وَلَا تَجَسَّسُوا د. كمال علاونه

وَلَا تَجَسَّسُوا   

د. كمال علاونه
أستاذ العلوم السياسية
فلسطين العربية المسلمة

يقول الله العزيز الحكيم جل جلاله : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12)}( القرآن الحكيم ، الحجرات ) . وجاء بصحيح البخاري – (ج 19 / ص 8) عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا )) .
حكمت المحكمة الفلسطينية الخاصة بمدينة الخليل يوم 14 تشرين الأول 2008 على 3 اشخاص بالإعدام بتهمة التخابر ( التجسس ) على السلطة الوطنية الفلسطينية لصالح الكيان الصهيوني المحتل لفلسطين ، ثم خفضت الحكم بالسجن الفعلي لسبع سنوات .
وفي السياق ذاته ، كانت تناقلت الأنباء من قطاع غزة هاشم ، صيف 2008 أن أجهزة الأمن الفلسطينية التي تتزعم قيادتها حركة المقاومة الإسلامية ( حماس ) ألقت القبض على شبكات عملاء تتألف من 75 جاسوسا يتعاطون مع الاحتلال الصهيوني ويروجون المخدرات والموبقات والكبائر فكان هذا بمثابة زلزال سياسي أمني رهيب اقض مضاجع فلسطين العربية المسلمة من جهة ، كونه حدثا مخيفا بهذا الكم الهائل ، أين كان هؤلاء الأنذال مختفين ؟ وكيف ؟ ومن تستر عليهم ؟ وهل يعقل أن يبقى هؤلاء فترة طويلة دون انكشاف أمرهم ؟ وأين كانت الأجهزة الأمنية الفلسطينية ؟. وما هي طبيعية العقوبات التي ستنزل عليهم هل هي مشددة أم يتم أيجاد مخارج قانونية وسياسية واقتصادية وإصلاحية وعشائرية لهم ؟
وقبل هذا الكشف الأخير عن هذه الشبكة الحقيرة من أنذال البلاد المأجورين المرتزقة ، ممن باعوا أنفسهم لشياطين الإنس والجن والأعداء كشفت حركة إسلامية مقاومة أخرى وهي حركة الجهاد الإسلامي ، عن شبكة عملاء للاحتلال قبل فترة وجيزة ، في قطاع غزة أيضا ، ولم تكن هناك ملاحقة فعلية رسمية لهؤلاء الأنجاس الأرجاس ، اللهم إلا من بعض الملاحقات الشعبية والتنظيمية وعلى نطاق محدود . وأما زمر الاحتلال من عملاء وجواسيس فهم يصولون ويجولون في أرجاء الضفة الغربية المحتلة ؟ لقد أصبحت زمر الاحتلال تتهاوى وتتساقط كتساقط الذباب على المزابل ، فليذهبوا إلى مزابل التاريخ الفلسطيني ؟ فالذباب عندما يتساقط على المزابل عن ماذا يبحث ؟ يبحث عن القمامة ، وهؤلاء الأنذال بحثوا عن قمامة الاحتلال اليهودي ، فهنيئا لهم هذه المزابل القذرة !! وطوبى للمرابطين المدافعين عن الحق والحرية والاستقلال ، الصابرين في ارض كنعان العربية المسلمة ، الذين يكتشفون هؤلاء الأوباش الفجرة الكفرة ، فيجب أن ينالوا الأوسمة والجوائز العينية والمالية والمعنوية في الوقت ذاته ؟ فتسلم تلك العقول التي تخترق جبهة الأعداء المجرمين الذين يقتلون أبناء فلسطين ، وتسببوا في استشهاد أفضل المواطنين ، فالشهداء أكرم منا جميعا ، ولا يكفي تأنيب الضمير لهؤلاء ؟ فهؤلاء لا إصلاح لهم بتاتا وأمكنتهم المزابل وهي كثيرة عليهم ، يجب دفنهم تحت المزابل الكبيرة لا الصغيرة . وفي سياق آخر ، نفذت حركة التحرير الوطني الفلسطيني ( فتح ) عمليات فلسطينية جريئة إبان الانتفاضتين الفلسطينيين : انتفاضة فلسطين الأولى والثانية وهي انتفاضة الأقصى أعدمت فيها عشرات العملاء ممن باعوا شرفهم وكرامتهم للأعداء ، وكان لها السبق الأمني في هذا المجال . وهناك مثال حي على إعدام العملاء كما حدث في قباطية في محافظة جنين عندما أعدم عميل شعبيا وعلق جسمه على عمود كهرباء ونشرت صورة ووزعت في جميع أرجاء فلسطين في انتفاضة فلسطين الكبرى الأولى .
لقد تم الإعلان عن كشف هذه الخلايا الاخطبوطية السرطانية التي نخرت أوصال المجتمع الفلسطيني فكان بمثابة توجيه ضربة قوية قاصمة ستخلط الأوراق من جديد أوراق الاحتلال الصهيوني وأذنابه بقطاع غزة الصامد المرابط ضد الأعداء ، أعداء الوطن وأعداء الأمة من بني صهيون ، وأشارت بعض القيادات الفلسطينية والأجهزة الأمنية بأنه سيوقع بهؤلاء العملاء المارقين أشد العقوبات ، فلنرى ونسمع ونحن بالانتظار ونقول يا الله يا عزيز يا جبار ؟ وعملية الكشف العلني عن شبكات الجاسوسية الأمنية ضد الفلسطينيين تعد سابقة جديدة مفرحة تسر الناظرين والمتابعين ، تسجل لصالح الحفاظ على الأمن الوطني الفلسطيني العام وتوفير الأمن والأمان لبني فلسطين الأصليين . والخطوة هذه وإن جاءت متأخرة إلا أنها تثلج صدور المواطنين الفلسطينيين كي يعيشوا بعيدا عن غول الاحتلال اليهودي الحاقد على أهل البلاد من شرقها لغربها ومن شمالها لجنوبها . وينتظر الفلسطينيون بفارغ الصبر حكم هذه الزمرة العميلة ومحاكمتها محاكمة سريعة ولا تأخذ مصدري الحكم رأفة أو رحمة طالما ساهم هؤلاء في إلحاق الضرر والأذى بالوطن والمواطن ، وجريمة الخيانة تستحق الإعدام دون إبطاء ، ليكونوا عبرة لغيرهم ممن باعوا أنفسهم لشياطين إبليس الرجيم فقبلوا بأن يعملوا لصالح الاحتلال اليهودي ضد أهلهم وذويهم وأبناء شعبهم ووطنهم . فماذا يتوقع هؤلاء العملاء ؟ هل يتوقعون أن يأخذوا أوسمة ونياشين من المقاومة الفلسطينية بجناحيها الوطني والإسلامي ؟ كلا ، وألف كلا ، هؤلاء يستحقون العذاب الشديد في الدنيا والآخرة ، فقد عصوا رب العالمين الداعي لعدم التجسس ومجاهدة الأعداء المحتلين ، وعقاب الدنيا يجب أن يكون شديدا وصارما ، وهذا العقاب الذي طالب ويطالب به شعب فلسطين : هو الإعدام ، والإعدام فقط لا ثاني له من عقوبة ؟؟!! وذلك لمن تورطوا في مستنقع الخيانة حتى أعناقهم الخبيثة ، وليحاكموا سريعا بروية واقتدار وعدالة فلسطينية مطلقة لترسيخ مبادئ العدالة الإسلامية القويمة .
على العموم ، بعد إنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية على جزء من ارض الوطن الفلسطيني في قطاع غزة وبعض أجزاء الضفة الغربية المحتلة عام 1994 ، لم يعدم أي عميل أو جاسوس للاحتلال إلا لماما ؟ ترى لماذا ؟ ويمكن القول ، إن الاتفاقيات الهزيلة كاتفاقية أوسلو حمت هؤلاء الأنجاس الأرجاس من طائلة العقاب بعدة طرق : أولاها : تعهد الجانب الفلسطيني بعدم التعرض لهم بأذى حقيقي وحتى إبقاءهم في الدوائر الحكومية والعامة التي كانت قائمة زمن الاحتلال الصهيوني البغيض . وثانيها : دعاوى الإصلاح والتأهيل لهذه الشرذمة المارقة عن الإسلام والوطنية والقومية ؟ وثالثهما : الدمج في المجتمع وكافة الشؤون الحياتية لإبقاءهم تحت السيطرة وهي سيطرة نظرية فما كان من بعضهم إلا وأن اخترق الأجهزة الأمنية نفسها ، واخترق حركات وفصائل وطنية وإسلامية على السواء في غياب الرصد والأمن الثوري الحقيقي ؟؟ بقرار احتلالي وحشي . والطرق الثلاثة جعلت هؤلاء اللئام المجرمين يستمرون في غيهم وفي ارتباطهم بقوى الظلام والضلال والمغضوب عليهم ، فاستمروا في تعاطيهم مع الاحتلال إما بدوافع الترهيب كالتخويف من كشف أسرارهم الحقيرة ، أو الاعتداء على محارمهم وأقاربهم أو بدوافع الترغيب بتوفير بعض الممتلكات الصغيرة لهم كالسيارة أو العمارة أو تزويدهم بالمخدرات أو بأجهزة خلوية من شركات سيليكوم الصهيونية وموتورولا وأورانج وسواها . ولا ننسى جرهم لمستنقعات الذل والمهانة والدعارة وعالم المومسات اليهوديات الشقراوات المستوردات خصيصا لهذه المهمات القذرة وخاصة من روسيا واوروبا ، بإشراف أمني مخابراتي صهيوني داخلي وخارجي ، من الشين بيت والموساد الصهيوني .
على أي حال ، من خلال تجربة الشعب الفلسطيني الكبيرة خلال السنوات الستين الماضية ، والانتفاضات الفلسطينية العامة كانتفاضة فلسطين الكبرى الممتدة بين الأعوام 1987 – 1994 ، وانتفاضة الأقصى المجيدة بين الأعوام 2000 – 2006 ، وما سبقها وما تلاها ، والإمساك ببعض هؤلاء الجواسيس الأنذال من شياطين الإنس ، هناك العديد من أساليب ربط هؤلاء العملاء والجواسيس بأجهزة المخابرات والاحتلال الصهيوني من أهمها : الإرهاب والتخويف العسكري والأمني ، ومنع تسهيل الحياة اليومية لهم ، ومنع التصاريح عنهم . والترغيب بتخصيص محفزات وإغراءات فانية باطلة كالسماح لهم بارتياد دور الملاهي والبارات وأماكن الدعارة المنتشرة في المستعمرات اليهودية أو منحهم تصاريح عمل في المستوطنات اليهودية ، ومنحهم تسهيلات زائفة لحماية منشآت اقتصادية يهودية ، أو تزويدهم بالمخدرات كالحشيش والأفيون والطلب منهم توزيعها على أكبر عدد ممكن من أبناء فلسطين .
وتجدر الإشارة إلى أن قيادة السلطة الوطنية الفلسطينية بعد تسلمها زمام بعض الأمور في جزء من ارض فلسطين وإبان انتفاضة الأقصى الباسلة ، عمدت إلى اعتقال المئات واحتجزتهم في سجون نابلس وجنين وغزة والخليل وغيرها من السجون الفلسطينية ، احتجزت مئات من أبناء إبليس الرجيم ممن باعوا ضمائرهم ووطنهم وقبلوا على أنفسهم أن يخدموا الاحتلال اليهودي – الصهيوني الرابض على الجسد الفلسطيني من أقصاه إلى أقصاه . إلا أن أبناء شعب فلسطين تمنوا أن يتم إعدام أي عميل أو جاسوس أمني من التابعين للاحتلال اليهودي ، ولكن للأسف لم يتم إعدام رسمي لأي منهم ، بدعاوى عدم فضح الأمور ، والظهور بمظهر الحفاظ على حقوق الإنسان في فلسطين ، والرأي الفلسطيني الغالب الذي لا يسمع صوته لسان حاله يقول : اعدموا هؤلاء الخونة .. اعدموا هؤلاء الجواسيس .. اعدموا هؤلاء العملاء !!.
وقد جرت بعض المحاكمات المدنية الفردية أمام محاكم مدنية فلسطينية وليست عسكرية علما بأن هناك محكمة عسكرية كانت موجودة ، لبعض هؤلاء الأنذال الذين لا يستحقون الحياة في الأرض المقدسة ، لأنهم نجس ورجس من أعمال الشيطان وصدرت أحكام رسمية فلسطينية ضد بعضهم بالسجن 10 سنوات فعليه أو 15 سنة فعلية ، أو أكثر أو اقل وتم تجميع هؤلاء الأذناب الأنذال في سجون فلسطينية وكانوا يأكلون ويشربون ، ويعاملون معاملة حسنة ؟؟ ! من السجانين الفلسطينيين ؟؟! بدلا أن يضربوا بالأحذية صباح مساء على وجوههم واقفيتهم لفترة بسيطة تمهيدا لإعدامهم ليروا العذاب الأليم ويتجرعوا جزءا من سم الزعاف الذي أذاقوه للمواطنين والقادة الفلسطينيين . وإثر اقتحام قوات الاحتلال اليهودي زمن ارئيل شارون الرجيم ، الذي لا يموت فيها ولا يحيى ، في 29 آذار 2002 ، وإعادة احتلال مناطق الضفة الغربية فيما كان يعرف بمناطق أ الخاضعة للسيطرة الأمنية والمدنية للسلطة الوطنية الفلسطينية التي أطلق عليها الاحتلال ( عملية السور الواقي ) لوقاية المستوطنات السرطانية الاستعمارية في فلسطين من عمليات المقاومة الوطنية والإسلامية المنطلقة من مناطق أ ، هرب معظم أن لم يكن كل هؤلاء الجواسيس من سجون السلطة الفلسطينية ، والبعض منهم قتل وأعدم رأسا من قوى الثورة والانتفاضة الفلسطينية تنفيذا لحكم كان صدر ضده من المحاكم الفلسطينية ، إلا أن الغالبية العظمى من سماسرة الأراضي الأوباش والعملاء المتساقطين لا زالوا بين ظهراني الشعب الفلسطيني ويعرفهم المواطنون ولكن السلطة الفلسطينية لا تؤخر ولا تقدم شيئا حيال التعامل السوي مع هؤلاء الأنذال الشياطين الذين التحقوا بمعسكرات الأعداء ضد أبناء الإسلام وأبناء الوطن الغالي الحبيب . فأزلام روابط القرى العميلة للاحتلال ما زالوا يصولون ويجولون وسماسرة الأراضي أخذوا بعض الأماكن المتنفذة في النظام السياسي الفلسطيني الهش الهزيل الذي يتحكم به الاحتلال سياسيا واقتصاديا وعسكريا بالدرجة الأولى . ولم يتناقص أزلام الاحتلال الصهيوني وإنما هم في زيادة مستمرة طالما لا توجد إجراءات ردع عسكري رسمي وشعبي فلسطيني لهم من أهل البلاد الأصليين ويحسب لهم بعض الفلسطينيين ألف حساب وحساب .
بيد أن الافتاء الفلسطيني كان أصدر فتاوى صحيحة ضد العملاء الأنذال الأوباش قضت بمقاطعتهم اجتماعيا وعدم الصلاة عليهم عند موتهم وعدم دفنهم في مقابر المسلمين . ولكن هذه الفتاوى بقيت حبرا على ورق ، فنرى التعازي في صدر الصفحات الأولى للصحف الفلسطينية لمثل هؤلاء العملاء والجواسيس ومما يزيد الطين بلة أنه يتم تأبينهم وكأنهم من المحسنين وأصحاب الفضل في هذه المدينة أو القرية أو المخيم ؟؟ لقد غابت بوصلة فلسطين عن هداها حيال هذا الأمر ، ولم تكترث القيادات الفلسطينية في إيقاع العقوبات تلو العقوبات على مثل هؤلاء الأنجاس الأرجاس ؟؟؟ فاستفحلت الأمور ولم تعد تطاق ، وأنشغل أهل فلسطين الوطنيين والإسلاميين ببعضهم البعض وتركوا الحبل غالبا على الغارب لشياطين الاحتلال يعيثون فسادا وإفسادا في الوطن الفلسطيني المبارك ؟؟؟
وقد رأينا ما قبل الانتخابات التشريعية الفلسطينية الثانية في تسابق الحركات والفصائل الفلسطينية في ضم الكم الهائل من الناس لعضوية هذه الحركة أو تلك أو هذا الحزب أو ذاك ، أو هذه الجبهة أو تلك ؟؟ دون تنقية أمنية حقيقية ، فجرى ما جرى ، وأخذوا الغطاء التنظيمي الهش الضعيف الذي هو أوهن من بيت العنكبوت .
وتجربتي الخاصة بمعاقبة الأنذال الشياطين من العملاء والجواسيس ومخلفات روابط القرى البائدة ، من ميليشيات وأزلام الاحتلال اليهودي النجس ، ظاهرة للعيان ، وقد تعرضت عدة مرات للملاحقة والاغتيال ولكن بفضل الله كانت تلك المحاولات تبوء بالفشل ، وشعاري الإسلامي الدائم ( اللهم أكفينهم بما شئت ) . كنت في أحد الاجتماعات في مقر المقاطعة الفلسطينية بمدينة رام الله – العاصمة الإدارية المؤقتة للسلطة الوطنية الفلسطينية – في اجتماع حاشد ضم أكثر من 200 شخصية أكاديمية وسياسية وتنظيمية من الشخصيات التي لها باع طويل في العمل الوطني الإسلامي ضد الاحتلال ، سياسيا وعسكريا وامنيا وأكاديميا ، اجتمعنا مع بعض قيادات إحدى الحركات الفلسطينية ، وكان وقتها أحدهم رئيسا للوزراء ، وتحديدا في خريف 2005 ، وقلنا لهم بأنه لا يجوز تنسيب عملاء لحركات فلسطينية وهذا ليس إصلاحا بل فساد وإفساد سياسي وأخلاقي وأمني رهيب ؟ تحدث بعض أعضاء القيادات الوطنية من مختلف بقاع الضفة الغربية ، وتحدثت شخصيا عن هذه الظاهرة بنوع من الإسهاب وقلت لهم أخرجوا العملاء من فلسطين ، بعقابهم وإنزال أشد العقوبات بهم ، وطردهم من الحياة الاجتماعية والمؤسسة في البلاد ، والميل باتجاه العدل في تطبيق هذه المسائل ، دون ظلم لأي أحد منهم ، ولا تبقوا تحترمونهم وتلقون إليهم بالمودة والرحمة ، فلن نتحرر ولن ننال الاستقلال الأمني والسياسي والاقتصادي ولن نأخذ حريتنا المسلوبة طالما مثل هؤلاء الأنذال موجودين بين ظهرانينا ؟؟ فالاحتلال لم يغب عنها ، فإن غاب رأسه طلت قدماه ، وهذا يبقينا كالنعامة التي تدفن رأسها في الرمل وتبقي جسدها فوق الرمال ظنا منها أنه لن يراها أحد ؟ طالبت بوضع حد لظاهرة العمالة والعملاء في فلسطين بشكل رسمي ، في ذلك الاجتماع الكبير ، وتطبيق تجربة الثورة الجزائرية في هذا المجال التي انتصرت بعد سبع سنوات عجاف من انطلاقتها ، إذ كانت تستخدم أسلوب قتل كل عميل وكل من له صلة به من الآباء والأمهات والأقارب الآخرين ؟ هكذا نحن ننتصر ونرتب بيتنا الداخلي ونقضي على بؤر الفساد والظلام داخل صفوفنا المبعثرة . وما أن أنهيت مقالاتي وخطابي الذي استمر عشر دقائق حتى إنهالت قيادات وقيادات سياسية وتنظيمية من نواب وبرلمانيين وأكاديميين جامعيين وقيادات ميدانية تثني على ما قلته ، وكل من تحدث بعدي كان يقول كما قال الدكتور كمال الذي سبقني بالحديث. لا أريد أن أقول إلا الحقيقة ، وكل من كان معي يعرف ذلك حيث أنهم ما زالوا أحياء يرزقون . لقد طالبنا وطالبنا ولكن لا تنفيذ على أرض الواقع لقمع هؤلاء المفسدين في الأرض وأوصلنا قولنا ومطالبنا حيال هذه الفئة المارقة بأن يتم إبعادهم عن الوزارات والمؤسسات والدوائر العامة من مخلفات الاحتلال البغيض ممن تسلق وتسلق أحبال الهواء والشهوات الطعامية والجنسية والمشروبات الخمرية الكحولية .
على العموم ، إن العمالة الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، للاحتلال السرطاني الشيطاني في فلسطين من ذوي النفوس المريضة لم تنتهي ولن تنتهي إلا إذا كان هناك حزما وصرامة ما بعدها صرامة ضد هؤلاء الأوغاد ؟ فليمحقهم الله محقا محقا دون رحمة أو رأفة أو إصلاح ، فمثل هؤلاء المارقين الخونة لا صلاح ولا إصلاح ولا توبة نصوحا ولا تأهيل لهم بأي حال من الأحوال ؟؟ فليذهبوا إلى الجحيم ، جحيم الدنيا قبل الآخرة ، فالله لهم بالمرصاد ، والله يمهل ولا يهمل .
ترى ماذا يفعل عملاء وجواسيس الاحتلال في بني جلدتهم من أبناء فلسطين الميامين ؟ هناك العديد من القذارات التي يتبعها هؤلاء الأوباش من أهمها : تصفية فلسطينيين مناوئين للاحتلال البغيض ، وإطلاق النار على الوطنيين من الحركات الوطنية والإسلامية ، والإخلال بالأمن والنظام الفلسطيني العام ، وتكدير حياة بعض المواطنين ، وإطلاق الإشعاعات النتنة الخبيثة وترويجها بإشراف يهودي ، وتوزيع المخدرات والمسكرات على الشباب اليافعين ، ومحاولة إسقاط فتيات وفتيان ليس لديهم تجربة عامة في الحياة لمثل هذه القذارات والسفالات ، وافتعال الفتن الداخلية بين أجنحة المقاومة الفلسطينية : الإسلامية والوطنية ، وتزويد الأعداء بمعلومات جديدة متواصلة ومراقبة تحركات الفلسطينيين ، ممن وضعتهم قوات الاحتلال تحت مرمى استهدافها . وبسبب قذارة هؤلاء العملاء استشهد مئات الفلسطينيين من طائرات الاحتلال جوا بإطلاق صواريخ على أبناء فلسطين الأحرار الشرفاء . وتستغل أجهزة الاحتلال لتجنيد العملاء عدة طرق لإسقاط هؤلاء الأنذال في حبائلها السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، المتعددة الوجوه والأشكال الحقيرة القذرة ، فقذارة أجهزة الأمن اليهودية لا توصف وليس لها حدود في هذا المجال . ومن أهم هذه الطرق الخبيثة : المال والجنس والإرهاب والتناحر الداخلي والعشائرية والعصبية القبلية . فتصبح أجهزة الاحتلال توجه النواصي الكاذبة الخاطئة لهؤلاء الأنجاس الذين لا يجب اعتبارهم من فلسطين ، أو من أهل فلسطين بتاتا .
وسأحدثكم قصة عن العمالة طريفة وظريفة ، حدثت ضدي أنا شخصيا : في عام 1985 ، وعمري 24 سنة ، أي في ريعان الشباب والحيوية والعطاء الفلسطيني ، كنت من قيادات العمل الميداني الفلسطيني على مستوى فلسطين ، حيث كنت نائبا للأمين العام للجان الشبيبة للعمل الاجتماعي في الأرض المحتلة ، ونشيطا جدا في جامعة النجاح الوطنية في نابلس ، التي كنت أتلقى فيها الدرجة الجامعية الأولى بتخصص العلوم السياسية والصحافة ، وكانت سلطات الاحتلال اليهودي تلاحقني بعيونها القذرة من مكان لآخر ، رغم تكتمي الشديد على تحركاتي ولا يعرف مكان تحركاتي الاجتماعية والسياسية والثقافية حتى أهلي كأبي ووالدتي الكريمة وزوجتي الغالية ، فهم يعرفون أنني من القيادات الميدانية الفاعلة إلا أنهم لا يعرفون أين أذهب وما طبيعية عملي . صدر أمر باعتقالي من الاحتلال الصهيوني في 28 آب 1985 اعتقالا إداريا لمدة ستة شهور وأنا في البيت بقريتي عزموط ونقلت للزنازين اليهودية في طولكرم ووضعت الأصفاد في يدي ورجلي ثم نقلت لسجن الجنيد المركزي بنابلس في شمال وسط فلسطين ومكثت فيه اقل من شهرين ثم نقلوني مع بعض زملائي إلى سجن بئر السبع جنوب فلسطين المحتلة إثر خوضنا إضرابا سياسيا ضد اعتقالنا إداريا ، وأفرج عني بعد نهاية فترة اعتقالي فخرجت بعد ستة شهور من الاعتقال الإداري القذر من الاحتلال اليهودي كان ذلك أواخر شباط 1986 . وما أن خرجت من السجن حتى بادر للقدوم والتهنئة والتسليم علي أحد مخلفات الاحتلال الصهيوني ممن كان قائدا رائدا في روابط القرى العميلة للاحتلال ، كان أول المهنئين ، فلم آتي للتسليم عليه حيث كنت في غرفة النوم وهو دخل دون سابق إنذار لغرفة الضيوف ، ولكن والدي طلب مني ذلك وقال لي هؤلاء ضيوف وما عسانا أن نفعل بهم ، وقال لي : حب وداري وأبغض وواري ! قلت لوالدي لن اسلم عليه فهذا قذر جدا ، وهو يعرف موقفي جيدا بأنه رجل فاسد ومفسد غير مستقيم من مخموري وسكيري وأوباش روابط القرى العميلة للاحتلال كنا نتحاور ما يمكن فعله ، إزاء هذا الحدث ، عرف الشخص المعني بموقفي وأحس أنني أعرف عنه الكثير ، فجفل وتراجع القهقرى ، وأراد أن يقبلني لتهنئتي تهنئة حارة ، فقلت له يكفي السلام والمصافحة باليد فقد ، فأوجس مني خيفة ، فامتنعت عن السماح له بتقبيلي ، وسابقا كنت أتابع تحركاته ، كما يتابع تحركاتنا ، فقد كنت أتردد على معظم وقرى محافظة نابلس ، للعمل الوطني الاجتماعي والسياسي ، ولكنه كان في الاتجاه المعاكس يعمل في ميليشيات روابط القرى العميلة للاحتلال اليهودي . أنقذ موقفنا قدوم شباب للتهنئة بخروجي والإفراج عني من سجون الاحتلال اللئيم ، ولم ألق له بالا فخرج وعاد أدراجه لبيته القريب من بيتنا المتواضع .
وفي عام 1988 إبان انتفاضة فلسطين الكبرى الأولى تم اعتقالي في الفوج الأول من المعتقلين الإداريين ، لمدة ستة شهور أمضيت جزءا منها في زنازين الاحتلال اليهودي في سجن الفارعة شمال نابلس والجزء الأكبر من فترة الاعتقال الإداري نقلوني بزنزانة متنقلة مع زملاء لي من أسرى فلسطين ، لسجن أنصار 3 في النقب ( كتسعوت 7 ) وأنهيت الشهور الستة وتم الإفراج عني ، وبعدها بأيام قليلة ، جاءني رجل وأخيه ، من جيراننا أحدهم كان عضوا في ميليشيات روابط القرى المتعاملة مع الاحتلال حيث كان لديه مسدسا يطلق النار فيه في الأعراس على مرأى ومسمع من الاحتلال اليهودي علما بأن كل من كان يشك في أمره من أهل فلسطين الطيبين من قبل الاحتلال بامتلاك مسدس أو رشاش يحكم عسكريا بعدة سنوات . جاءوني ، وأخبروني شيئا عجيبا غريبا ، لم أتفاجأ به ، كوني كنت اعتقده جازما ، وهي قدوم هذين الرجلين للاعتذار مني بان إبنهم كان يعمل ضدي ، وضد الأسرى المحررين المفرج عنهم ، ويلقي حجارة على بيوت المواطنين الآمنين ، وقد اعتقله شباب الانتفاضة الباسلة من ملاحقي العملاء والجواسيس وعذبوه واعترف بأنه كان تقاضى 120 دينارا أردنيا من ضابط المخابرات اليهودي لمراقبتي ومراقبة كل من يأتي لبيتنا واسمه الحرفي : ( ع ع ح ح ) كان عمره أصغر مني بثلاث سنوات تقريبا ، ولقبه ضابط المخابرات الصهيوني ( أبو الأسد ) وكان يسجل أرقام السيارات التي تأتي لبيتنا ومعظمها كانت تأتي عندي كوني كنت من قيادات الانتفاضة الميدانية ، وكان يكتب تقارير في لأجهزة الاحتلال العسكرية ، لقد باعني وباع فلسطين بنحو مائتي دولار أمريكي وهو دولارات بخسة ، لقد اعترف على نفسه عند شباب انتفاضة فلسطين وطلب منه شباب الانتفاضة أن يأتي لبيتي وبيت والدي ويعتذر لنا عما بدر منه ، فقلت له ما شأني أنا ، خلص أمورك مع الشباب الفلسطينيين الذين اعتقلوك ؟ وهذا العميل القذر ، بعد سنوات مسك متلبسا باغتصاب طفل صغير لا يبلغ أكثر من عشر سنوات من قرية أخرى من محافظة نابلس جبال النار ، عندما كان يعمل حارسا لأحد المستشفيات الحكومية ؟؟ فسجن مدنيا من السلطة الوطنية الفلسطينية وتدخل بعض المرائين والمنافقين وأخرجوه من السجن ليعود يمارس دوره المنحط والسافل ضد أهل البلاد الوطنيين الذين يحاربون الاحتلال المقيت . ولم يصلح حاله مع شباب فلسطين الوطنيين المجاهدين ، وفي انتفاضة الأقصى المجيدة ، تم اعتقاله من الأجهزة الأمنية الفلسطينية لأنه فيما يبدو كان يسافر لرام الله ليفعل فعلاته السابقة ، في العمالة والتجسس ولكن على مستوى أعلى وأكبر ، كونه غير معروف هناك لأنه من محافظة أخرى ، وعندما جاءت عملية السور الواقي الصهيونية ضد الفلسطينيين أخلي سبيله ، وقد جاء قوات من جيش الاحتلال وأخرجته من قريتنا عزموط بدعاوى أنه يريد السفر لكندا ، فهل من يريد السفر لكندا تأتي عدة جيبات عسكرية يهودية لحمايته ؟؟؟ أنتهى وجوده في القرية كليا وبقي له بيت من آثاره التي ورثها زورا وبهتانا عن بعض الجدات الطيبات ، فقد هرب من الملاحقة بعد كشف أمره بصورة جلية . هذا هو حال بعض أذناب الاحتلال اليهودي ، مصيرهم الخروج أو الإخراج من فلسطين الأرض المقدسة ، ويلقي به إلى قارعة الطريق بدلا من أن يأخذ جزائه الأوفى دون ظلم أو مظلمة له أو لغيره ، بل الحكم بالعدل على مثل هذه الحالات .
وفي سياق آخر ، يمكننا القول ، إن أي شعب من الشعوب أو أي أمة من الأمم تتعرض لما يتعرض له شعب فلسطين ، من احتلال أو استعمار ارتمى بعض أبنائه الخونة في أحضان الأعداء وباعوا أنفسهم المريضة للشياطين وقوات الاحتلال وناصروا أعدائهم على أبناء شعبهم وأمتهم ، ولم ترحم هذه الفئة الضالة ، الحركات المجاهدة ضد الأعداء ، وعاقبهم الأهالي العقاب الأمثل والأنسب ، ليس بمقاطعتهم فحسب بل وعدم احترامهم وعدم مشاركتهم في الأفراح والأتراح وعدم دفن جثثهم النجسة في مقابر الشعب والأمة المكافحة ضد الأعداء المحتلين . والشعب الفلسطيني كغيره من الشعوب خرج بعض زمره الضالة عن الطريق القويم ولجأوا للطريق الأعوج المعوج . فنالوا العقاب والعذاب النفسي والجسدي في الآن ذاته . فالخزي والعار لعملاء وجواسيس الاحتلال أينما كانوا ، وإن لبسوا ما لبسوا من عباءات مزيفة سياسية أو اقتصادية .. والمجد كل المجد للشهداء الأبرار التي صعدت أرواحهم لجنات النعيم المقيم عند الله العزيز الحكيم الرفيق الأعلى الأسعد رب العالمين . فالشهداء أحياء عند ربهم يرزقون ، ولكننا لا نشعر بهم ، والله نسأل أن يرزقنا الشهادة في سبيله مقبلين غير مدبرين ، وأن نعيش شهداء سعداء أحياء عند ربنا نرزق من رزقه الطيب إن شاء الله رب العالمين فهو الشهيد وعالم الغيب والشهادة الكبير المتعال وهو على كل شيء قدير .
وكلمة أخيرة لا بد منها ، لا بد من العمل الحثيث على تنشئة أبناء فلسطين تنشئة إسلامية وطنية قومية قويمة تنبذ التعامل مع الأعداء تحت أي ظرف من الظروف ، وتحصين الأجيال الفلسطينية يكون بصورة متواصلة لحمايتهم وحماية ذويهم وأهلهم وسمعتهم وعدم تمكين الاحتلال من استخدامهم بأي صورة من الصور . والحركات الفلسطينية الوطنية والإسلامية مدعوة لتكثيف فعالياتها التنظيمية والتوجيهية العامة والخاصة ، والعمل على تحصين الأسر من الوقوع في شباك الأعداء المجرمة عبر أساليب الترغيب والترهيب . والإسلام هو الأنسب لقهر الأعداء والمندسين ومحاربة النذالة والحقارة في المجتمع فتعاليم الإسلام شاملة ووافية لزرع الوازع الديني والمحاسبة الذاتية والإلهية للفرد قبل محاسبته من الآخرين .
وقبل أن نختتم هذا الموضوع نقول كما جاء بكلام الله العزيز الحكيم ، قاهر الأعداء من الكافرين والمنافقين أجمعين : { إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145)}( القرآن المجيد ، النساء ) .

والله ولي التوفيق .

سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين .
سلام قولا من رب رحيم . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
============================================

——————

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s