ظروف نوم العمال الفلسطينين في مواقع العمل د. كمال علاونه

ظروف نوم العمال الفلسطينين في مواقع العمل

كتبهاد. كمال إبراهيم محمد شحادة ، في 3 أيار 2008 الساعة: 08:42 ص

محطات عمالية

 ظروف نوم العمال الفلسطينين

في مواقع العمل

 د. كمال علاونه

أستاذ العلوم السياسية

فلسطين العربية المسلمة

 يقول الله العزيز الحكيم : { أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (45) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا (46) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (47)}( القرآن المجيد ، الفرقان ) . ويقول الله تبارك وتعالى : { أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (8) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (9) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (12) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (13) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (14) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (16)}( القرآن المجيد ، النبأ ) .

إخوات العمال واصحاب العمل الكرام ..

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

نتواصل واياكم من برنامج محطات عمالية ، ونتطرق في هذا اليوم الى حيثيات وظروف نوم العاملين الفلسطينين في مواقع العمل المختلفة .

     آلاف العاملين الفلسطينيين في مختلف مرافق العمل في سوق العمل الداخلية او سوق العمل اليهودية الاسرائيلية داخل الخط الاخضر ، كيفوا شؤون حياتهم على النوم في مواقع العمل المختلفة لعدة اسباب ودوافع من ابرزها :

الاول : توفير الوقت ذهابا وايابا من مكان الاقامة الى مركز العمل وبالتالي استثمار هذا الوقت الضائع في اشتغال ساعات عمل اضافية بدلا من ذلك وجمع مبالغ مالية اضافية تساهم في رفع مستوى المعيشة .

والدافع الثاني : هو التوفير والاقتصاد في مصاريف ونفقات المواصلات اليومية والتي تتباين قيمتها من موقع لآخر ، وتأكل نسبة كبيرة من أجرة العامل اليومية .

والدافع الثالث : هناك نوع من الاعمال التي يتطلب ممارستها النوم في موقع العمل مثل الحراسة والعمل في نوبات العمل الليلية كالعاملين في وسائل الاعلام الجماهيرية التلفزيونية والإذاعية والصحف والمجلات وغيرها واضطرار العاملين للمكوث في موقع العمل لساعات الصباح الباكر .

اما الدافع الرابع فهو عدم امتلاك العمال لمنازل أو بيوت أساسا وخاصة للفئات العمالية غير المتزوجة والتي تعيش ضمن اسرة كبيرة العدد .

والدافع الخامس للنوم في مكان العمل فهو اضطرار العمال الفلسطينيين العاملين في مرافق العمل الاسرائيلية داخل الخط الاخضر للنوم في مكان العمل وذلك لتحاشي الحصول على تصاريح عمل كما يحصل عند حالات الحصار الاسرائيلي المشدد على فلسطين .

الدافع السادس : اضطرار عشرات الآلاف من موظفي القطاع الحكومي الفلسطيني للنوم في مواقع العمل في شقق الوزارات أو مكاتب الوزارات أو المراكز الأمنية كالشرطة وغيرها تجنبا لتعرض للتفتيش والاستفزاز الاحتلالي اليومي على مداخل المدن الفلسطينية وما يسببه من إحباط ويأس بانتظار الفرج الاحتلالي والسياسية المقيتة اللئيمة والتأخر عن مواعيد العمل المحددة صباحا . وقد شاهدن بأم عيني أثناء انتفاضة الأقصى المجيدة في فلسطين نوح آلاف الموظفين الحكوميين بما فيهم المسؤولين الكبار ي أمكان عملهم وفي مكاتبهم تحديدا حيث أحضرت فرشات ومستلزمات النوم للتمكن من الدوام في اليوم التالي والسهر على راحة أهل البلاد الأصليين من رجس ونجس الاحتلال البغيض . فكنت الاحظ غرف المكاتب وقد تحولت لأمكان نوم ليلية وهو عين العقل للمقاومة الفلسطينية والصمود رغم كل التحديات والظروف العصيبة .

     على أي حال ، ومهما كان الدافع او الدوافع للنوم في موقع العمل في اسواق العمل الداخلية او الخارجية فإنه يتوجب ان تتوفر في مكان النوم الشروط الصحية والظروف الملائمة للحفاظ على صحة العمال وتوفير الراحة الجسدية والنفسية . وكثيرا ما يلجأ العمال للنوم في مكان العمل بالتنسيق مع صاحب العمل أو الوزير أو من ينوب عنه أو المدير العام أو غيره وهذا بدوره يحتم على صاحب العمل أن يراعي قواعد الصحة والسلامة المهنية من ناحية توفير غرف ذات مساحة مناسبة لعدد العمال والابتعاد عن ازعاج العمال ضمن نوبات العمل الآخرى بمعنى ان يكون موقع النوم بعيدا الى حد ما عن اصوات العمل الناتجة عن الآلآت والمعدات المستخدمة في الانتاج وخاصة في المصانع والمحاجر وورش البناء . ومن نافلة القول إنه لا بد من توفير مصدر ماء كاف ودورات مياه مناسبة .

     على العموم ، انه من الافضل النوم في البيوت التي يمتلكها العمال وأسرهم لما لذلك من اهمية في الحفاظ على العلاقات الاجتماعية مع الاسرة وتنمية العلاقات  الطيبة مع الجيران ومع سكان القرية او المدينة او المخيم في النطاق المحلي وكذلك عدم معاناة الاغتراب في ارض الوطن . ولا مانع من النوم في اوقات محددة مؤقتة ولكن على المدى البعيد فان ذلك يضر بصحة العمال ويضر بالعلاقات الاجتماعية بين افراد الاسرة الواحدة فنوم رب الاسرة خارج البيت يسبب ارهاقا نفسيا ومعنويا للاطفال ولأهل البيت بشكل عام حيث يبقون قلقين على العامل كيف يعيش ؟ وكيف يقضي وقته ؟

أنا شخصيا ، جربت النوم في مكان العمل في ثلاث مدن فلسطينية بعيدا عن بيتي وهذه المدن هي : أريحا ورام الله وطولكرم منذ عام 1994 – 2005 ، حيث كنا ننام في شقق تابعة للوزارة في رام الله أو الجامعة في جامعة فلسطين التقنية بطولكرم أو ننام على سطح إذاعة صوت فلسطين في أريحا وهي ايام عصيبة جدا علينا وعلى أسرنا ، خاصة في ظل الانتفاضة ، فكنت أضطر لمعالجة شؤون بيتي عن بعد وخاصة لأبنائي الذين تركتهم في البيت بصحبة والدتهم التي لم تكن تقدر على السيطرة عليهم وتستعين بي عن بعد عبر الهاتف الجوال لأطمأنهم على حالي وعلى أحوالهم ، فكان الجوال جوالا وموجها في الآن ذاته . وبعد وقت من النوم خارج البيت زادت الأمور عن حدها فلم يعد الأبناء والأهل يحتملون بعدي عنهم بسبب الخوف من القصف العسكري اليهودي الليلي والنهاري للمناطق القريبة أو تلك التي طالت بيتنا ونحن نائمون ، ابلغت المسؤولين عني في الوزارة أنني لن أنام ابدا في مثل هذه الظروف من الانتفاضة الفلسطينية الباسلة ، فالأبناء بحاجة لي ، مثلما هم أطفال الآخرين بحاجة لكل أب لهم .

     ومن نافلة القول ، إن هناك آثارا سلبية مدمرة على نوم المراهقين في أماكن عملهم بعيدين عن مراقبة الأهل من الآباء والأمهات لتصرفاتهم وسلوكياتهم ، فهناك المئات من العمال الذين ناموا او ينامون خارج البيوت في مواقع العمل وخاصة الفئات الشابة تعرضوا للانحراف الاجتماعي والمالي فبدلا من ان يساهموا في توفير مبالغ مالية اضافية للاسرة لتحسين مستواها الاجتماعي والمعيشي انخرطوا في العالم السفلي وخاصة بعض الذين ينامون في المنشآت الاسرائيلية داخل الخط الاخضر ، فاصبحوا يتصرفون بشكل غير لائق بعيدا عن العادات والقيم والمبادئ العربية والاسلامية الأصيلة ، يترددون على الملاهي والبارات ويرتكبون الموبقات والكبائر والفواحش والرذائل المتعددة الأشكال والأنواع من الزنا وتعاطي المخدرات ، فرجعوا مرضى ومهووسين بخفي حنين ، وأضاعوا أموالهم سدى بلا جدوى ، واصبحو فيما بعد عالة على أسرهم ، وهذا بدوره عكس نفسه على حياة الاسرة وعلى حياة العامل بشكل خاص . فبعض هؤلاء بذروا اموالهم في امور غير طبيعية ورجعوا  الى منازلهم بعد ان مكثوا عدة اسابيع او شهور خارج المنزل بخفي حنين فاتفقوا اجورهم التي تقاضوها على الملاهي والمشروبات الكحولية وغيرها من الامور الشاذة ، وإثر ذلك وبعد فقدان مصدر عملهم اصبحوا عالة على اسرهم وعلى المجتمع بأسره .

     إذن اخواني العمال .. من الاجدى ان نلجأ الى اتباع التصرفات والقيم السليمة في حياتنا اليومية وان لا نقع فريسة لاصحاب السوء نافخي الكير من اصحاب التعفير والتبذير المالي والذين فقدوا كل معاني الحياة الجميلة والقيم والمثل العليا والأخلاق الحميدة ، فحافظوا على أنفسكم وعلى أبنائكم من الموبقات والكبائر والمخدرات والمسكرات وملاحقة البنات وما على ذلك .  ولنكن على مستوى المسؤولية والحدث ونمارس حياتنا الطبيعية بالعمل المتواصل وفق ظروف وشروط مناسبة منسجمة مع الاخلاق والقيم المجتمعية الصحيحة ، ولنطبق الإسلام العظيم لنعيش سعداء بدل العيش تعساء تتقاذفنا الأمواج من هنا وهناك لشواطئ لا أمان ولا أمن ولا استقرار نفسي ومادي ومعنوي لها .

     وبهذا اعزاءنا ناتي الى ختام هذه الحلقة من برنامج محطات عمالية ، شكرا لمتابعتكم نلقاكم في حلقة قادمة إن شاء الله . سلام قولا من رب رحيم . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s