قراءة في قرار مجلس العموم البريطاني للاعتراف بدولة فلسطين د. كمال إبراهيم علاونه

د. كمال ابراهيم علاونه في المسجد الاقصى المبارك بالقدس المحتلة

قراءة في قرار مجلس العموم البريطاني للاعتراف بدولة فلسطين

 د. كمال إبراهيم علاونه

أستاذ العلوم السياسية

نابلس – فلسطين

 

 استهلال

في خطوة سياسية برلمانية غير مسبوقة في قارة أوروبا ، وبناء على اقتراح جراهام موريس، النائب من حزب العمال البريطاني المعارض ، اتخذ مجلس العموم البريطاني ( البرلمان ) قرارا يطالب الحكومة البريطانية بالاعتراف بدولة فلسطين . وجاء التصويت بغالبية ساحقة بلغت 274 صوتا ومعارضة 12 صوتا من اصل 650 نائبا بريطانيا منتخبا من الشعب البريطاني ، وتغيب عن التصويت وزراء الحكومة البريطانية ، وذلك ليلة الاثنين 13 تشرين الاول 2014 م .

واصدرت وزارة الخارجية البريطانية بيانا بينت فيه : “إن لندن تؤيد حل الدولتين، الذي يعني وجود دولة فلسطينية مستقلة، وديمقراطية، تعيش في سلام، وبشكل آمن بجانب “إسرائيل”. ولكنها أعلنت في الآن ذاته أن هذه الخطوة هي خطوة رمزية غير ملزمة للحكومة ، وبالتالي هذا انتقاص من الشرعية الدستورية البريطانية ، تمثلت بإدارة الحكومة البريطانية باعتبارها السلطة التنفيذية ، الظهر الرسمي لهذا القرار البرلماني ، الصادر عن السلطة التشريعية التي يفترض أن تكون قراراتها ملزمة عاجلا أو آجلا .

على اي حال ، يأتي هذا القرار البرلماني البريطاني ، بعيد أحداث عسكرية وسياسية واقتصادية ، صهيونية وفلسطينية وإقليمية وعالمية ، تمثلت بالعدوان الصهيوني على قطاع غزة واطلاق الحمم النيرانية ضد حوالي مليوني فلسطيني في مساحة جغرافية صغيرة لا تتجاوز 363 كم2 ، وتاليا لمؤتمر القاهرة حول فلسطين – إعادة إعمار قطاع غزة بمشاركة عشرات الدول والمنظمات التي تسعى لترميم وإعادة بناء البيوت الفلسطينية المهدمة بفعل آلة الحرب العدوانية الصهيونية الثقيلة وتجميع ولو نظريا قرابة 5.4 مليار دولار . وما سبق هذين الحدثين من فشل المفاوضات الثنائية الفلسطينية – الصهيونية برعاية أمريكية في ربيع العام الحالي وتواصل وتيرة الاستيطان اليهودي بالضفة الغربية المحتلة وزيادة العزلة الصهيونية في المجتمع الدولي ، وامتصاص وتهدئة النقمة الفلسطينية والعربية والإسلامية على بريطانيا حليفة الامبريالية الامريكية الباغية .

 خريطة المملكة المتحدة ( بريطانيا )  Map of  United Kingdom - Great  Britain

التكفير عن الخطيئة البريطانية الخماسية الكبرى

( السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية )

 

برأينا ، فإن هذا القرار البرلماني البريطاني ، الذي تمثل بالمذكرة النيابية على أن “هذا المجلس يعتقد بأنه يجب على الحكومة أن تعترف بدولة فلسطين إلى جانب دولة إسرائيل باعتبار ذلك إسهاما في ضمان تطبيق حل الدولتين عبر التفاوض”. وإن جاء متأخرا ، عقود طويلة ، وصلت لنحو عشرة عقود وتحديدا 97 عاما ، ( 1917 – 2014 ) امتدت منذ وعد بلفور المشؤوم في 2 تشرين الثاني – نوفمبر 1917 ، القاضي بمنح اليهود ما يسمى بالوطن القومي اليهودي في فلسطين ، إلا أنه جاء ينصف بعدالة عرجاء ، وعلى استحياء سياسي وإعلامي للتكفير عن الخطيئة البريطانية التي منحتها وزارة الخارجية البريطانية لتمكين اليهود من الهجرة والقدوم إلى فلسطين الطبيعية من بحرها لنهرها ( البحر الأبيض المتوسط حتى نهر الأردن ) ، ووضع كل الامكانات العسكرية والسياسية والاقتصادية طيلة فترة الاحتلال البريطاني لفلسطين طيلة 31 عاما امتدت بين 1917 – 1948 أمام المنظمة الصهيونية الأوروبية النشأة والتبني الرسمي البريطاني لقرار المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بازل في سويسرا في أواخر آب 1897 .

 

أول الغيث قطرة .. مطالبة غير ملزمة بالاعتراف بدولة فلسطين

 

لقد سبقت الحكومة السويدية مؤخرا ، قرار البرلمان البريطاني ، غير الملزم ، باعتباره مناشدة وتوصية برلمانية يمكن أن تؤتي أكلها بعد حين لصالح فلسطين ، وحتى إن كانت هذه الخطوة السياسية البريطانية الفجة غير الناضجة ، ليست على المستوى المطلوب ، إلا أنها خطوة في الاتجاه الصحيح ، على الصعيد البريطاني أولا وعلى الصعيد الأوروبي ثانيا ، وعلى الصعيد العالمي ثالثا ، كون بريطانيا لها تاريخ استعماري كبير في الوطن العربي عموما وفي فلسطين خصوصا .

فعلى الصعيد الداخلي البريطاني التي تمتلك حق النقض ( الفيتو ) في مجلس الأمن الدولي ، جاءت هذه الحالة الجديدة في الحياة السياسية البريطانية ، نتيجة للمسيرات والمظاهرات التي نظمتها الجاليات الفلسطينية والعربية والإسلامية ومن الفئات الاجتماعية والأحزاب وبعض الجامعات ووسائل الاعلام البريطانية المناصرة للحقوق السياسية للشعب الفلسطيني في وطنه ، وهي الفعاليات الضخمة سياسيا واعلاميا ، التي صاحبت العدوان الصهيوني على قطاع غزة في الحرب الثالثة ضد قطاع غزة خلال ست سنوات ما بين 2008 -2014 ، وبالتالي جاء الاستحقاق السياسي لنصرة فلسطين على المستوى الشعبي كون مجلس العموم البريطاني هو برلمان منتخب من الشعب البريطاني .

وعلى الصعيد الأوروبي ، جاءت هذه الخطوة البريطانية ضمن توجهات دول الاتحاد الأوروبي لمقاطعة الانتاج الاستيطاني الصهيوني المصنع في المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية المحتلة والتوجه لاستقطاب الانتاج الزراعي والصناعي الفلسطيني . وسيكون لهذه الخطوة المتمثلة بالاعتراف بدولة فلسطين في حال قيامها ، تبعات سياسية واقتصادية واعلامية أوروبية مؤثرة ، بصورة لاحقة خلال العقد الحالي من القرن الحادي والعشرين ، وهي بداية التحول السياسي الأوروبي تجاه فلسطين والقضية الفلسطينية بصورة أكثر واقعية وملفتة للنظر.

وعلى الصعيد العالمي ، لا ننسى امتناع بريطانيا عن التصويت في الجمعية العامة للامم المتحدة ، في نيويورك ، في 29 تشرين الثاني 2012 ، حيث نالت فلسطين صفة عضو مراقب غير عضو في الأمم المتحدة .

وعالميا ، نستطيع القول ، إن بريطانيا أخذت تتجه نحو سياسة متدحرجة ومتدرجة ( خطوة – خطوة ) من الحياد وعدم التصويت في الأمم المتحدة ضد فلسطين أو لصالح الكيان الصهيوني ، الى مطالبة البرلمان البريطاني بالاعتراف بدولة فلسطين ، وهي مسار ايجابي جديد غير مسبوق ، يصب في الصالح الفلسطيني العام في حالة تطورت لمرحلة سياسية كاملة بالاعتراف الحكومي الرسمي البريطاني بدولة فلسطين .

وعلى النطاق الصهيوني ، فإن هذا القرار البرلماني البريطاني أقلق الحكومة العبرية ، وتداعت وزارة الخارجية في تل أبيب إلى شن حملة سياسية ودبلوماسية واعلامية مضادة ، لوقف تزايد العزلة الدولية للكيان الصهيوني ، عسكريا وسياسيا واقتصاديا وعلميا .

على العموم ، في التاريخ البشري ، وبعد انتهاء الاحتلال الاجنبي لأي بقعة من بقاع العالم ، تلجأ الدولة او الامبراطورية الظالمة التي اعتدت على الحقوق السياسية للشعب المحتل ، للاعتراف بظلمها والاعتذار السياسي والدبلوماسي مع ما يتبع ذلك من تعويضات مالية وعينية لتمكين الشعب الفلسطيني الذي عانى من الاحتلال البريطاني والاحتلال الصهيوني من تكوين دولته المستقلة فوق التراب الوطني . وفي هذه الحالة الامبريالية ضد الشعب الفلسطيني فإن بريطانيا وألمانيا واسبانيا وايطاليا ودولة أوروبية أخرى ممن ساعدت في ترحيل اليهود لديها لفلسطين مطالبة بالاعتذار الرسمي والتعويض الاقتصادي للمستضعفين في الأرض المقدسة ، بعشرات مليارات الدولارات ، وعلى بريطانيا تحديدا أن تكفر عن خطاياها المتعددة جراء اصدار وعد بلفور والاحتلال المباشر لفلسطين لما يزيد عن ثلاثة عقود زمنية بدفع مبالغ مالية نقدية ومعونات عسكرية واقتصادية سنوية لفترة زمنية مماثلة لسنوات الاحتلال الباغي الظالم يحددها الشعب الفلسطيني .

 

مواصلة الهجوم الدبلوماسي والسياسي

الفلسطيني والعربي والإسلامي والإنساني

 

من جهة أخرى ، يفترض في وزارات الخارجية والأجهزة الدبلوماسية الفلسطينية والعربية والإسلامية والإنسانية الصديقة مواصلة الهجوم السياسي والدبلوماسي باتجاه قارة أوروبا ، لأنها مصدر تصدير الاستعمار والاحتلال اليهودي الأوروبي إلى فلسطين الأرض المقدسة ، للحصول على الاعتذار البريطاني خاصة والأوروبي عامة للتعويض المعنوي والمادي لما تسبب من تعذيب وعذاب للشعب الفلسطيني لأجيال متتالية طيلة قرن من الزمن .

 

كلمة أخيرة .. دولة فلسطين المنتظرة 194 والاعتراف الأوروبي القادم

 

يبقى القول ، إن الإعلان الرسمي السياسي لوثيقة قيام دولة فلسطين ، تمت في الجزائر في 15 تشرين الثاني 1988 ، ولم تعترف الدول الأوروبية بقيام دولة فلسطين على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 ، إلى جانب الكيان الصهيوني ( دولة هرتزل ) المعترف بها اوروبيا وعالميا ( إسرائيل ) على الخريطة السياسية العالمية واستطاعة منظمة التحرير الفلسطينية ودولة فلسطين ، الحصول على اعتراف 112 دولة ، وهو عدد يزيد عن عدد الدول في العالم التي تعترف ب ( إسرائيل ) من اصل 193 دولة عضو في الأمم المتحدة

ورغم المحاولة الرسمية الفلسطينية الحصول على صفة دولة عضو في الأمم المتحدة بين العامين 2011 و2012 ، إلا أنها فشلت في ذلك بسبب التعنت الصهيوني والرفض والابتزاز والتهديد الأمريكي وما يتبعه من موالاة أوروبية للموقف الامبريالي الأمريكي .

وتحاول القيادة الفلسطينية في هذه الآونة الحصول على قرار من مجلس الأمن الدولي لوضع سقف زمني بثلاثة أعوام للانسحاب الصهيوني من الضفة الغربية المحتلة والسماح بقيام دولة فلسطينية ذات سيادة في الضفة الغربية وقطاع غزة ، إلا أن الجانب الصهيوني يرفض ذلك ، حيث تتمسك الحكومة العبرية في تل أبيب بخطة تقضي بمنح حكم ذاتي موسع للفلسطينيين أو ما يسمى بدولة فلسطينية منزوعة السلاح وبلا سيادة حقيقية على الضفة الغربية وقطاع غزة . وهذا يعني استمرار العجرفة والتعنت الصهيوني في منح الشعب الفلسطيني حقه في تقرير المصير وإقامة دولته الوطنية المستقلة في أرض الآباء والأجداد .

وهذا الظلم الاجتماعي والاضطهاد السياسي والاستغلال الاقتصادي الأجنبي الصهيوني للشعب الفلسطيني الذي يبلغ تعداده 12 مليون نسمة ، أكثر من نصفه لا زال صامدا وصابرا في وطنه ، لن يستمر طويلا ، وسيدافع الشعب المعذب عن الأماني والتطلعات الوطنية الأصيلة كحق من حقوقه الطبيعة أسوة ببقية شعوب العالم ، لأن الحرية والاستقلال لا تمنح ولا تهدى من الاحتلال الاجنبي وإنما تنتزع إنتزاعا من أنياب الظالمين .

والله ولي التوفيق . سلام قولا من رب رحيم .

20 ذو الحجة 1435 هـ / 14 تشرين الأول 2014 م .

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s