقوله لمستمعينا الأعزاء الكرام .
وفي إحدى المرات ، ذهبت لإجراء لقاء إذاعي ، مع الدكتور منذر صلاح رئيس جامعة النجاح الوطنية في نابلس ، وهو أول لقاء لبرنامج في رحاب الجامعة بعد انتهاء فترة البث التجريبي وبداية البث الرسمي للإذاعة ، وكنت أكن لجامعة النجاح الوطنية كل تقدير واحترام فهي الجامعة التي تخرجت فيها في نيسان عام 1986 من قسم العلوم السياسية والصحافة ، وتخرجت منها زوجتي كذلك من نفس التخصص والقسم بعدي لاحقا ، فأردت أن أسلط الضوء عليها ، أجريت اللقاء الإذاعي المعد والمنسق له سلفا مع إدارة جامعة النجاح الوطنية ، وأردت أن أبدا بالبرنامج بداية مهنية قوية ، وكان لقاء لمدة نحو 12 دقيقة حول نشأة الجامعة والواقع الراهن وخططها وبرامجها ومشاريعها المستقبلية وما إلى ذلك ، وأصر د. منذر أن يضيفني شيئا ، فقال هل تشرب شاي أو قهوة أو عصير ؟ فقلت له لا لن أشرب شيئا وأرجوك أن تعفيني ؟ كان ذلك يوم ثلاثاء ، فأبيت الضيافة ، لا لشيء سوى أنني كنت صائما في ذلك اليوم ، فطلب لي فنجان من القهوة ، فقلت له لا احتسي القهوة ، ونادى على المراسل وقال له أحضر كوبا من الشاي ، فرفضت أيضا ، وقال لي مالك يا أخ كمال لماذا لا تريد أن تشرب ضيافتنا ، اعتذرت ثانية ، وأصر على معرفة السبب ، قلت له أنا صائم في هذا اليوم ، استغرب وقال ، على أي مذهب أنت صائم اليوم ، فاليوم ليس برمضان ، وما قصتك ؟ ترددت في الإجابة ولكنه أراد أن يأخذ إجابة شافية ووافية ، فقلت له هل تعرف الأيام الثلاثة البيض القمرية ، تذكر وقال نعم ، قلت له أنا أصوم الأيام الثلاثة البيض شهريا من الشهر العربي القمري ؟ يبدو أنه فوجئ بردي المفاجئ ولم يختر على باله من هذه الناحية ، فالسواد الأعظم من الناس يعرفون أن العاملين بالإذاعة والتلفزيون غير متدينين ، فقال تقبل الله صيامك ، لا بأس . لقد كان حديثا شيقا مع رئيس جامعة النجاح الوطنية وديا ومهنيا وأكاديميا في الآن ذاته وقد أذعته عدة مرات في البرنامج الجامعي وفي أوقات أخرى . وبعد أن أنهيت اللقاء مع الدكتور منذر صلاح قال لي هل تعرف الحاج خالد مسمار ؟ فهو كان مذيعا في صوت فلسطين في الخارج ، قلت له أنا لا أعرفه حتى الآن ، ولكنني أسمع عنه كثيرا ، فسوف التقيه لاحقا إن شاء الله تبارك وتعالى . وعندما انتقل عمل هيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية إلى رام الله ، جاءت شخصية إذاعية مرموقة لمبنى الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية ، لقد كان العميد الحاج خالد مسمار ، مسئول التوجيه السياسي والوطني والمعنوي في الأمن الفلسطيني في الضفة الغربية ، تعرفت عليه ورحبت به بحرارة ودعوته للمشاركة في برنامج كنت أعده بعنوان ( قضايا تعليمية وشبابية ) فلبى الدعوة ، وشارك عن طبيعة مهام ودور التوجيه السياسي والوطني والمعنوي في فلسطين ، وكان لقاء عقد في أستوديو الإذاعة في صوت فلسطين برام الله . ثم دعوته في مرات لاحقه ، للحديث عن صوت فلسطين في المنفى ، كونه كان أحد أفراد الفوج الإذاعي الأول المؤسس لصوت فلسطين صوت الثورة الفلسطينية في القاهرة ، وتحدث أيضا في نفس البرنامج صخر حبش عضو اللجنة المركزية لحركة فتح ، عن إذاعة زمزم 105 في عمان في الأردن في فترة العقد السابع من القرن العشرين الماضي . لقد كان الحاج خالد إذاعيا مميزا وقورا طيب الأخلاق متواضعا ، ومتدينا وهذا ما أعجبني فيه وقريب إليه كثيرا فأصبحنا زملاء وأخوة وكأننا نعرف بعضنا بعضا منذ سنوات طويلة ، إنها لقاءات بسيطة حتى دخل هذا الحاج أبو عبد الله قلبي وأرتحت له ، وكان أبني البكر هلال تعرف عليه ولاعبه واحترمه ، فبقي اسم الحاج خالد في ذهن ابني هلال . وفي إحدى المرات نظمت هيئة التوجيه السياسي والوطني معسكرات صيفية في مختلف مدن الضفة الغربية ومنها مدينة نابلس ، وكان هلال الخطيب والمتحدث باسم أشبال فلسطين في الاحتفال المركزي بمدينة نابلس ، وقد خطب وجاهيا ارتجاليا وحيا فيها الحاج خالد مسمار الذي بقي اسمه راسخا في ذاكرته في ذلك اللقاء السابق ، وقد سر الحاج خالد لهذه اللفتة الكريمة والتحدث عنه أمام احتفال رسمي نظم في مقر الأمن الوطني في سجن الجنيد سابقا أيام الاحتلال الصهيوني من شبل فلسطيني عرفه وألتقاه مرة واحدة ، لقد غرس الحاج خالد حبه في قلب ولدي .
انتقالي من صوت فلسطين لوزارة التعليم العالي
بعد مكوثي نحو سبع سنوات صحافيا في هيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية ، حيث كنت أعد وأقدم العديد من البرامج الفلسطينية الموجهة لقطاعات هامة خاصة وعامة معينة من شعبي الفلسطيني ، وكنت بارا ومخلصا في عملي المهني ، إلا أن الوضع المالي والإداري لم أعد أحتمله ، فقد أنهيت درجة الماجستير في جامعة بيرزيت في الدراسات العربية المعاصرة ، في حزيران 1998 بتقدير جيد جدا ( 85 % ) وسجلت لبرنامج الدكتوراه في جامعة النيلين في العاصمة السودانية الخرطوم بعد إعادتي وإرجاعي مرتين من الأمن المصري عند معبر رفح بقطاع غزة عندما كنت ذاهبا للتسجيل لدرجة الدكتوراه في جامعة الأزهر بالقاهرة ، ضمن وفد رسمي . لقد كانت درجتي الإدارية الوظيفية نائب مدير ، بعد توقيعي قرارا من الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات يقضي بحصولي على رتبة مدير ( أ ) وتلكؤ إدارة الإذاعة والتلفزيون في تنفيذ هذا القرار إداريا وماليا لعدة سنوات منذ عام 1996 – 2000 . فقد كنت مخلصا في عملي المهني ولكنني كنت أحس بالظلم الإداري والمالي الذي ينتابني ، فقد حصل أشخاص صغار في السن وخريج جديد من إحدى الجامعات ، لا يبلغ عمره 26 سنة على درجة مدير ( أ ) بينما كان عمري في ذلك الوقت 39 سنة ولم أحصل على تلك الدرجة رغم أنني كنت من الفوج الإذاعي الأول المؤسس . وفي ذات يوم من أيام السبت ، تأخرت على الدوام حيث قدمت من نابلس لرام الله وكانت أزمة مواصلات شديدة ، إذا دخلت لوسط رام الله بسيارتي ولم أتمكن من الخروج جراء الأزمة الكبيرة في السير ، فيوم السبت هو أحد أيام الأسبوع الحيوية والغالبية جاء بسيارته للدوام في وزارات ومؤسسات وأجهزة الحكومة الفلسطينية المدنية والعسكرية ، تأخرت نحو 25 دقيقة بعد الساعة الثامنة صباحا ، وفوجئت في نفس اليوم الذي كنت أجد واجتهد فيه لإعداد مادة إعلامية لأحد برامجي ، وإذا بقرار صادر عن مدير عام الإذاعة بخصم ذلك اليوم كاملا ، ومعاقبة كل من تأخر بما فيهم أنا ، وبأن يبقى كل موظف على رأس عمله في الآن ذاته ، تسلمت القرار ونظرت فيه ولم أعلق شيئا ، فأنا دائما أتاخر بعد الدوام دون احتساب زمني أو مالي لي ، وذلك لإعداد وتقديم البرامج الإذاعية وأخسر زمنيا وماليا من حسابي الخاص ، ولا احد يحسب لي ساعات عمل إضافية ، وبمجرد تأخري رغما عني يتم خصم راتب يوم كامل ، وإصدار أمر بالبقاء داخل مبنى الإذاعة ، قبلت أخذ القرار الظالم بحقي وقلت للموجودين سأغادر المبنى حالا ، طالما خصم يوم كامل ، ولماذا أبقى موجودا قلت ذلك بسخرية ضاحكة ، فاستشطت غضبا من تلك الحادثة ، ومن تزايد الواسطات والمحسوبيات داخل الهيئة وعدم إنصاف الموظفين المظلومين الذين بنوا على أكتافهم هيئة الإذاعة والتلفزيون ، وأردت الانتقال من ذلك المكان الذي أعمل فيه لهيئة التوجيه السياسي والمعنوي ، فنسقت الأمر مع مدير عام الإذاعة فرفض في بادئ الأمر ، وقال لي لن نستغني عنك ، وأبقى معنا في الإذاعة ، فنحن بحاجة لك ، وإذا كنت تضايقت من خصم يوم العمل سنرجعه لك ، فقلت له لقد تحملت التعب والمشاق والظلم سنوات كثيرة ولن أبقى موظفا رسميا ، وإذا أردتم سأبقى متطوعا في الإذاعة فقط وليس كموظف ، تردد في البداية وقال لي إذا أردت أن تخرج من الهيئة فلن نوافق على خروجك باعتمادك المالي فامتعضت وقلت له هذا حق من حقوقي البسيطة ، وأقنعته بالانتقال من صوت فلسطين باعتمادي المالي ، فأنا أتابع مسيرة التعليم العالي والحصول على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية وبحاجة لوظيفة ، والوظيفة في هيئة التوجيه السياسي بسبب طبيعتها أكثر ملائمة لي من العمل الإذاعي المرهق ، والذي تكثر به المزاجية من بعض المسئولين ، وعدم إنصاف الموظفين ومتابعة أمورهم من الشؤون الإدارية . وقال لي طيب سأوافق لك بناء على طلبك ، ولكن إذهب وأت بموافقة من الهيئة أو المكان الذي ترغب بالذهاب إليه لاستيعابك في مؤسسات الحكومة الفلسطينية ، ذهبت ونسقت مع الحاج العميد خالد مسمار ، فنصحني بالبقاء في الإذاعة وعندما أصررت على تركها كموظف ، وافق بناء على طلبي ذلك ، ولكنه لم يكن يخفى تذمره من تعامل إدارة الإذاعة والتلفزيون مع الموظفين بهذه الصورة والطريقة الفجة . صدر قرار من مدير عام الإذاعة بالموافقة على انتقالي بناء على طلبي الشخصي ، وعندما صدر القرار بالتوصية الأولى تمهيدا للتوصية النهائية من رئيس هيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية للموافقة على مغادرتي العمل الوظيفي في هيئة الإذاعة والتلفزيون استدعاني رئيس الهيئة السيد رضوان أبو عياش ، وقال لي ما بك يا كمال ؟ لقد بدأنا العمل في الهيئة سويا ، قبل نحو سبع سنوات ولماذا ستتركنا ، ونحن بحاجة إليك ؟ قلت له نعم ولكنكم تخليتم عني ماليا وإداريا ! قال لي ما طلبك ؟ قلت له مغادرة الهيئة ، قال لا ولكن ما سبب ذلك ، قلت له الظلم الواقع علي ، وأشخاص من جيل صغير حصلوا على درجة مدير ( أ ) وليس لديهم خبرة في العمل المهني الإذاعي ، وأنا وقع لي الرئيس أبو عمار منذ ست سنوات قرارا بترقيتي لمدير ( أ ) ولم تنفذ ماليا وإداريا ، فقال إبق معنا سننفذها لك ، رفضت طلبه بأدب وقلت له أرجوك أن توافق على نقلي باعتمادي المالي ، رفض ذلك وتحدث مع إدارة الإذاعة لماذا يريد كمال الانتقال فأخبروه بخصم اليوم عني ، وتذمري من بقاء ملفي مجمدا لدى ديوان الموظفين العام دون ترقيه حقيقية مناسبة ، وقال لي سنعيد لك راتب اليوم ، وداوم في الهيئة وقتما تريد وأذهب لبيتك وقتما تشاء دون أن يحاسبك أحد ، ولكن خليك هنا في الهيئة ، فقلت له هذا كان أحد الأسباب بدلا أن ترقوني وتكافئوني تعاقبوني فلن أبقى معكم كليا ؟ عندما لاحظ إصرار ي قال مازحا لن أوافق على نقلك بتاتا ولو طلع في رأسك شجرة وبقرة ؟ ضحكنا جميعا ، وقلت له بل سأنتقل إن شاء الله تعالى ، برضاكم أو بعدم رضاكم ؟ قلت ذلك مازحا وجادا في الوقت ذاته . وهذا ما كان لاحقا . ثم بعد ذلك صدرت الموافقة على نقلي من هيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية لهيئة التوجيه السياسي والمعنوي في الأمن الفلسطيني وذهب ملفي لديوان الموظفين العام ، وهناك تم إخفاء الملف للحيلولة دون نقلي وبقائي في الإذاعة . وتابعت الأمر مع ديوان الموظفين فقالوا إن ملفك ضائع وغير موجود فقد علمت من بعض الموظفين في ديوان الموظفين أن ملفي تم إخفائه عن عمد وسبق الإصرار لمنعي من الانتقال رسميا للتوجيه السياسي والمعنوي . على أي حال ، ذهبت بعد مراجعتي لديوان الموظفين العام في رام الله ، إلى مقر وزارة التعليم العالي لإجراء لقاء وحوار إذاعي مع الأستاذ الدكتور منذر صلاح وزير التعليم العالي آنذاك بناء على ترتيب موعد مسبق . أبلغت سكرتيرة الوزير بقدومي فقال لها دعيه يتفضل ويدخل . دخلت وسلمت وصافحت الوزير بحرارة ، وبادلني نفس الشعور . ويبدو أنه كان لديه علم بقضيتي الجديدة وهي الانتقال الرسمي من الإذاعة إلى هيئة التوجيه السياسي والمعنوي ، فوقف قائلا : أترك الحوار واللقاء الإذاعي جانبا الآن ، وأريدك أن تكون معي في الوزارة مديرا للعلاقات العامة ؟ فوجئت صراحة من هذا الطلب المفاجئ الذي لم أكن أتوقعه ؟؟ تماسكت وقلت للوزير ولكن صدر قرار جديد لي وهو في ديوان الموظفين للتنفيذ يقضي بانتقالي لهيئة التوجيه السياسي والمعنوي ، فقال لا عليك ، سأتدبر الموضوع ودعه علي ، ولكن أريد موافقتك على العمل في الوزارة ؟ قلت له أنه يشرفني أن أعمل مع كفاءة علمية وسياسية عالية ورفيعة مثلك ؟ ولكنني أنا مسجل في درجة الدكتوراه في العلوم السياسية بجامعة النيلين بالخرطوم السودانية ويمكن أن يؤخرني ذلك عبر عملي كمدير للعلاقات العامة ، فقال لي لا تخف ، كل الأمور سيتم تدبرها ، ولكن أعطني موافقتك فقط ؟ فقلت له لدي قرار من الرئيس أبو عمار بترقيتي لدرجة مدير ( أ ) فقال سننفذها لك إن شاء الله بعد موافقتك ؟ فقلت له موافق على العمل معك . ويسرني أن أعمل مع رئيس جامعتي السابق التي تخرجت فيها سابقا وهي جامعة النجاح الوطنية . وما هي إلا أيام حتى صدر قرار واحد مزدوج في 18 حزيران عام 2000 يقضي بنقلي وترقيتي بناء على قرار رئاسي سابق لمنصب مدير العلاقات العامة في وزارة التعليم العالي ، وترقيتي لدرجة مدير ( أ ) بناء على توصية وتنسيب رسمي من وزير التعليم العالي أكرمه الله العزيز الحكيم ، وذلك بعدما توقف قرار التنفيذ مدة ست سنوات متواصلة دون وجه حق في ديوان الموظفين العام . وبدأت العمل مديرا للعلاقات العامة في وزارة التعليم العالي اعتبارا من 4 تموز 2000 ، مع بقائي مذيعا وصحفيا متطوعا في صوت فلسطين بناء على طلب الوزير للاهتمام بالركب الجامعي الذي تشرف عليه الوزارة في فلسطين ، واعتبار العمل الإذاعي للتعليم العالي جزءا من صلب العلاقات العامة ، ولتوجيه البرنامج الأكاديمي مني كوني إداري ومهني في الوزارة ، وكذلك بناء على طلب مسبق أيضا من مدير عام الإذاعة لتجنب حدوث فراغ مهني في برنامج هام في الإذاعة يعنى بشؤون التعليم العالي والجامعات والطلبة الفلسطينيين . وقد فوجئ جميع العامين في الإذاعة من هذا القرار المزدوج الجديد الصادر عن الرئيس الفلسطيني بنقلي وترقيتي وبارك لي الجميع بهذا الوضع الجديد .
وصايا لهيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية
هناك عديد الوصايا التي أرتأيت أنها ضرورية لتفعيل وتطوير فعاليات هيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية ، من الإدارة والصحافيين والمهنيين والمهندسين وجميع العاملين فيها ، فعدد العاملين بالهيئة يناهز 1200 موظف وموظفة في شتى الأقسام الإدارية والمالية والفنية والمهنية والهندسية منهم نحو 150 في الإذاعة . وينبغي التذكر دائما أن الهيئة في الصف الأمامي للجهاد الإعلامي ضد الأعداء وتعبئة الشعب الفلسطيني تعبئة عربية إسلامية حقيقية ، للذود عن حمى الوطن وعدم الاتجاه نحو قضايا إعلامية هامشية ، فالصراع الأول والأخير مع الاحتلال الصهيوني ، ومن أهم هذه الوصايا :
1. توظيف المختصين والإعلاميين الفلسطينيين المدربين ، من حملة الشهادات الجامعية المختصة من خريجي الجامعات الفلسطينية من صغار السن لتجديد الدم في عروق وشرايين الهيئة . وكذلك الإبقاء على الكوادر الإعلامية المبدعة وعدم المحاباة وإتباع سياسة المصداقية والشفافية ، وإنصاف جميع العاملين وتلبية احتياجاتهم .
2. الإكثار من البرامج الإسلامية والعربية والفلسطينية الموجهة لكسب الرأي العام الفلسطيني ، وعدم التقوقع في برامج ومسلسلات غنائية هابطة تضر بسمعة الهيئة . بل الإكثار من البرامج الإبداعية . واستمرار التواصل مع الرأي العام عبر إجراء استطلاعات للرأي العام حول الأولويات الإذاعية والتلفزيونية ، والتصرف حسب احتياجات الجمهور في البرامج السياسية والإسلامية والثقافية والفنية والاجتماعية والاقتصادية وسواها .
3. التركيز على الإعلاميين الخبراء في مجالاتهم والابتعاد عن السطحية والعفوية ، والتركيز على المتدينين في إعداد وتقديم البرامج والنشرات الإخبارية ، لزيادة كسب الرأي العام الذي يتلقى ويعتمد في الأخبار والبرامج على الهيئة ، فوضع المنافسة الإعلامية الحالية بين الإذاعات المحلية والتلفزيونات المحلية والهيئة الحكومية كبيرة جدا .
4. إنشاء موقع الكتروني للهيئة ينقل الأخبار أولا بأول ، وينشر ما يتم إذاعته على الهواء وتسجيلا في جناحي الهيئة من إذاعة وتلفزيون . وهذا الأمر يساهم في إيصال البث الإذاعي والتلفزيوني لأكبر مساحة فلسطينية وعربية وعالمية ممكنة بسهولة ويسر .
5. تنويع البرامج والنشرات الإخبارية المتعددة المشارب والآراء وعدم البقاء في بوتقة صغيرة محدودة ، وبناء علاقات طيبة دائمة مع الوزارات والمؤسسات الحكومية والأهلية .
6. عدم الدخول في مهاترات إعلامية وتنابز بالألقاب مع هيئات ومؤسسات إعلامية حزبية فالهيئة هيئة حكومية تمثل جميع أبناء شعب فلسطين في الداخل والخارج ويجب بالتالي أن تتسامى على الجراح ولا تدخل في مساجلات وجدال إعلامي مع غيرها .
7. فتح المجال أمام دورات التدريب الإذاعي والتلفزيوني لطلبة الجامعات الفلسطينية التي تخرج أجيال جدد من الصحفيين لانتقاء الأفضل والأكثر خبرة وكفاءة لرفد الهيئة بجيل إعلامي مميز ومتميز بصورة منتظمة . لتكون الهيئة أم جميع الإعلاميين في البلاد .
8. بناء مبنى خاص بهيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية يكون مناسبا وملائما لوضع الهيئة . وتطوير استوديوهات البث الإذاعي والتلفزيوني باستيراد الآلات والمعدات الالكترونية الضرورية وتوفير قطع الغيار الاحتياطي منها لوقت الحاجة . وضبط الأوضاع الإدارية والمهنية بصورة أفضل وأكثر تماسكا وودية ومحبة وأخوية .
9. رصد ميزانية سنوية مناسبة وملائمة لفعاليات الهيئة وتمكينها من القيام بدورها على أكمل وجه . وتكون هذه الميزانية متوفرة سيولة لا رصيدا نظريا فقط .
10. الإبقاء على مسيرة التواصل الإذاعي الفلسطيني بين القديم والحديث وتبادل الخبرات العملية والعلمية وعدم البدء من الصفر بل البدء من حيث انتهى الآخرون .
وأخيرا نوصي الجميع بوصايا الله العزيز الحكيم : { وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)}( القرآن المجيد ، العصر ) .

والله ولي التوفيق . سلام قولا من رب رحيم .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s