ملحمة لبنان الكبرى الأولى الذكرى السادسة والعشرون 4 / 6 / 1982 – 2008 ) د. كمال علاونه

ملحمة لبنان الكبرى الأولى 1982

كتبهاد. كمال إبراهيم محمد شحادة ، في 4 حزيران 2008 الساعة: 15:26 م

 ملحمة لبنان الكبرى الأولى

الذكرى السادسة والعشرون

4 / 6 / 1982  – 2008 )

د. كمال علاونه

أستاذ العلوم السياسية

فلسطين العربية المسلمة

يقول الله الحي القيوم جل جلاله : { وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (104) إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (105)  وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (106) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (107) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (108) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (109) وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (110) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (111) }( القرآن المجيد ، النساء ) .

      بعد حرب الأيام الثمانية في آذار 1978 ، استمر الوجود الفلسطيني في جنوب لبنان . فسعت فصائل الثورة الفلسطينية لتعزيز كيانها العسكري والسياسي في لبنان استعدادا لتحرير فلسطين وحاولت تشكيل جيش نظامي فلسطيني بتوفير دبابات سوفياتية ومدافع وهاونات وصواريخ كاتيوشا وراجمات صواريخ قصيرة ومتوسطة المدى ، بالتعاون مع القوى الوطنية اللبنانية كالمرابطين والناصريين والحزب التقدمي الاشتراكي ، والأحزاب اليسارية . وشكلت قيادة للقوات الفلسطينية – اللبنانية المشتركة لمجابهة الهجوم الصهيوني والتصدي له وشن الهجوم الصاروخي على المواقع العسكرية والمستعمرات اليهودية شمال فلسطين المحتلة .

 أ) أسباب حرب 1982

      هدفت الحكومة الإسرائيلية من شن حرب شاملة على لبنان عام 1982 ( ملحمة لبنان الكبرى الأولى ) أو كما سماها يهود فلسطين ( عملية سلامة الجليل ) تحقيق عدة أهداف [1] :

    القضاء على الثورة الفلسطينية ، وضرب البنية العسكرية لها ، بالوصول مسافة 40 كم – 45 كم شمال الحدود اللبنانية – الفلسطينية وهذا المرمى العلني وأما المرمى السري فهو اقتحام بيروت للإجهاز على القيادة الفلسطينية .
    منع إطلاق صواريخ الكاتيوشا على المستعمرات اليهودية في شمال فلسطين المحتلة .
    تدمير صواريخ ( سام 6 ) السورية في البقاع التي تشكل خطرا على الطائرات الحربية الإسرائيلية في السماء اللبناني . وكان هذا النوع من الصواريخ أسقط أكثر من مائة طائرة حربية أميركية في حرب عام 1973 ، فتوصل الأميركيون والصهاينة لوسائل الكترونية مضادة لشل فعالية هذه الصواريخ ، فأرادتا تجريب المخترعات الجديدة في الصواريخ السوفياتية لدى سوريا .
    الاستيلاء على أرض جديدة لجعلها حزاما امنيا بين المستعمرات اليهودية في حدود فلسطين الشمالية ولبنان . وتأمين عدم وجود تهديد أمني من المقاومة للمستعمرات اليهودية . كما أرادت الحكومة الإسرائيلية تحقيق مطامعها في ( أرض إسرائيل الكبرى ) كما حددها بعض القادة الصهاينة لتشمل حدودها جزءا كبيرا من جنوب لبنان لتصل مياه نهر الليطاني . وأطلق اليهود على هذه العملية ( حرب سلامة الجليل ) .
    تجريب الحرب الالكترونية لإدخال تعديلات جديدة عليها ، فمعظم الأسلحة المستخدمة هي أسلحة أميركية الصنع وترغب بتجريبها فعليا في معركة فكانت معركة لبنان هذه المرشحة لذلك   [2].
    تنصيب رئيس لبناني مسيحي ماروني موال للكيان الصهيوني  .

     على أي حال ، لخص ارئيل شارون الهدف من شن الحرب على لبنان عام 1982 في وثيقة قدمها لمجلس الوزراء الإسرائيلي : تدمير البنية التحتية لمنظمة التحرير الفلسطينية ، وتدمير قدراتها العسكرية ومؤسساتها السياسية ، والاتيان ببشير الجميل رئيسا لجمهورية لبنان ، وبعد توزيع قوات الثورة الفلسطينية على المناطق العربية تفقد بذلك استقلاليتها مما يضعف م . ت . ف على المناطق المحتلة . وهذا مما يهيئ الفرصة لإسرائيل في المناطق المدارة لإقامة حكم ذاتي حسب الشروط والمبادئ الإسرائيلية   [3] .

 ب) مجريات حرب 1982

      أمرت الحكومة الإسرائيلية بزعامة مناحيم بيغن رئيس الوزراء وارئيل شارون وزير الحربية ،  قوات الجيش الإسرائيلي بشن هجوم كاسح على لبنان في 4 حزيران 1982 ، متذرعة بعملية فدائية نفذها فدائي من حركة فتح – المجلس الثوري أدت إلى مقتل السفير الإسرائيلي في لندن في 3 حزيران 1982 . فجمع الجيش الإسرائيلي صفوفه وشن الهجوم الكبير على لبنان برا وبحرا وجوا حيث بلغ عدد أفراد الجيش الإسرائيلي المهاجم نحو 120 ألف جندي . اعتمدت الحكومة الإسرائيلية عدة أساليب للعدوان على لبنان في هذه الحرب تتلخص بعدة بنود من أهمها :

    استمرارية القصف المركز جوا وبرا وبحرا دون توقف ، وإلقاء كميات هائلة من القذائف لحرق كل شيء تلقى عليه ، وعدم فك الاشتباك أو وقفه لإنهاك المقاومة . واستخدام الأسلحة المحرمة دوليا كالقنابل الفسفورية والعنقودية التي ينجم عنها حروقا وجراحا غائرة وبترا في الجسم ، وغيرها من الأسلحة .
    شن الحرب النفسية على قوات الثورة الفلسطينية بترديد إشاعات تسليم السلاح ومغادرة  القيادات لخارج لبنان . وتوزيع مناشير مكتوب عليها ( قف وفكر ) تدعو المقاتلين للإلقاء السلاح حفاظا على حياتهم . وكذلك الإعلان عن أسر أعداد كبيرة من المجاهدين الفلسطينيين بينما هم في حقيقة الأمر مدنيون جمعوا بالآلاف . وتم تعذيب الأسرى المدنيين الذين اعتقلتهم قوات الاحتلال وجمعتهم في مراكز اعتقال في المدارس اللبنانية وطبعت على ظهر يد كل واحد منهم نجمة داود أثناء تفتيشه .
    هدم المدن والقرى وترحيل السكان من ديارهم ليناموا في العراء لتسهيل ملاحقة المقاتلين وتعذيب الناس والتنكيل بهم ، إلى حد وصل بهم تعليق الأسرى من أقدامهم أمام الأسرى ورؤوسهم للأسفل .
    الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية الصهيونية .
     إصدار بيانات ملفقة عن قلة الخسائر اليهودية لرفع معنويات الجند الصهاينة .
    التدرج بشن حملة شاملة ضد مقاتلي الثورة الفلسطينية ، فكرية وتجويعية وتعطيشية بقطع الماء والتموين عن المقاتلين .
    الاستعانة بالقوى اللبنانية المعارضة للتأثير على سير ومجريات المعركة .
    ممارسة الضغط  السياسي على قيادة الثورة الفلسطينية . عن ذلك يقول ياسر عرفات :                 في هذه الأوقات تقف هذه الحفنة المؤمنة بربها وبأمتها العربية تتصدى لهذا البغي والعدوان والاحتلال المسلح بالقوة الأمريكية الغاشمة … وفي مواجهة هذه الوقفة التاريخية يقف المبعوث الأمريكي فيليب حبيب على رأس الجيش الإسرائيلي الغازي مستخدما هذا الجيش الأمريكي السلاح والمدفوع الأجر لإبتزاز الفلسطينيين واللبنانيين الوطنيين ، يحاول تحت أزيز الطائرات ودوي المدافع إملاء شروطه الاستسلامية التي لا تتوقف في أذاها وأخطارها عند حدود الثورة الفلسطينية ولبنان ، وإنما تمتد لتشمل مستقبل المنطقة العربية وشعوبها ومصالحها [4]  .

 ج) الإعداد الفلسطيني – اللبناني لمجريات الحرب

      استعدت الثورة الفلسطينية لمواجهة الغزو اليهودي – الصهيوني – الإسرائيلي ضمن إمكانياتها كما يلي :

    الإعداد العسكري العام : شكلت الثورة الفلسطينية والقوى الوطنية اللبنانية ( غرفة العمليات المركزية للقوات المشتركة اللبنانية – الفلسطينية ) لإصدار البلاغات العسكرية لمتابعة النشاط العسكري على جبهات القتال وتطوراته ، والعمل على بقاء القيادة وسط المجاهدين في قلب المعركة .
     التوجيهات خلال الحرب لرفع المعنويات : كان القائد العام للثورة الفلسطينية ياسر عرفات ( أبو عمار ) يصدر رسالة يومية وأحيانا أكثر من رسالة لتوضيح الموقف الفلسطيني – اللبناني المشترك لإصدارها على كافة الجبهات ، لنشر تسلسل الملحمة البطولية الخالدة . ورفض الاستسلام مهما كلف الأمر واختراق الجبهة الداخلية الصهيونية ، عبر حث قوى اليسار الإسرائيلي على تنظيم مظاهرات ضد الحرب على لبنان ، وإجراء مقابلات صحفية مع القائد العام للثورة الفلسطينية ياسر عرفات إلى حد أن مناحيم بيغن رئيس الوزراء طلب من دعاة السلام والصحافيين اليهود : إيقاف الحج إلى عرفات [5] .  وكان زار عرفات يوري افنيري وبن ناتان وأمنون كابليوك وغيرهم من اليسار الإسرائيلي .
     فتح باب التطوع للأمة العربية والمشاركة  في ملحمة  لبنان ، فأبدى نحو مائة ألف عربي ومسلم استعدادهم التطوع للجهاد ضد الغزاة الصهاينة إلا أن الحدود والتأشيرات حالت دون ذلك [6] .
     بث روح الجهاد والصمود في نفوس المقاتلين ، فكثيرا ما كانت رسائل القيادة الفلسطينية تتضمن آيات قرآنية تحث على الجهاد والصبر والمصابرة لتحقيق النصر . منها : إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ، الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ، وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ، كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ،  أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ،  وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ، وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ، لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ ، وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ، وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ، وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ، إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ ، إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ، فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ . ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ ، وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ، قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ،      يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ، إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ،        الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ،  أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ . الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ . لَهُمُ  الْبُشْرَى  فِي  الْحَيَاةِ الدُّنْيَا  وَفِي الْآَخِرَةِ   لَا  تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ، فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا .

     كما استخدمت القيادة الفلسطينية مصطلحات تعزز الصمود : ومعا وسويا حتى النصر ، وإلى القدس وفلسطين ، وإنها لثورة حتى النصر ، بوركتم وبوركت سواعدكم الفتية ، لقد لقنتم العدو درسا جديدا واستطعتم أن توقفوه عن مغامراته الجديدة رغم الفارق الضخم في العدد والعدة والعتاد ، إنها معجزات الأبطال وملاحم الثوار ، يا سارية الجبل الجبل ( لإعادة تنظيم الصفوف كما نادى بها عمر بن الخطاب قائد الجيش المسلم في العراق ، يا صناع المجد ، يا كتبة التاريخ ، يا حفظة العهد ، المجد المجد يا ثورتنا ، المجد المجد يا مقاتلينا الأبطال وطوبى لمن يعيش الجهاد والحق في الرباط المقدس وفي الموقع الثوري ، أنا لا أريد دعاءكم ، أريد سيوفكم [7] .

     وغني عن القول ، إن هذه الحرب كانت غير متكافئة حيث تمتلك القوات الصهيونية أسلحة حديثة متطورة وقوة بشرية كبيرة مقارنة مع حركة المقاومة الفلسطينية التي لا تمتلك سوى أسلحة بسيطة وقديمة ورغم ذلك صمدت القوات الفلسطينية – اللبنانية فترة طويلة نسبيا امتدت نحو ثلاثة أشهر تخللها شهر رمضان المبارك ، أبلى فيها الفلسطينيون واللبنانيون بلاء حسنا في التصدي للقوات الغازية وحاولت جعل جنوب لبنان مقبرة للغزاة المهاجمين عبر حرب العصابات ونصب الكمائن وسياسة الكر والفر . تكبد خلالها الجيش الإسرائيلي خسائر كبيرة في الجنود والعتاد . فقد أسقطت طائرات إسرائيلية ودمرت دبابات كثيرة وتكبد الصهاينة فيها مئات القتلى وآلاف الجرحى لكن دون إعلان حقيقي عن عدد الخسائر البشرية والمادية .

    وأما بالنسبة لسير المعركة في الأيام الأولى ، فسرعان ما سقطت مدينة صور بأيدي الجيش الإسرائيلي بعد 24 ساعة من الحرب ، ثم توالت المدن الأخرى بالسقوط في أيدي الصهاينة بسبب القصف الجوي العنيف على المواقع الفلسطينية والوطنية اللبنانية  الذي قذف مئات آلاف الأطنان من الصواريخ والمتفجرات .  واستولى الصهاينة على مستودعات أسلحة من دبابات ومدافع وراجمات صواريخ وصواريخ وهاونات في عدة مدن لبنانية ثم وصل الجيش الإسرائيلي إلى مشارف العاصمة اللبنانية بيروت .

     حاولت القوات السورية التي كانت موجودة بعد التدخل السوري في لبنان منذ عام 1976 ، المشاركة في القتال حيث تقاتلت الطائرات السورية مع الطائرات الإسرائيلية فسقطت 100 طائرة سورية من صنع سوفياتي وتم تدمير الصواريخ السورية المضادة للطائرات فتمكنت قوات الاحتلال الإسرائيلي من السيطرة على الجو بصورة تامة . فاضطرت القوات السورية للتراجع بعد خسائر كبيرة في البشر والمعدات [8] .

     اشتد القصف الثلاثي الأبعاد الجوي والبري والبحري حيث أسقطت قوات الاحتلال كميات ضخمة من القذائف والمتفجرات فدمرت آلاف البيوت والمنشآت العامة والخاصة والمقرات العسكرية والسياسية للمنظمات الفلسطينية ، ولكن شهدت هذه المعركة صمودا أسطوريا للمقاتلين الفلسطينيين واللبنانيين أمام قوات الاحتلال وحاولت منعها من عدة اتجاهات . وقذفت قوات الاحتلال الإسرائيلي المخيمات الفلسطينية والمدن والقرى اللبنانية بكميات هائلة من القذائف . فمثلا قصفت قوات الاحتلال بيروت في 1 آب 1982 كما يلي : هذا اليوم عرف بيوم الأحد الدامي والأحد المجنون حيث تقدمت قوات الغزو الإسرائيلي باتجاه مطار بيروت في ظل غطاء 15 ساعة من القصف المتواصل برا وبحرا وجوا بمعدل أكثر من 3 قذائف في الثانية وأكثر من 11 ألف قذيفة في الساعة وبحوالي 185 ألف قذيفة حسب بلاغ غرفة العمليات المركزية للقوات المشتركة ، و210 آلاف قذيفة حسب بلاغ الناطق العسكري لقوات الغزو الإسرائيلي إضافة لما يزيد عن 200 غارة جوية [9] .

     لقد استخدم الصهاينة عدة أساليب في هذه الحرب وهي : الحرب النفسية ، ببث الإشاعات عن الحرب العسكرية والحرب التجويعية ، وقطع الماء والكهرباء ، وعدم السماح للطواقم الطبية بإسعاف المصابين . عن الحرب النفسية والدعاية الكاذبة يقول ياسر عرفات القائد العام للمقاومة الفلسطينية – اللبنانية المشتركة في إحدى رسائله الموجهة لجميع الوحدات وقوات الثورة الفلسطينية إلى كافة المكاتب والأقاليم في 29 حزيران 1982 : علينا أن نلاحظ الحرب النفسية التي تشنها أجهزة الأعداء والتي تتحدث عن لقاءات جانبية ليست صحيحة وعن موافقات فلسطينية على تسليم السلاح والاستسلام ، أو السفر بالطائرات أو السفن أو نقل المقاتلين والأسلحة إلى غير ذلك من الإشاعات والأخبار الملفقة التي تهدف إلى بلبلة صفوف أبناء شعبنا الفلسطيني وإلى محاولة التأثير لتفكيك الموقف الفلسطيني الواحد ، واللبناني الوطني ، والإسلامي والذي يعتبر عدتنا في المواجهة لمخططات العدو الذي ما زال مصرا على العدوان علينا ويجب أن نكون على حذر دائم خصوصا وان احتمالات الاجتياح ما زالت قائمة [10] .

     لقد شهدت ملحمة لبنان الكبرى عام 1982 ، ظاهرة جديدة في الحرب وهي أطفال الآر . بي . جي حيث قاوم أشبال فلسطين ولبنان آلة الغزو الصهيونية ، ذات الصنع الأمريكي ، فمثلا دافع 14 شبلا ( طفلا ) في الرشيدية بلبنان عنها مدة 11 يوما وعندما انتهت ذخيرتهم سلموا أنفسهم رافعين العلم الأبيض فأدى القائد العسكري الصهيوني التحية العسكرية لهم [11] . وأحيانا كان المقاتلون يقتلون العرب الذين يأتون إليهم يطالبونهم بالاستسلام بناء على طلب إسرائيلي  [12] .

    صمدت بيروت الغربية 82 يوما وبعد تزايد حمى المعركة وتصاعد التذمر الشعبي والرسمي اللبناني  من الحرب جراء تدمير مقومات الحياة الأولية من المياه والكهرباء ، وقطع التموين وما إلى ذلك ، قررت القيادة الفلسطينية الخروج من بين بيروت بوساطة فرنسية – مصرية . فكان الخروج من بيروت برا باتجاه الشمال اللبناني وبحرا من خلال السفن عبر البحر الأبيض المتوسط بالسلاح الشخصي ( الكلاشنكوف ) ورفع العلم الفلسطيني على السفن بضمانات أميركية بعدم التعرض الصهيوني لها في البحر ، فتوجه المقاتلون إلى دول عربية كمصر واليمن والجزائر والسودان  في حين توجه قائد الثورة الفلسطينية أوليا إلى اليونان ثم إلى تونس مدشنا المقر الجديد للقيادة الفلسطينية في تونس . وبعد خروج المقاومة الفلسطينية من بيروت ارتكبت مذبحة كبرى ضد مخيمي صبرا وشاتيلا الفلسطينيين جنوب بيروت حيث قضى أكثر من ثلاثة آلاف فلسطيني شهيدا في 16 – 17 أيلول 1982 .

 د) نتائج معركة 1982

      نجم عن ملحمة لبنان الكبرى ( حرب لبنان عام 1982 ) عدة نتائج عسكرية وسياسية ونفسية فلسطينية ولبنانية وعربية عامة ، مباشرة وغير مباشرة ، من أهمها :

    خسائر بشرية ومادية ضخمة فلسطينية ولبنانية : فدمرت البنى التحتية العسكرية للثورة الفلسطينية في لبنان . ودمر الكيان الفلسطيني المؤقت الناشئ في لبنان وفي المقابل تعزز موقف الكيان الصهيوني في الأرض الفلسطينية المحتلة . فقد تشتت قوات الثورة الفلسطينية وأبعدت عن محيط دول الطوق المجاورة لفلسطين المحتلة . وسلمت المقاومة الفلسطينية سلاحها المتوسط والثقيل قبل الخروج من بيروت لحزب الله اللبناني . كما بلغت الخسائر الفلسطينية اللبنانية نحو 72 ألف ما بين شهيد وجريح خلال ثلاثة اشهر إضافة لثلاثة آلاف شهيد في مجزرة صبرا وشاتيلا [13] .
     خروج مركز الثورة الفلسطينية المسلحة من لبنان : بلغ عدد الفدائيين الذين خرجوا من بيروت الغربية نحو تسعة آلاف فدائي ، انسحبوا على متن سفن فرنسية وسفن دول غربية أخرى اختارتها منظمة التحرير الفلسطينية . ويذكر أن ياسر عرفات آخر من خرج من بيروت في 30 آب 1982 للاستقرار في تونس بناء على دعوة من الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة . وبالتالي انتقلت قيادة المنظمة ومكاتبها من بيروت لتونس كونها كانت مقرا لجامعة الدول العربية .
    تكبيد الجيش الإسرائيلي خسائر كبيرة في المعدات والأرواح . فمثلا ، وصف قائد معركة قلعة الشقيف الإسرائيلي بأنها كانت معركة شرسة مع المقاتلين الفلسطينيين خسر فيها الجيش الإسرائيلي عددا كبيرا من المهاجمين قتلى وجرحى واستشهد  37 فلسطينيا كانوا فيها ولم يستسلموا [14] . كما دمرت 19 طائرة إسرائيلية  عدا عن تدمير وإعطاب مئات الدبابات الإسرائيلية .
    تورط قوات الاحتلال الإسرائيلي في المستنقع اللبناني ، إذ تعرضت قوات الاحتلال لحرب عصابات واستنزاف فيما بعد تكبدت فيها خسائر فادحة في المعدات والأرواح بعد دخول المقاومة الإسلامية بقيادة حزب الله معركة التحرير ضد المعتدين الصهاينة .
    التوجه الفلسطيني الجديد نحو التسوية السلمية ( الأرض مقابل السلام ) بدأت بمبادرة الرئيس الأمريكي رونالد ريغان في 2 أيلول 1982 وفق رؤية أمريكية منحازة للكيان الصهيوني ، إذ تضمنت ( مبادرة ريغان ) الحكم الذاتي للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة لإدارة شؤونهم بصورة كاملة شرط عدم تشكيلهم خطرا على الأمن الإسرائيلي ، وتحديد فترة خمس سنوات لهذا الحكم الذاتي ، تبدأ بعد إجراء انتخابات حرة لسكان الضفة والقطاع واستبعاد إنشاء دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة وعدم تأييد الضم الإسرائيلي لهاتين المنطقتين الفلسطينيتين وبهذا فإن الحكم الذاتي يشمل السكان فقط ولا يشمل الأرض الفلسطينية المحتلة . ثم تطور الأمر لإجراء حوارات فلسطينية – أمريكية . بمعنى تخلي منظمة التحرير الفلسطينية ( مؤقتا ) عن الجهاد أو الكفاح المسلح  . وفي 7 أيلول 1982 ، طرح الأمير فهد بن عبد العزيز ولي العهد السعودي مشروع السلام العربي ( مشروع قمة فاس ) أثناء عقد مؤتمر القمة العربي في مدينة فاس المغربية تضمن : ثماني نقاط هي : انسحاب ( إسرائيل )من جميع الأراضي المحتلة عام 1967 بما فيها القدس، وإزالة المستعمرات اليهودية في الأراضي العربية ، وضمان حرية العبادة وممارسة الشعائر الدينية لجميع الأديان في الأماكن المقدسة ، وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية وتعويض من لا يرغب بالعودة ، وإخضاع الضفة الغربية وقطاع غزة لفترة انتقالية بإشراف الأمم المتحدة لبضعة أشهر ، وقيام دولة فلسطين وعاصمتها القدس ، وضمان مجلس الأمن الدولي للسلام بين جميع دول المنطقة بما فيها دولة فلسطين المستقلة ، وتولي مجلس الأمن الدولي تنفيذ هذه المبادئ .

     وتبع ذلك طرح مشروع الرئيس السوفياتي لونيد بريجنيف للسلام ( المشروع السوفياتي ) في 15 أيلول 1982 ، لإحلال السلام العادل والراسخ في المنطقة بالاستناد إلى قرار تقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية ، وتمكين شعب فلسطين من تقرير مصيره ، وقيام الدولة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها القدس الشرقية ، وتمكين اللاجئين الفلسطينيين من العودة أو التعويض ، وتأمين حق جميع دول المنطقة بالعيش بأمن وسلام ، وإنهاء حالة الحرب بين العرب والإسرائيليين وإيجاد ضمانات دولية للتسوية السياسية عبر مجلس الأمن الدولي [15] .  ولكن هذه المبادرات لم تنفذ على أرض الواقع .

    ارتكاب مجزرة العصر : تعرض الفلسطينيون في مخيمي صبرا وشاتيلا لمجزرة رهيبة رغم التطمينات والوعود الإسرائيلية والأمريكية والغربية بعدم التعرض للمواطنين الفلسطينيين في لبنان بعد خروج الثورة الفلسطينية من بيروت . وقد ذهب ضحية هذه المذبحة البشعة نحو ثلاثة آلاف  فلسطيني نفذتها قوات الكتائب اللبنانية بقيادة إيلي حبيقة ( قتل بتفجير في بيروت عام 2002 ) تحت حماية إسرائيلية ممثلة بوزير الحرب ( الدفاع ) الإسرائيلي ارئيل شارون ( دخل في غيبوية سريرية في 4 / 1 / 2006 ) ، ارتكبت بهمجية عنيفة ضد الفلسطينيين في البيوت والشوارع والعيادات والمستشفيات ومثل بالجثث لمدة استمرت 36 ساعة . وجاءت هذه المجزرة بعد مقتل بشير الجميل قائد القوات اللبنانية بعد تنصيبه رئيسا للجمهورية اللبنانية ، فتذرع منفذو المذبحة من الكتائب وقوات الاحتلال الإسرائيلي بأن الفلسطينيين هم الذين نفذوا عملية التفجير التي أودت بحياة قائدهم . وبحجة رغبة الجيش الإسرائيلي تنظيف المخيمات من المقاتلين الفلسطينيين .

     ولا بد من القول ، إن هذه المذبحة نفذت بتعاون كتائبي لبناني وحراسة إسرائيلية فقام الجيش الإسرائيلي بمحاصرة المخيمين ومنع الدخول والخروج وألقى القنابل الضوئية ليلا ، وزود المهاجمين بالسلاح والطعام ، وتولت ميليشات الكتائب اللبنانية تنفيذ المذبحة الوحشية باستخدام السلاح الناري والسكاكين والفوؤس والبلطات ، فتم قتل الأطفال أمام ناظري والديهم ونكل بالفتيات والنساء جنسيا ، وبقرت بطون الكهول وضربت عيونهم بشدة ، وهدمت البيوت بالجرافات ثم حفرت المقابر الجماعية للشهداء [16] .

    السعي للموافقة على الحكم الذاتي للشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة ، عبر إعادة الخطوط السياسية والدبلوماسية مع الحكومة المصرية .
    انشقاق جديد في حركة فتح في 9 أيار 1983 ، بقيادة 40 ضابطا فلسطينيا موالين لسوريا منهم نمر صالح وقدري وأبو موسى وأبو خالد العملة وغيرهم . بحجة تصحيح مسار الثورة الفلسطينية ، وقد لاقوا تأييدا معينا في فلسطين ولبنان وسوريا إلا أن لجوئهم فيما بعد لشن الحرب على المخيمات الفلسطينية في شمال لبنان عام 1983 أدى لإهمالهم على الصعيدين الشعبي والوطني الفلسطيني بعد ذلك .
    إجبار الحكومة اللبنانية على توقيع إتفاقية صلح مع الحكومة الإسرائيلية وقعت في 17 أيار 1983 لكنها أفشلت فيما بعد بفعل ضغط المقاومة اللبنانية والحكومة السورية . كما عين الصهاينة بشير الجميل رئيسا للبنان حيث جاء على ظهر دبابة إسرائيلية كما قال أبو عمار [17] .
    الإختراق السياسي الكبير : تمثل بإنشاء روابط القرى كتجمعات فلسطينية عميلة موالية للاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية على غرار جيش لبنان الجنوبي ، لتهيئتها لتمثيل الفلسطينيين في الأرض المحتلة لقبول السلام على الطريقة الإسرائيلية ( الاستسلام ) واستبعاد منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة حركة فتح . وقد تزامن تأسيس هذه الروابط مع شن الحرب على لبنان بشكل ملفت للنظر . وتزعم هذه الروابط في الضفة الغربية مصطفى دودين من منطقة الخليل وجودت صوالحة من منطقة نابلس وغيرهم من مخاتير القرى والمدن الفلسطينية . وامتدت هذه الروابط القروية لمختلف المحافظات الفلسطينية لتشمل العملاء والمخاتير وسماسرة الأراضي . وعملت قوات الاحتلال على تسليح ميليشيات هذه الفئة الخارجة عن الصف الوطني والإسلامي الفلسطيني بالسلاح الإسرائيلي بصورة علنية وارتمت ( قيادات وميليشيات روابط القرى ) في أحضان الأعداء ونظمت مؤتمرات ومهرجانات لهذه الروابط بحضور قادة الإدارة المدنية – العسكرية الإسرائيلية في المحافظات الفلسطينية ، وذلك بعد تحجيم قوات الثورة الفلسطينية في لبنان . وأسندت لهم بالتعاون مع الإدارة المدنية الصهيونية الإشراف على تقديم خدمات أساسية كخدمات المياه والكهرباء وبناء بعض المدارس . فكانت هذه الشريحة الاجتماعية ، فئة فاسدة في طبيعتها وطنيا وأخلاقيا وماليا . كما حاولت قوات الاحتلال الإسرائيلي ربط المواطنين بهذه الروابط العميلة للاحتلال عبر الطلب من كل قروي الحصول على ( براءة ذمة ) ودفع مبلغ مالي معين في حالة رغبته الحصول على أي خدمة من الخدمات العامة كإصدار بطاقة هوية أو شهادة ميلاد أو رخصة سيارة أو رخصة قيادة سيارة أو غيرها . وقد فشلت هذه المحاولة فشلا ذريعا بعد فترة استمرت نحو ثلاث سنوات .
    تشكيل منظمات الشبيبة الفلسطينية التابعة للحركات والفصائل الفلسطينية وكانت منظمات الشبيبة التابعة لحركة فتح هي الأكثر عددا وعدة ثم الأطر الشبابية الأخرى التابعة لفصائل فلسطينية أخرى . جاءت هذه التشكيلات الثورية الشبابية الجديدة لسد الفراغ السياسي الذي نجم عن خروج الثورة الفلسطينية من لبنان . وشملت تشكيلات الشبيبة الفتحاوية : الاتحاد العام للجان  الشبيبة للعمل الاجتماعي في الأرض المحتلة حيث أنشأت هذه اللجان في القرى والمدن والمخيمات ، وحركات الشبيبة في الجامعات والمعاهد العليا والمدارس الثانوية وحركات الشبيبة العمالية ، وحركات الشبيبة في الاتحادات المهنية كالأطباء والمهندسين والصيادلة والمعلمين وغيرها . وكان الشهيد خليل الوزير ( أبو جهاد ) هو المشرف على إنشاء هذه التشكيلات الجديدة في الأرض المحتلة . وقد لعبت هذه الأطر الفتحاوية فيما بعد دورا هاما في انتفاضة فلسطين الكبرى عام 1987 . وساعدت في إسقاط روابط القرى في الأرض المحتلة التي حاولت الالتفاف على منظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده .

     كما أنشأت وتعززت بعد حرب 1982 لجان شعبية ونقابية للأحزاب والجبهات الفلسطينية مثل فروع الجبهة الشعبية والجبهة الديموقراطية والحزب الشيوعي . وأما بالنسبة للتيار الإسلامي فجرت عملية حشد جماهيرية كبيرة لجماعة الإخوان المسلمين مثل : الكتلة الإسلامية في الجامعات والمدارس ففازت في الجامعات بمقاعد مجالس طلابية كلها أو جزء منها ، والنقابة الإسلامية للعمال ، والكتل الإسلامية في النقابات المهنية وغيرها التابعة لجماعة الإخوان المسلمين حيث سيطرت الكتل الإسلامية الاخوانية على العديد من مقاعد النقابات المهنية . وأنشأت الكتل الطلابية الجامعية التابعة لحركة الجهاد الإسلامي التي تحالفت مع الكتل الإسلامية . وبذلك برزت منافسة سياسية – شعبية كبيرة على ساحة الوطن .

     على أي حال ، لقد كانت حرب لبنان ملحمة بطولية كبرى خاضتها القوات الفلسطينية – اللبنانية المشتركة في ظل اختلال موازين القوى لصالح الصهاينة ، عددا وعدة ، إلا أنها كانت أروع ما يكون من الجهاد والصمود كأطول حرب يخوضها العرب ضد الكيان الصهيوني في التاريخ العربي المعاصر ، تلازمت فيه وحدة النسيج اللبناني – الفلسطيني في الخندق والمتراس الواحد في مواجهة الغزاة والمحتلين الصهاينة تحت شعار ( حي على الجهاد .. حي على الجهاد ) ، لجذب إحدى الحسنيين النصر أو الشهادة لأنهما مفتاح النصر والصبر في أي معركة . ولكن هناك قول لا بد منه ، وهو ابتعاد الثورة الفلسطينية عن الأيديولوجية الإسلامية القادرة على التعبئة الفكرية والدينية المجاهدة أدى ويؤدي في كثير من الحروب مع بني صهيون إلى خسران المعركة منذ الأيام الأولى ، ولذا لا بد من استشراف وتهييج النصر المبين عبر الإسلام العظيم وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله العزيز الحكيم الذي ينصر المجاهدين والمستضعفين في الأرض ، وهو على نصرهم لقدير . يقول الله العزيز الحكيم ذو القوة المتين : { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41)}( القرآن الحكيم ، الحج ) .

ملاحظة هامة : هذه الدراسة منقولة عن كتاب ( فلسطين العربية المسلمة ) لمؤلفه الدكتور كمال علاونه ، صادر عن مؤسسة الإسراء العربي في نابلس ، لعام 2007 . ويدرس في جامعات فلسطينية لمساق الدراسات الفلسطينية وهو متطلب إجباري لطلبة البكالوريوس .

 

[1] وكالة أبو عرفة للصحافة والنشر ، الحرب الفلسطينية –  الإسرائيلية ، أطول حروب إسرائيل مع العرب ( القدس : وكالة أبو عرفة للصحافة والنشر ، 1982 ) ، ص 17 ، 32 .

[2] وكالة أبو عرفة للصحافة والنشر ، مرجع سابق ، ص 49 – 54 .  

[3] أبو جهاد ، أحاديث عن الانتفاضة ( تونس : الإعلام الفلسطيني الموحد – منظمة التحرير الفلسطينية ، 1988 ) ، ص 95 .

[4] من أبو عمار للجميع ، رسائل من قلب الحصار  ( القدس : وكالة أبو عرفة للصحافة والنشر ، 1983 ) ، ص 17 .  

[5] المرجع السابق ، ص 12 .

[6] المرجع السابق ، ص 14 .

[7] من أبو عمار للجميع ، رسائل من قلب الحصار .

[8] د. طارق السويدان ، فلسطين .. التاريخ المصور ، مرجع سابق ، ص 327 .

[9] من أبو عمار للجميع ، مرجع سابق ، ص 85 .

[10] من أبو عمار للجميع ، مرجع سابق ، ص 13 .

[11] أبو عمار ، حوارات ومواقف ، عن مجلة الحوادث ، 7 / 1 / 1983 ، أجرى الحوار : هدى الحسيني ، فريد الخطيب ، زكي شهاب ( تونس : دار النشر للمغرب العربي ، دون تاريخ نشر ) ، ص 10 .

[12] وكالة أبو عرفة للصحافة والنشر ، مرجع سابق ، ص 42 .

[13] أبو عمار ، حوارات ومواقف ، المرجع السابق ، ص 17 ، 19 .

14] ] المرجع السابق ، ص 9 .

[15] د. جواد الحمد ، مشاريع التسوية السلمية للصراع العربي – الإسرائيلي وعملية السلام في الشرق الأوسط ، في المدخل إلى القضية الفلسطينية ، ص 479 – 482 .

[16] د. طارق السويدان ، مرجع سابق ، ص 330 – 333 .

[17] أبو عمار ، حوارات ومواقف ، مرجع سابق ، ص 11 .

 

 

 

 

 

أضف الى مفضلتك

    del.icio.us
    Digg
    Facebook
    Google
    LinkedIn
    Live
    MySpace
    StumbleUpon
    Technorati
    TwitThis
    YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : شؤون وطننا فلسطين | السمات:شؤون وطننا فلسطين
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  
تعليق واحد

تعليق واحد على “ملحمة لبنان الكبرى الأولى 1982”

    سلام الحاج قال:
    يونيو 4th, 2008 at 4 يونيو 2008 6:17 م

    لا بد من استشراف وتهييج النصر المبين عبر الإسلام العظيم وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله العزيز الحكيم الذي ينصر المجاهدين والمستضعفين في الأرض ، وهو على نصرهم لقدير . يقول الله العزيز الحكيم ذو القوة المتين : { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41)}( القرآن الحكيم ، الحج ) .

    ليباركك الله تعالى يا عزيز ي الغالي دكتور كمال علاونة يا ابن فلسطين الحبيبة الغالية المسلمة الموعودة بالنصر من رب العباد وان الله على كل شيء قدير نعم المولى ونعم النصير .

    وانني ما من مرة اقرأ لك الا وادعو لك بكل الخير ليحفظك الرب العزيز الجليل وهو خير حافظا وهو ارحم الراحمين .

    وربي بديع السماوات والارض الحي القيّوم ذو الجلال والاكرام انني احب فلسطين واهل فلسطين وكل المظلومين والمؤمنين في الارض وكما قال سبحانه وتعالى ووعد بالبشرى : ” وبشّر الصابرين “. ادعوه ان تكون بشارتنا في تحرير فلسطين وكل اراضي المسلمين من ايدي المعتدين ان الله على كل شيء قدير .

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    سلامي الخاص لصديقتك ومرافقتك الدائمة امل الزهراء

    قبلاتي واشواقي الكبيرة لها ولزوجتك الغالية دمتم بالف خير وصحة وسعادة

    اختك سلام الحاج

    من جنوب لبنان

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s