مذكراتي المكتبية .. الإنسان وعصابة الفئران – د. كمال إبراهيم علاونه

مذكراتي المكتبية .. الإنسان وعصابة الفئران

د. كمال إبراهيم علاونه
أستاذ العلوم السياسية والإعلام
رئيس مجلس إدارة وتحرير شبكة الإسراء والمعراج ( إسراج )
نابلس – الأرض المقدسة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
يقول اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ جَلَّ جَلَالُهُ: { وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (45) لَقَدْ أَنْزَلْنَا آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (46) وَيَقُولُونَ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (50)}( القرآن المجيد – سورة النور ) .
وجاء في صحيح البخاري – (ج 11 / ص 84) عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :” فُقِدَتْ أُمَّةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا يُدْرَى مَا فَعَلَتْ وَإِنِّي لَا أُرَاهَا إِلَّا الْفَارَ إِذَا وُضِعَ لَهَا أَلْبَانُ الْإِبِلِ لَمْ تَشْرَبْ وَإِذَا وُضِعَ لَهَا أَلْبَانُ الشَّاءِ شَرِبَتْ ” . وجاء برواية أخرى ، المعجم الأوسط للطبراني – (ج 14 / ص 429) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الفأرة مسخ ، وعلامة ذلك أنها تشرب لبن الشاء ، ولا تشرب لبن الإبل » . ويعني المسخ : تحويل الصورة أو الخلقة الجميلة إلى أخرى قبيحة .


ذات يوم بدأنا بوضع صحون الطعام على الطاولة تمهيدا لسكب وجبة الغذاء في هذه الصحون البلاستيكية ، وكان الطعام شهيا ، من الأطعمة الدسمة ، وأثناء التحضير لجلب طنجرة الطبيخ عن غاز الطهي ، والشروع في سكبه اضطررت للذهاب لتعبئة قنينة الماء من الحنفية الأصل ، وكان الجميع مستريحا ينتظر صحونه من الطعام ، غافلتنا بصورة طارئة ، بعض الفئران المعادية الوقحة ، آتية من جحورها من إحدى أكوام المزابل أو شبكات الصرف الصحي القريبة واقتربت من صحن وحيد من الصحون البلاستيكية وهو المعبأ بالطعام من بين الصحون الفارغة المعدة .
والمعروف عن الفئران أنها من القوارض الثديية السريعة والخفيفة الحركة ، ذات العيون والآذان الكبيرة ( للاستطلاع البصري والاستماع التجسسي ) ، التي تعيش قرب البيئة البشرية في سراديب أو جحور خفية ، وتحدث له الغم والهم وقلة الفرح فهي تقرض بأسنانها القاطعة وتتلف أكثر مما تأكل وبالتالي فهي أمة ماكرة مخربة جدا . والفئران أمة ممسوخة من الأمم من خلق إلى خلق قبيح ، وهي عدائية وخبيثة وماكرة جدا تقلب الحقائق الدامغة ، ضد الإنسان السوي ، ولديها حاسة شم تتجسس بها على الروائح الغذائية الطيبة ، وتحاول تغذية نفسها من الطيبات من رزق الإنسان . والفئران قصيرة العمر عادة ، جراء الملاحقة والمتابعة الميدانية من البشر والحيوانات الأخرى كالقطط .
لاحظنا بسرعة اقتراب عصابة فئران مؤلفة من أربعة فئران منها جرذون كبير وفأران متوسطا الحجم ورابع صغير من الصحن المعبأ ، والصحون الفارغة ، فتسلل زعيم العصابة المعتدية وهو الجرذون ( الفأر الكبير ) من الصحن المعبأ بالطعام ، ويبدو أنه غمس فيه شواربه الطويلة ولسانه وذيله ورجليه القذرتين كيف لا وهو خارج من مزبلة قذرة من المزابل القريبة ، رغم أن منظره يوحي بالأناقة . ولاحظنا أن بعض الفئران الأخرى المرافقة لهذا الفأر القذر ، قد أتت على صحون الطعام الفارغة تشتم لعل وعسى أن ينالها نصيب من الطعام اللذيذ ، ولكنها وضعت أنوفها وأرجلها واذيالها في الصحون الفارغة ولم تجد شيئا لتأكله . وجاءت هذه العملية الإرهابية من عصابة الفئران رغم الاحتياط الأمني والوقائي منها .
لمح أحد معدي الطعام عصابة الفئران المعتدية القذرة الآتية من خارج المنزل ، تريد اقتناص الفرصة ، لتناول الطعام من وراء الكواليس ، فصرخ بأعلى صوته ، فأخبر المشاركين في إعداد الطعام وسكبه ، أن الطاولة وصحونها اصبحت قذرة بفعل الفئران المهاجمة . واحتار المعدون ماذا يفعلون بالطعام ؟؟؟
وساد جو من السخط والتذمر والقرف في غرفة المعيشة ، فاقترحت عليهم بلا جدال إلقاء جميع الصحون المدنسة وغير المدنسة في سلة المهملات ، طالما أن أصل الطبيخ موجود في الطنجرة البعيد عن الفئران ، واستبدال الصحون بأخرى جديدة ، والعودة من جديد لسكب الطعام اللذيذ ولكن بحرص شديد بالبقاء حول طنجرة الطبيخ وحراستها جيدا ، وأخذ الحيطة والحذر عند توزيع الطعام في الصحون الجديدة . والحمد لله رب العالمين أن عصابة الفئران المعتدية ، لم تقترب من طنجرة الطبيخ الأصلية المليئة بالطعام . واثناء ذلك اقترح أحد الحضور ملاحقة الفئران النجسة ، والتخلص منها ، قبل تناول الطعام ، فقلت لهم ، دعك من هذا !!! ولكن هيهات .. هيهات ، فقد هربت هذه الفئران مذعورة ، ونزلت في أسفل سافلين ، عن درج الشقة ، وأخذت تختبأ هنا وهناك ، لتنجو بجلدها بعدما أحدثت النجاسة في الصحن المعبأ والصحون الفارغة ، وأحدثت ضجة في ملاحقتها ، فلاحظ أحد الملاحقين المتابعين لها ، دخولها من مصرف الشقة الأرضية جراء فتح الباب مشرعا . فقلت لهم : يجب إغلاق الأبواب بصورة محكمة وعدم تركها مفتوحة لدخول ما هب ودب من الزواحف والفئران والقطط وغيرها .
وعاد الجميع أدراجه لتناول وجبة الطعام التي لم يمسسها أحد من عصابة الفئران بلسانه أو بشواربه الطويلة أو أنفه أو رجله أو ذيله ، وتوالت الاقتراحات حول كيفية التخلص من هذه الفئران القذرة المعتدية على الصحون ، ما بين خائف منها ومقزز منها ومناد بملاحقتها في كل مكان في الشقة أو بقتلها أو وتسميمها أو نصب الفخ لها أو استجلاب لواصق لها من الصيدلية القريبة ، أو احضار قط أو قطة مع أولادها للحديقة كإجراء وقائي لمتابعتها وصدها .
قلت لهم : لماذا تضيعون وقتكم في ملاحقتها والبحث عنها ؟؟؟ وقد خرجت مذعورة لمزبلتها وربما شبكة المجاري القريبة ، لن نستسلم لها ، فأنا أحب المواجهة دائما ، والدفاع عن النفس من الدخلاء الطارئين ، فانتظروا بعد الانتهاء من تناول وجبة الطعام وأتركوها في حال سبيلها ، فستأتي مرة أخرى ، وتعود أدراجها لأن هذه طبيعتها ، وارصدوها بعناية وأحضروا الشباشب استعدادا للدفاع عن أنفسكم ، فلا تستحق إلا الضرب بالشباشب وانتظروا المعركة بين ( توم وجيري ) فضحك الجميع ، وأعرب البعض عن الاستياء من ذكر سيرة الفئران القذرة . وقلت لهم سنعمل على الاستفادة من عصابة الفئران بإجراء تجربة عملية ولكنها ليست علمية بل معركة عسكرية بين المهاجمين والمدافعين وسترون لاحقا .
وما أن أنهينا الحديث حول هذه المسألة ، وبعد ساعة من الزمن ، حتى عادت الفئران مرة أخرى أدراجها تزحف تارة عن بطونها ، وتارة تمشي الهوينى ببطء ، ترقب بعيونها اللامعة من بعيد ماذا حصل في وجبة الطعام السابقة !!!. استعنا بالصبر ثم ببعض القطط الصديقة التي تأتي عادة لأخذ نصيبها من الطعام ، في المنزل من خلال تقديم بعض الطعام لها ، وابتعدنا بضعة أمتار عن مكان الوليمة الصغيرة فتخيلت الفئران القذرة أنها في أمن وأمان ، فاقتربت من بقايا الطعام في بعض الصحون ، في المرة الثانية ، فبادرنا بملاحقة هذه الفئران فأرا فأرا ، والقطط تهاجمها بمخالبها ، فطرحتها أرضا والتهمتها بسرعة فائقة فهي وجبة دسمة لهذه القطط ، فلم يفلت منها أي واحد ، وتم القضاء عليها ، فكانت طعاما سائغا لهذه القطط الصديقة . واقتضت الحاجة لغسل مكان المعركة الفاصلة التي جرت في الشقة بالماء والمطهرات السائلة . وانتهت المعركة الميدانية الطارئة بنهاية مميتة لعصابة الفئران القذرة المهاجمة بلا موعد سوى أنها اشتمت رائحة الطعام فجاءت لحتفها . واحتفل المشاركون بالحفلة بالنصر المبين على هذه العصابة الباغية من الفئران .
ونصيحة للجميع لا تأمنوا ، ولا تعقدوا صلحا غائبا ولا تهادنوا ، ولا تستسلموا للفئران والجرذان الحيوانية والبشرية كذلك ، التي تتوالد بكثرة ، في جميع فصول السنة ، فتتلف أثاث المنازل والمكاتب والمؤسسات ، فطهروا انفسكم وبيوتكم وحارتكم وقراكم ومدنكم ومخيماتكم ، من عصابات الفئران المعادية للبشرية ، وكونوا لها بالمرصاد ، فلا تتركوها تتوالد في بيوتكم أو مكاتبكم او بالقرب منكم في أي مكان وزمان اطلاقا لأنها مؤذية ومخربة وضارة كل الضرر وتسبب خسائر اقتصادية باهظة ، وتلحق بالإنسان الغثيان والقرف ، ويتقزز البشر من منظرها وحركاتها ، تحت شعار ” لا يسمح بدخول الفئران بتاتا ” ، وذلك بتربية القطط ومصاحبتها ، في المنزل وخاصة في الحديقة وعن بعد ، لأنها تحمي البيت من الفئران وتتولى أمرها بطريقة مناسبة ، وتلاحق الثعابين والأفاعي السامة مهما كان حجمها وتقتلها ، كإجراء وقائي مكين .
والله ولي التوفيق . سلام قولا من رب رحيم .
يوم الجمعة 15 شوال 1436 هـ / 31 تموز 2015 م .

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s